قرأت قبل يومين، مقالة في النيويورك تايمز، لكاتب متحمّس يبدو لي من اسمه الثاني أنّه واحدٌ من أولئك العرب الذين هاجر أباءهم إلى الولايات المتحّدة، ولكي يظفر بالامتيازات الأمريكية كان عليه أن يكون مواطنّاً أمريكياً أكثر من الأمريكيين ذاتهم، تحدّث الكاتب المغمور عن تجربته في الصبا في دمشق، وكيف أنَّ الإرهابيين حاولوا النيل من أبيه الأستاذ الجامعي لكونه يميل للمسيحية، وكيف أثّر ذلك على حياته فيما بعد وأصبح يرى يسوعاً كطيف سلام عبر وخلّص العالم من أخطاءهم وأنَّ ما أتت به سيرة محمّد ما هي إلّا تكريس للحياة الهمجية التي قنّنها في أحاديثه ورواياته، ثم أكتفى بذكر ثلاثة شخصيات إسلامية يشهد لها في التاريخ الإسلامي، ويقول على حد تعبيره بأنّ تلك الشخصيات هي من منهجت الإرهاب الإسلامي بشكله الحالي: ابن تيمية، البخاري، ثم اسم آخر لم أعرفه إلّا حينما تحدّث عن كتابه، كان يقصد ابن جحر العسقلاني، ولك أنّ تتخيّل ما أصعب أن تنقل هذا الاسم نقلاً صحيحاً إلى الإنجليزية
المقال لم يستفزني في الحقيقة، فالنيويورك تايمز تعشق هذا النوع من المقالات التي تستفز المسلمين وتشير بالأصابع عليهم في كلِّ مناسبة بأنّهم خلقوا ليكونوا إرهابيين. ولكن، أنا متأكّد بأن هذا الكاتب المغمور لم يكتب عن هذه الشخصيات إلّا بعد امتلاء الصفحات العربية التي تحدّثت عنهم بسوء إرضاءً للسلطان والحاكم والأنظمة التوليتارية التي عشعشت في الأوطان العربية، ولهذا كان لزاماً على المسلمين أن يقدّموا الصفحة المشرقة لكل الشخصيات الإسلامية أو غيرها، إنصافاً وموضوعية لا حَميّة وانحيازية، فأن تصل بصعلوكٍ أن يقول في ابن تيمية وابن حجر والبخاري ما مفاده بأنهم طمعوا في السلطة وسرقوا بيت المال وكانوا فاسدين وقطاع طرق ولصوص، فهذا جرمٌ أخلاقي قبل أن يكون حماقة صحفية يقدِمُ عليها تافهٌ ،إمّعة وصعلوك ليغذّي مقالته بالدراما.
فالتاريخ يهوى الدنس، يعشق كاتبوه حبر الدم، وشيطنة من مروا به، فليس ابن تيمية سوى أصولي وإرهابي وتكفيري، في حين أنهم تعمّدوا نسيان أمرٍ مهم؛ وهو أن الرجل أيضاً قد وقف وقفة رجالٍ في عصره، فواجهَ الخونة والعملاء: كسيف الدين المنصوري في عهد دولة المماليك، وصمَدَ أمام جبروت التتار وملكَهم قازان، وأطلق كلمة حق في وجههِ غير مبالياً بالموت، ودافع عن أهل الذمة من أسرى التتار، وأمره بإطلاق سراحهم فوراً، وناصر أميره الأفرم وحاججهُ في الخمر والربا، فأجاب مطالبه كلها، ثم زهد ابن تيمية في ما عرض عليه من مناصبٍ، ولما كان الناصر بن محمد قلاوون حاكم مصر، أمر الناس بالدعاء له، فقد ناصر الحق وحمى المسلمين من شر التتار، وشارك بالمعركة وقدّم له قلاوون جائزة ثمينة لم يبقِ فقيراً أو محتاجاً إلّا ووزعها له، ومات بسجنه لأنه لم يتخلَّ عن قول الحق، فليذكر التاريخ ذلك أيضاً.
ولتكن لنا في ابن حجر العسقلاني آية، ذلك الذي حمِلَ أباهُ الحجر، تاركاً منصب القضاء، فعمِلَ على حَملِ الحجارة لكفِّ الظلم عن الناس، ثم مات وترك ابنه وابنته، فخان صاحبهُ الأمانة بعدما أوصاه بابنه وابنته، فرماهما وسرق مالهما، وشبع الطفل وأخته قهراً في من أوصي بهما، ثم كبر الفتى فأًصبح اسكافياَ فإماما فقاضٍ، فأعتزل القضاء كأبيه، من أجل أن يتفرغ لعلم الرجال والحديث الذي منعهُ السلطان في ذلك الزمان، فأمر السلطان ابن حجرٍ أن يختار قاض بديلاً عنه، فأختار من شبع منه ظلماً في صباه، ذلك الإمام الذي رفض أن يجيز له ويزكيه، مصداقاً لقوله تعالى: “ولا يظلمنك شنئان قومٍ ألا تعدلوا”، ثم دافع عن المظلوم قطان، ذاك الذي خان وصية أبيه، وسرق مالهُ ومال أخته، فأتاه السجن وواساه ودفع عنه الظلم، ذلك الرجل بعينه هو من بسببه عاش في فقر وقهر، ثم أتى بزوجتهِ لأم محي الدين، تلك المرأة التي أشبعته وأخته ظلماً في بيتها عندما تيتّما وشفق عليهما زوجها فرباهما، فأتى ابن حجر بعد سنين بزوجته خادمة لها بعد أن أصبحت عمياء لبكاءها الشديد على ولدها الوحيد الذي قتل، أحمد بن علي العسقلاني، الذي شبع ظلماً لم يشبع الناس سوى عدلاً وحُلما.
أمّا البخاري الذي ينسِبُ العالم إليهِ كل عملٍ إرهابي أو تكفيري، ذاك الذي ترك الدنيا وزهد بها من أجل أن يراجع أحاديث رسول الله في كل بقاع أرض المسلمين، والذي قطع مئات الآلاف من الأميال عطشاً وجائعاً وطريداً ومقهوراً من أجل أن لا يظمأ المسلمين، وأن لا تطفئ سراج سنّة رسول الله.
علينا أن نذكر هذا أيضاً؛ فهذا هو الإنصاف بعينه.
