الإنصاف بعينيه

قرأت قبل يومين، مقالة في النيويورك تايمز، لكاتب متحمّس يبدو لي من اسمه الثاني أنّه واحدٌ من أولئك العرب الذين هاجر أباءهم إلى الولايات المتحّدة، ولكي يظفر بالامتيازات الأمريكية كان عليه أن يكون مواطنّاً أمريكياً أكثر من الأمريكيين ذاتهم، تحدّث الكاتب المغمور عن تجربته في الصبا في دمشق، وكيف أنَّ الإرهابيين حاولوا النيل من أبيه الأستاذ الجامعي لكونه يميل للمسيحية، وكيف أثّر ذلك على حياته فيما بعد وأصبح يرى يسوعاً كطيف سلام عبر وخلّص العالم من أخطاءهم وأنَّ ما أتت به سيرة محمّد ما هي إلّا تكريس للحياة الهمجية التي قنّنها في أحاديثه ورواياته، ثم أكتفى بذكر ثلاثة شخصيات إسلامية يشهد لها في التاريخ الإسلامي، ويقول على حد تعبيره بأنّ تلك الشخصيات هي من منهجت الإرهاب الإسلامي بشكله الحالي: ابن تيمية، البخاري، ثم اسم آخر لم أعرفه إلّا حينما تحدّث عن كتابه، كان يقصد ابن جحر العسقلاني، ولك أنّ تتخيّل ما أصعب أن تنقل هذا الاسم نقلاً صحيحاً إلى الإنجليزية

المقال لم يستفزني في الحقيقة، فالنيويورك تايمز تعشق هذا النوع من المقالات التي تستفز المسلمين وتشير بالأصابع عليهم في كلِّ مناسبة بأنّهم خلقوا ليكونوا إرهابيين. ولكن، أنا متأكّد بأن هذا الكاتب المغمور لم يكتب عن هذه الشخصيات إلّا بعد امتلاء الصفحات العربية التي تحدّثت عنهم بسوء إرضاءً للسلطان والحاكم والأنظمة التوليتارية التي عشعشت في الأوطان العربية، ولهذا كان لزاماً على المسلمين أن يقدّموا الصفحة المشرقة لكل الشخصيات الإسلامية أو غيرها، إنصافاً وموضوعية لا حَميّة وانحيازية، فأن تصل بصعلوكٍ أن يقول في ابن تيمية وابن حجر والبخاري ما مفاده بأنهم طمعوا في السلطة وسرقوا بيت المال وكانوا فاسدين وقطاع طرق ولصوص، فهذا جرمٌ أخلاقي قبل أن يكون حماقة صحفية يقدِمُ عليها تافهٌ ،إمّعة وصعلوك ليغذّي مقالته بالدراما.

فالتاريخ يهوى الدنس، يعشق كاتبوه حبر الدم، وشيطنة من مروا به، فليس ابن تيمية سوى أصولي وإرهابي وتكفيري، في حين أنهم تعمّدوا نسيان أمرٍ مهم؛ وهو أن الرجل أيضاً قد وقف وقفة رجالٍ في عصره، فواجهَ الخونة والعملاء: كسيف الدين المنصوري في عهد دولة المماليك، وصمَدَ أمام جبروت التتار وملكَهم قازان، وأطلق كلمة حق في وجههِ غير مبالياً بالموت، ودافع عن أهل الذمة من أسرى التتار، وأمره بإطلاق سراحهم فوراً، وناصر أميره الأفرم وحاججهُ في الخمر والربا، فأجاب مطالبه كلها، ثم زهد ابن تيمية في ما عرض عليه من مناصبٍ، ولما كان الناصر بن محمد قلاوون حاكم مصر، أمر الناس بالدعاء له، فقد ناصر الحق وحمى المسلمين من شر التتار، وشارك بالمعركة وقدّم له قلاوون جائزة ثمينة لم يبقِ فقيراً أو محتاجاً إلّا ووزعها له، ومات بسجنه لأنه لم يتخلَّ عن قول الحق، فليذكر التاريخ ذلك أيضاً.

ولتكن لنا في ابن حجر العسقلاني آية، ذلك الذي حمِلَ أباهُ الحجر، تاركاً منصب القضاء، فعمِلَ على حَملِ الحجارة لكفِّ الظلم عن الناس، ثم مات وترك ابنه وابنته، فخان صاحبهُ الأمانة بعدما أوصاه بابنه وابنته، فرماهما وسرق مالهما، وشبع الطفل وأخته قهراً في من أوصي بهما، ثم كبر الفتى فأًصبح اسكافياَ فإماما فقاضٍ، فأعتزل القضاء كأبيه، من أجل أن يتفرغ لعلم الرجال والحديث الذي منعهُ السلطان في ذلك الزمان، فأمر السلطان ابن حجرٍ أن يختار قاض بديلاً عنه، فأختار من شبع منه ظلماً في صباه، ذلك الإمام الذي رفض أن يجيز له ويزكيه، مصداقاً لقوله تعالى: “ولا يظلمنك شنئان قومٍ ألا تعدلوا”، ثم دافع عن المظلوم قطان، ذاك الذي خان وصية أبيه، وسرق مالهُ ومال أخته، فأتاه السجن وواساه ودفع عنه الظلم، ذلك الرجل بعينه هو من بسببه عاش في فقر وقهر، ثم أتى بزوجتهِ لأم محي الدين، تلك المرأة التي أشبعته وأخته ظلماً في بيتها عندما تيتّما وشفق عليهما زوجها فرباهما، فأتى ابن حجر بعد سنين بزوجته خادمة لها بعد أن أصبحت عمياء لبكاءها الشديد على ولدها الوحيد الذي قتل، أحمد بن علي العسقلاني، الذي شبع ظلماً لم يشبع الناس سوى عدلاً وحُلما.

أمّا البخاري الذي ينسِبُ العالم إليهِ كل عملٍ إرهابي أو تكفيري، ذاك الذي ترك الدنيا وزهد بها من أجل أن يراجع أحاديث رسول الله في كل بقاع أرض المسلمين، والذي قطع مئات الآلاف من الأميال عطشاً وجائعاً وطريداً ومقهوراً من أجل أن لا يظمأ المسلمين، وأن لا تطفئ سراج سنّة رسول الله.

علينا أن نذكر هذا أيضاً؛ فهذا هو الإنصاف بعينه.

أعلم أنك حجر

لقد حاولتُ جاهداً أن أبيّن عدم صحّة تحليلِ أفعال النبي والسير عليها، في ما يتعلّق بحربهِ على العدو [المشركين ] في الاسلام الدَعَوي، بيد أنّني ربما لم أوضح الفكرة كما يجب في الصفحة (31 – 32).

لنقف على الحياد ونتذكّرُ ما قاله عتبة بن ربيعة، لقد قال لمحمّد: “وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومهِ ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفّهت الأحلام، وشتمت الآلهة”. وبنظرة موضوعية نرى أنَّ محمّد قد فعل ذلك حقّاً، فقد شتم الأقدمين، كالوليد بن المغيرة، وعابَ دينهم، وسفّه بأحلامهم وشتم آلهتهم. ثم ما لبث بعد سنينٍ حتّى دخل الجمعُ في الاسلام يوم فتح مكّة، حين كان ما كان من المسلمين من قوّة وغلبة، فما كان من سادات قريش إلّا أن يؤمنوا به: اقتناعاً أو خنوعاً واستسلام، كما يُذكَرُ في مقولتهِ الشهيرة: أذهبوا فأنتم الطلقاء.

ولهذا فما زلّت أصرُّ على قولي بأن للأنبياء فلسفة خاصةّ لا يجوز القياس عليها، والخوض فيها بعين التحليل والتقييم والمعايير الاخلاقية، فالنبوّة في عمومِها، تسليمٌ خارجَ نطاقِ العقل. وإن كان قد سلّمَ المؤمنون بنبوّةِ محمّد، فعليهم قبولُ ما فعله النبي بغية اتباع ما أمرهم الله به. فسلوك كالحروب والغزوات والسبي والغنائم آنيّة أمَرَ بها النبي، وحينما أُمِرَ أن يَعفو فعل. فالمتتبّع لسيرة النبي، سيرى أن ما فعله النبي حينها كان في سبيل الدَعوة، وحينما قُضي الأمر وتغيّر الحال، أمَّنَ على سهيل بن عمرو وأعفى، وهو من أشدِّ الألسنة عداءً عليه حينها، وأرسَلَ لصفوان بن أميّة عمامتهُ ليطمئِنَ قلبه ويعودَ لداره بعد أن هرب خوفاً من قتل المسلمين له، لكَ أن تتخيّل ماذا يعني أن يقوم نبي ما بارسال عمامتهِ لمشركٍ قاتلهُ في عدّة غزوات وها هو يصفحُ عنه ويرسِلُ له عمامته دليلاً على صفحِهِ له، وقد فعل محمّد ذلك مع عكرمة وهند وأبو سفيان ووحشي وعدد آخر، كدلالة واضحة بأنه قد رأى الآن ضرورة أن يُعيدَ شملَ قومهِ.

فالنبوّة حينما تقوم بتحليلها مستخدماً معاييراً أخلاقيّة معاصرة، ستجدها قمّة في القسوة، ولكن لو وقفنا عند ما قاله عمرٌ في الحجر الأسود مستنداً إلى ما قام به النبي في تقبيله للحجر الأسود: “إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّلك ما قبّلتك”، وما قاله علي في مسح القدم: “لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه”، لتبيّن بشكلٍ جليء بأن النبوّة ما فهِمَها أصحاب محمّد بالعقل… ثم تمَّ خطفُ النبوّة حينما شاركَ المسلمين أفعالاً مقصورة على النبي وحده ومستثناةٌ له بحكم نبوّته.

الرشديّة والتأويلُ القرآني

قد لا يتسعُ الوقت إطلاقاً لنتحدث عن انعكاسات المدرسة الرشديّة وتأثيرها على التأويل القرآني ، وعلى مسائل الفقه والدين ، ومدى تأثر الأوروبيين بالرشديّة اللاتينيّة بشكل واضح جداً من خلال هجوم الكنيسة بقيادة توما الاكويني على مؤلفات ابن رشد ، وعلى المقولات التي خلّدتْ ابان إعدام العالم جاليليو واستخدام مصطلحات وجمل رشديّة بحته ، فمن يُنكر أن المدرسة الرشديّة هي الجذور الأولى للتنوير الأوروبي ، بيدَ أن للجانب الديني محظورات وضرورات وشروط لا يُمكن الانطلاق فيها من جانب متسرع جداً ، لذا وجب التعريف أولا ً وقبل الخوض في الموضوع بآليّات التأويل عند الفلاسفة والمتكلمين

يذكر الكاتب عبد الجليل سالم في مقالتهِ المعنوَنة “العقل والدين عند ابن رشد” أسباب خلقِ قانون يحدُّ وينظمُ العملية التأويلية وهو تجنيب المسلمين الوقوع في الزلل ، وشيوعِ الفوضى في التأويل وإشكالياتها على العقيدة ، فأولُ المحاولات الجادة في التأويل كانت عندَّ علماء الكلام على يد أمام الحرمين الجويني في إرشاده ، عندما خصّصَ باباً اسماه (باب القول في السمعيات) ثم لحقهُ على أثرهِ تلميذهُ الكبير حجة الإسلام الإمام الغزالي الذي وضعَ رسالة بعنوان قانون التأويل التي تعدُ من أولى الرسائل الكلامية المنهجية التي كتبت حول هذا الموضوع.

تناول كلاً من ابن رشد والغزالي مشاكل التأويل والفلسفة والفقه في حرب تراشقيّة منهجيّة ، فقد أكتفى علماء المسلمين من القول في الفلاسفة العرب المتأثرين بالمدرسة اليونانيّة حينما أنتهى بهم الأمر في أولى صفحات مؤلف الغزالي بأن أطلق لهم حكماً انتهائي بالكفر والزندقة ، ثم حاولَ ابن رشد بعد أعوام بأن يستعيدَ مجدَ الفلاسفة ، والنهوض بأعبائها المتشكلة بشكلٍ خاص بين العقل والنقل ، فخصّص كتابه “فصل المقال” لهذه القضية ، وهو بذلك يعدُ أول فيلسوف مسلم يفردُ لهذه الإشكاليّة كتاباً مستقلاً ، ثم أكمل ابن رشد مسيرته بأن ألّف كتابين آخرين تكملة للكتاب السابق الذي يناقشُ الإشكالية من منظور نظري وردّاً على الغزالي ، فكتبَ “الكشف عن مناهج الأدلة ثم “تهافت التهافت” اللذان يعدّان أولى المناوشات الفكرية التي تحدثُ بين عالمين مسلمين يفصل الأول عن الآخر سبعون عام.

 في فصلِ المقال ، طرحَ ابن رشد عدة مبادئ لإيضاح العلاقة والحاجة إلى التأويل :

  1. الشريعة توجب الفلسفة
  2. الشريعة لها معانٍ ظاهرة للعامة ، وأخرى باطنة للخاصة ، ومعنى هذا وذاك وجوب التأويل أحياناً ، ولبعض الطبقات من الناس
  3. وضع قواعد خاصة بتأويل النصوص
  4. تحديد مدى وقدرة العقل والصلة بينه وبين الوحي

وقد أنتهى ابن رشد من هذا كله إلى أن الحكمة والشريعة أو الدين والفلسفة أختانِ رُضعتا من لباناً واحداً.

أما الفلسفة الرشديّة فهي ليست أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع ، وأمّا الموجودات فإنما تدلُ على الصانع بمعرفة صنعتها ، وأنّهُ كلّما كانت هُناك المعرفة بصنعتها أتم ، كانت المعرفة بالصانع أتم. وربما من الجانب هذا أتجهَ بعض المفكرين العرب إلى الجزم بأن الفكري الرشدي ما هو إلّا محاكاة للمدرسة الأرسطويّة ، ففي سياق النص الأرسطوي “علم الموجود بما هو موجود ” لهو النص الذي أعتمد عليه ابن رشد في بناء قاعدتهِ التعريفية للفلسفة ، بينما يُمكن الالتفات إلى جانب آخر للتعريفات الرشديّة للفلسفة التي نقتبسها من كتابه ” الفصل ” : إن هذه الصناعة –الفلسفة – لمّا كانت ناظرة في الموجود بما هو موجود ، وذلك يقتضي النظر في مبادئ الموجود بما هو موجود وفي المور اللاحقة إذ كانت كل صناعة نظريّة إنّما تحتوي على هذين الجنسين من المعرفة” . جليّاً جداً الفرق بين التعريفين السابقين لابن رشد ، وهو لا يعزى إلى تناقضٍ في الفكر الرشدي ، وإنّما إلى اختلاف الزاوية التي ينظر منها إلى الفلسفة ، فالمنظور الأول ينظر من جانب أرسطوي بحت ، والآخر من زاوية المتكلمين.

وأمّا العلم ، فهو معرفة الأشياء بأسبابها كما جاء في كتابه “الكشف ” وقد حصرهُ تحتَ مسمى “العلم الحق” الذي هو معرفة الله تعالى وسائر موجوداته على ما هي عليه وبخاصة الشريعة منها ، بيدَ أنَّ ابن رشد الذي عرّف الفلسفة من زاوية كلاميّة لا يريدُ أن تبقى معزولة خصوصاَ أنّهُ اعتبرَ أن الفلسفة من المعارف التي أكد عليها الشرع بل ربما أهمها ، لذلك فهو يرى أن الفلسفة تفحّصٌ عن كل ما جاء بهِ الشرع ، إذ يذكر في تهافته “والفلسفة تفحّص عن كل ما جاء في الشرع ، فإن أدركته استوى الإدراك وكل ذلك أتم في المعرفة” وقد أنتهى بقوله القاطع “وإن لم تدرك ؛ أعلم بقصورِ العقلِ الإنساني عنه ، وأن يدركه الشرع فقط” وقد تبنّى الفلاسفة اليهود هذا الأمر بتعريفٍ مشابهٍ جداً ، فقد تحدّثَ ابن ميمون على أن العقل له حدٌ يقفُ عنده في قدرتهِ على المعرفة ، وحينئذ يجبُ اللجوء فيما لا يمكن أن يصل إليهِ العقل ، إلى الوحي.

ولعلَّ أبرز الأمور التي شغلت فلاسفة القرن السادس والسابع والثامن والتاسع عشر في أوروبا ، هي تلك الأمور التي تحدّث عنها ابن رشد في محدوديّة العقل البشري وهي “معرفة الله” و”السعادة” و”الشقاء الإنساني” ، ابتداءاً من ديكارت وباسكال مروراً بسبينوزا ولوك وهوبز ثم كانت وهيجل وكيركجارد شوبنهاور وانتهاءاً بنيشته وفرويد وهايدجر وسارتر ، إذ توقّف الأمر عند كثيرٍ من الفلاسفة في الإتيان بنتيجة حتميّة حولَ الأمر ، فوَصَلَ الأمرُ إلى إنشاءِ توليفةٍ بين الفلسفةِ والكنيسة كتلك التي أتى بها الفيلسوف الوجودي المسيحي سورين كيركجارد ، وما يؤكدُ على تلك الفرضيّة هو نقيضها التي أتى بها فريدريك نيتشه عندما هاجَمَ أبرز خصائص اللاهوت المسيحي حينما تحدث عن “الشفقة” و”النعمة” و”الرحمة” ، وجليّاً أنّها مرادفة لتلك التي تحدث عنها ابن رشد قبل ثمانية قرون وانتهى بهِ الأمر – ابن رشد – إلى الاعتراف بمحدوديّة العقل البشري وفاعليّة الوحي والشريعة.

يطرحُ الكاتب عبد الجليل سالم واحداً من أهمِّ الأسئلة على الإطلاق – في الجانب التأويلي – وهوَ “كيفية حل مشكلة عدم مخالفة الفلسفة للشرع الجامع إلى جانب البرهان الطرق الظنيّة من خطابة وجدل؟” ولحل تلك الإشكاليّة والتساؤل ، لجأ ابن رشد إلى تحليلِ الخطاب الإلهي وإظهار ما فيهِ من تفاوتٍ حسب مستوى مخاطبيّه فيقول : والسببُ في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن هو اختلافُ فطرِ الناس وتباين قرائحهم في التصديق” ، ولهذا السبب حرّمَ ابن رشد التصريح بالتأويل اليقيني لأهل الجدلِ فضلاً عن الجمهور ، فغاية ابن رشد من التأويل القرآني هو البحث في المعنى الفلسفي للنص على غرار غريمه الغزالي الذي كانَ يبحثُ عن المعنى الحقيقي للنص ، وهنا يكمنُ الخلاف الأساسي بينهما ، وخلاصة الأمر إذا كانَ التأويلُ هو الفلسفة والحكمة ؛ فأعلمهم بهِ هم الفلاسفة ، فهم الذين سماهم الله في محكمِ كتابهِ ” والراسخين في العلم ” فالبرهانيون هم أهلُ العلمِ والأحق بالتأويل. فإخراج دلالةِ اللفظ من الدلالة المجازية إلى الدلالة الحقيقية هو أمرٌ وجبَ الوقوفُ عليهِ تماشيّاً مع مقتضيات الشرع والعصر.

الإسلام السياسي.. تاريخ وعِبَرْ

يشهَدُ العالم في الآونة الأخيرة ذكرى واقعة هزّت كيان الإستقرار الغربي لأول مرّة بعد انتهاء جنون الحرب العالمية الثانيّة. لقد مضى على أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول خمسة عشر عاماً، وقد خلّفَت ضحايا أبرياء، وأصبحت تاريخاً ونصباً تذكاريّاً وذكرى يحييها الأمريكيين مع ذوي الضحايا للأعوام القادمة، ولكنّ الأبعاد السياسية والإجتماعية والفكرية لن تُركن في رفوف التاريخ، بل جعلت وستجعلُ من هذا المشهد المأساوي مساراً يغيّر الموقف الغربي من الإسلام والمسلمين، وقد جعلت الغرب يتفنّنون في ترهيبِ وتقسيمِ الجماعات الإسلامية هادفين في المقام الأول معرفة حقيقة ما إذا أصبحَ الإسلام تهديداً فكرياً وتحريض ديني وحسب أم أنّه تجاوز تلك المرحلة بأبعاد لم يتوقعها أكبر المحللين السياسيين يوماً.

يذكر الكاتب السوري رضوان زيادة، في مقالتهِ المعنونة “المنظور الغربي لحركات الإسلام السياسي” بأن صورة الإسلام التي بدت في غاية السلبية – بناءاً على استطلاع أجراه معهد (بيو) الدولي للأبحاث في تموز/يوليو 2005 – بأنَّ السببَ وراء ذلك يعودُ إلى أسبابٍ تاريخيةٍ وسياسيةٍ أبعد بكثير من أحداث الحادي عشر من سبتمر/أيلول، أي أنَّ بناء هذه الصورة السلبية نابعٌ بشكلٍ رئيس من الأحكام التلقائية التي تطلقها وسائل الإعلام الغربية والنخبُ السياسية والفكرية والثقافية. ويرى الكاتب الإيرلندي ماليس رونفن أن الفشل الإسلامي يعزو إلى وجودِ نوعٍ من التمزّقُ الداخلي داخل المجتمعات الإسلامية والذي تجسّد في التمزق بين ماضٍ تقليدي وتعليم عالٍ، مضمونه غربي ومدني، الذي أدى بدورهِ إلى تأجّجٍ في الهويةِ داخل هذه المجتمعات والتي لعبت فيما بعد دوراً محورياً في استدعاء أنماط من الصراع والصدام التقليدي بين الإسلام والغرب، بينما يرى مواطنه فريد هاليداي – صاحب كتاب ساعتان هزتا العالم – أن الحركات الأصولية في مجملها، لا الإسلامية منها وحسب، معادية للحداثة والديموقراطية معاً، إذ أنَّ الآخر عندها مرفوض مبدئيّاً، وحينما تتشابك الهويّتان الدينية والإثنيّة في أحداهما؛ يتكامل العداء للآخر حتى يصير أقرب إلى كونهِ عداءاً عنصريّاً، إذ يختلف مع رونفن في كون أنَّ الحركات الأصولية لا تكترثُ بالتمنية أو العولمة، وإنّما تصبُّ جامَ غضبها على حكامها، وعلى الفساد الأخلاقي وعلى الغرب وإسرائيل.

بيد أن البعض يذهبُ إلى أبعدَ من ذلك في تحليلاتهِ ليقرأ الخلفية الإجتماعية والسياسية التي مكّنت صعود الإسلام السياسي متمثلة في انهيار مشروع التحديث العربي الذي قادتهُ الأنظمة العربية ما بعد الإستقلال منذ الخمسينات وفشلها الذريع في تحريرِ فلسطين كقضيّةٍ أسلامية، ثم تصاعد تلك المسألة في الوعي العربي والإسلامي، ثم فشل التمنية الإقتصادية الإجتماعية وهو الأمر الذي أنعكسَ بشكلٍ كبير على أزديادِ الفقر وتدهور المستوى المعيشي للمواطنين، ثم ترافق مع تلك الأحداث نمو شكلٍ من أشكال التسلطية السياسية المطلقة التي اختلفت بين دول عربية وأخرى؛ إلّا أنها تشابهت في انعدام تبلورِ أفقٍ لإنجاز الديموقراطية السياسية، وقد ترافق كلَّ هذا مع صعودِ نجمِ إسرائيل كقوةٍ إقليميةٍ وعسكريةٍ واقتصاديةٍ وتكنولوجيةٍ وفشل العرب في تحقيقِ أيٍّ من الشعارات التي وضعوها وحلموا بها كالقوميّةِ العربية في مواجهة إسرائيل، كل هذا خلقَ بيئةٍ خصبة لنمو التديّن السياسي وأكتساحهِ الأرياف المتوسطة والفقيرة الأمر الذي شكلَّ بدورهِ مرتعاً سهلاً لنمو التيارات المتطرفة داخل هذه القرى والأحياء المعدمة.

أرتكزت هذه الدراسات التصنيفية لحركات الإسلام السياسي على أنَّ هناك “تياراً أعظم” يتصِفُ بالتصالحية والأعتدال، وهو ما يطلق عليه في الفقة التقليدي (إسلام الأكثريّة) أو بمفهوم فقهي (السواد الأعظم) وهو الذي تؤخذ الحجيّة منهُ في الكثير من الإجتهادات الفقهيّة عندما يجري الإرجاعُ إلى ما عليه إلى جمهور المسلمين. فالإسلامُ السني هو الطريق الوسط، والآخرون فرقٌ وانقسامات يقاسُ صدق إسلامها بمدى قُربها أو بُعدها عن الإسلام الأكثري في الاعتقادات والممارسات.

يذكر تقرير (مجموعة الأزمات الدولية) عدَّة تقسيماتٍ لتيارات الإسلام السياسي السُني، أولها يطلق عليهِ تسمية “التوجهُ الإسلامي السياسي”، بمعنى أنّهُ يشتملُ على حركاتٍ تعطي الأولوية للعمل السياسي على الخطاب الديني والسعي للسلطة بواسطة وسائلٍ سياسيةٍ وليس العنف، وبشكلٍ خاص تنظيم أنفسهم كأحزابٍ سياسيّة، والمثال الرئيس هو الإخوان المسلمون اليوم في مصر وفروعهم المختلفة في الأردن والجزائر

أمّا التيار الثاني فهو يشتملُ على النشاط التبشيري المتجدد والأوصولي في آن واحد، وتتجنب الحركات من هذه الفئة النشاط السياسي المباشر، وهي لا تسعى إلى السلطة ولا تصنِّفُ نفسها كأحزابٍ سياسية، بل تركِزُ على النشاط التبشيري كالدعوة لتثبيت أو إحياء الإيمان كالحركات السلفية المنتشرة في العالم العربي وجماعة التبليغ التي ولدت في الهند في القرن الماضي وانتشرت في العالم

أمّا التيار الثالث فهو تيّار الجهاديين، وهم نشطاء ملتزمون بالعنف لأنهم معنيون بما يعتبرونه دفاعاً عن الإسلام أو في بعض الأحيان لتوسيع دار الإسلام، ويضم هذا التيار فئتين رئيستين هما:

  1. السلفيّة الجهادية المؤلفة من أناسٍ ذوي نظرةٍ سلفية تَتِمُ تعبئتهم كمتطرفين تخلّوا عن النشاط المسالم الذي تتبعهُ الدعوة لينضموا إلى صفوفِ الجهاد المسلّح.
  2. القطبيون وهم نشطاء تأثروا بالفكر المتطرف لسيد قطب وكانوا في البداية مهيّئين لشنِّ الجهاد ضد أقربِ عدو، وهو الأنظمة المحليّة والتي وصفوها بالكفر وخاصة في مصر أبان حكم عبد الناصر والسادات، وقبل التوجه في الجهاد ضد العدو البعيد وخاصة إسرائيل والغرب.

ختاماً، على المسلمين جميعاً، من أقصى الشرق إلى الشرق الأوسط والأدنى والشمال الأفريقي، أن يتعلّموا درساً مؤلماً من أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وأن يدركوا ضرورة إحياء إسلامٍ معتدل كالإسلام الدعوي أو الخلافي، وأن يتفهّموا مقتضيات العصر من حقوقِ إنسانٍ وعولمةٍ وتمدنٍ وتعدديّةٍ سياسية وثقافية، وأن يكون الباعث من كل هذا ليس الشعور بالأسف ولا بالأسى لما يحدث، وليس من باب الخيبةِ والهزائم المتعددة في شتى النواحي الفكرية والتنموية والسياسية، وإنَّما رغبةً وإدراكاً منهم بضرورة العيش المشترك بين الحضارات والشعوب، وأن لا يجعلوا تلك الخطابات الدينية تسهم في بناء جيل دموي، بل تحاربها بالكلمة والحجّة وإن لزم الأمر: فقاتلوا التي تبغي، وكما قال كارل بوبر: التسامح اللامحدود يؤدي حتماً إلى القضاء على التسامح، فإن كنّا متسامحين بشكلٍ مطلق حتى مع المتعصبين، وإن كنّا لا ندافع عن المجتمع ضد هجماتهم، فإنه سيتم القضاء على التسامح والمتسامحين في آن واحدٍ.

إسلام السيف والتجديف على التاريخ

تكثر التساؤلات في الدراسات الغربية حول العوامل الخفية وراء سرعة انتشار الإسلام إبَّان عهده الأول، دون توفّر إجابة شافية لذلك التساؤل، وهو ما يشيء بعدك إقناع التعليلات المعروضة، من جهة أخرى لا يمكن إخفاء أنَّ معظم تلك التعليلات ترجّح في كون أنَّ الإسلام هو تاريخ السيف، وتلك خلاصة هي أقرب إلى الظنَّ منه إلى اليقين.

يذكر الكاتب التونسي عز الدين عناية في مقالته بمجلة التسامح والمعنونة بـ “الإسلام في الديانات الإبراهيمية بين التعارف القرآني والتجربة التاريخية” أنَّ تلك الخلاصة – التي طالما وجدت رواجاً بين رجالات الكنيسة وجحافل المستشرقين – يصعب أن تفسر الإكتساح الواسع الذي شهدده الإسلام، إذ يبدو التفسير التاريخي الاجتماعي الأقدر على الإجابة على ذلك التساؤل بعد تبيّن محدودية “تفسيرات الغزو”.

أسهم توفّر مسلكيّات اجتماعية غير معهودة، قطعت مع معتاد العلاقة بين الغالب والمغلوب في تسيير ذلك التمدّد الحثيث للإسلام ؛ حيث أتاحت المسلكيات المستجدّة حقَّ التواجد لأهل الكتاب من يهود ونصارى، ثم في مرحلة لاحقة امتدّت التجربة لتشمل شبة الكتابي من صابئة ومجوس، لتغطّي أمصار عدّة عرفت التمازج الديني حينها. ويذهب برنار لويس في تعليل ذلك النجاح الذي حالف المسلمين في بداية تاريخهم في كتابه: “اليهود في العالم الإسلامي” إلى أنهّه عائد إلى الولاة العرب المسلمين ممن تولّوا مقاليد الدولة الوليدة ولم يكرّروا أخطاء سابقيهم؛ بل على خلافهم سعوا إلى مراعاة مبدأ التعددية.

فقد جاء في مبدأ التعارف الذي أقرّه الإسلام من ضمانة الحرية والكرامة للأفراد والجماعات غير المسلمة ما فاق فيه غيره من الأديان، لذلك مثّل خروج كثيرين من أتباع الكنائس الشرقية من السيطرة المسيحية إلى كنف الحكم الإسلامي تحوّلاً من الضيق إلى السعة في أوضاعهم، ارتفق معه سقف الحرية الدينية، بما لم يشهدوا له مثيلاً في سابق عهدهم، ففي بداية الفتح الإسلامي، حين أعطى عمرو بن العاص الأمان للأنبا اليعقوبي بنيامين وولاه أمر كنائس مصر، بعد رفع التهديد البيزنطي عنه، شهد التعايش المسيحي الإسلامي مستوى متقدّماً من التقارب، ولهذا لا يمكن الحديث عن مواجهة كبرى بين المسلمين والمسيحيين العرب مثيلة لمواجهتهم مع قريش ومع اليهود، كما أنَّ المصادر لا تذكر إطلاقاً أن يكون المسيحيون العرب بادروا بالهجوم على المسلمين في أي موقع من المواقع، عدا ما ذكر من اشتراك المسيحيين العرب بجنوب الشام في الإعداد لحملة الروم على المسلمين قبيل تبوك، وهي حملة لم تقع.

ولعل بقاء العديد من الملل داخل العالم العربي حتى تاريخنا الحاضر هو جراء سريان ذلك المبدأ الاجتماعي، والشيء اللافت في الموقف القرآني أنّه – رغم إقراره بما عليه الآخر من زيغ وانحراف وفساد، وإخفاء وتعطيل للأحكام، وإلباس للحق بالباطل، وما شابهها من الإنتقادات – سمح بتواجده داخل الفضاء الاجتماعي، وإن جاء على درجات ومراتبـ الأمر الذي لم تتلاش معه تلك الجماعات ولم تندثر، بل شهدت تطورات في المجالين الديني والدنيوي، فمن دون التبادل الثقافي مع الإسلام ما كان لليهودية أن تنتج كثيراً من العلماء والأطباء والموظفين، ولا المسؤوليين الإداريين والمكلّفين على الخزينة، بل مع تراجع الإسلام – في القرن الثاني عشر – شهدت القوة الخلاقة لليهودية خفوتاً أيضاً.

في العصر الوسيط، حين اشتدت سطوة الكنيسة، وجد الإنغلاق اللاهوتي في المسيحية سنداً وحافزاً كبيريين في توما الأكويني، الذي ذهب – في سياق حديثه عن اليهود – إلى مشروعية سلبهم مقدرات عيشهم، بما أنّهم خدم المجتمع المسيحي، معتبراً أنَّ الكنيسة لا تقترف جرماً بالاستحواذ على أمتعتهم وثرواتهم، وعلى خلاف هذا الإنغلاق اللاهوتي في المسيحية، يذهب اللاهوتي هانس كونج إلى ” توفر تراتيب في ظل الحكم الإسلامي، ضمنت حقوق الأفراد والجماعات رغم مختلف الضوابط والقواعد التشريعية العامة، قابلها في الدولة البيزنطية – ومنذ أفول نظام التشريع الروماني – تشريع مناهض بشكل واضح لليهود”.

يقول برنار لويس في معرض تعليقه على الضوابط الإسلامية التي أعدها عمر بن عبدالعزيز في أهل الكتاب والتي كانت مجحفة ومهينة كنهيهم عن ركوب الخيل، وإرساء ضوابط على أزياءهم، وعدم السماح بأن تشيّد مساكنهم بما يعلو فوق مساكن المسلمين ولا دور عبادتهم أيضاً: “مجمل تلك القيود ذا طابع اجتماعي ورمزي لا غير، وليس له طابع علمي نافذ، الشيء الوحيد الذي كان يرهق الذمي هو الإلزام المالي؛ حيث كان ملزماً بدفع ضريبة أعلى، وهو نظام تمييز توارثته الدولة الإسلامية عن إمبراطوريات سابقة على غرار فارس وبيزنطة”.

بشكلٍ عام، ثمة موقف شائع في الغرب عن الفتوحات الإسلامية أنّها غزو بالسيف لا غير، وأنَّ أسلمة شعوب المغرب والمشرق تمت غصباً وقهراً، في حين تعوز الدعامات التاريخية إلى تلك القراءة، فلو تفحصّنا صفحات التاريخ الإسلامي من ناحية براغماتية لتبيّن أنَّ الجزية كانت أكثر نفعاً للدين الجديد من الاهتداء إليه، جراء ذلك الموقف المتجذر، غالباً ما تجد التجربة الإسلامية التاريخية في علاقتها بالأديان الأخرى – ولا سيما في علاقتها بالمسيحية –  انتقاداً من الغرب. والحقيقة أنَّ ذلك الإنتقاد تعوزه الموضوعية إذا ما نظرنا للمسألة ضمن إطارها التاريخي؛ فالتجربة الإسلامية لا تضاهى – مقارنة بتجارب عصرها –  من حيث استنادها إلى أصول تشريعية، فهناك جانب في الإسلام متأصل في استيعاب الآخر، تعضده تجربة تاريخية وفقت في العديد من المناسبات وخابت في غيرها، فبعض الإلزامات الفقهية للآخر الديني ليست نابعة من جوهر الدين، بل تأتّت جراء إملاءات اجتماعية، فلم يلغ الفقية حقَّ الآخر الديني في التواجد؛ بل عمل على تقليص هامش حريّته، ولذلك يندر أن تجد مدرسة فقهية إسلامية قد غمطت حق الآخر في التواجد، وإن تفاوتت الضغوطات عليه من فقيه إلى غيره.

لقد بات المسلك الذي سلكه الإسلام المغاير الديني – عبر التعارف والاحتضان، والذي يمكن أن نطلق عليه “التعددية الدينية” في مقابل “التعددية الثقافية” المطلوبة اليوم – هدفاً محموداً ومنشوداً في الزمن الحالي، وفي حقيقة الأمر ثمة تقارب لافت بين مفهوم التعارف الإسلامي – الذي سميناه تجوزاً التعددية الدينية – ومفهوم التعددية الثقافية أو الحضارية؛ جراء اشتراكهما  في المقصد نفسه؛ إذ يهدف كلاهما إلى بناء وفاق اجتماعي منفتحٍ على الأفق الإنساني، خالٍ من الغلبة والتسلّط ويراعي الخصوصيّات.

في الختام، يمكن القول، إنّه بعد أن توجهت انتقادات عدة للمركزية الحضارية التي أدمنها الغرب الذي أخذته العزة طويلاً بسطوته وريادته؛ جرّاء تفوّقه المادي والمعنوي، بات مطلب تكريس التعددية الثقافية بين مكوّناته الدينية والعرقية والحضارية المتنوّعة هدفاً منشوداً. وهذه التجربة الداعية للتعدّد في الفضاء الغربي، والأوروبي بالتحديد- والتي لا تزال رهن الاختبار –  لم تنشأ في أحضان الدين المسيحي الغالب أو بدعمٍ منه، بل قامت أساساً كوضع حدٍّ للواحدية فيه ولاحتكار الفضاء الاجتماعي، وهو ما يجعل السياق مختلفاً اختلافاً بيّناً عن التجربة الإسلامية، فتلك الانتقادات المتوجهة إلى التجربة الإسلامية في خصوصيتها، أو المسقطة عليها جراء تجارب غيرها، ينبغي أن تكون حافزاً على استلهام دائم للأصول الإسلامية مع مراجعة دؤوبة للتجربة التاريخية.

الإرهاب ونشأة الدولة

حرياً بنا أن نطرحَ سؤالاً قد ملّتهُ آذانُنا ومآذنِنا وديدننا ؛ ألا وهو كيف نقضي على الإرهاب ؟ فهو أول سؤالٍ قد يتبادرُ في ذهن من رأى جثة هامدة ، بيد أن السؤال الذي وجَبَ طرحهُ لمعالجة المشكلة وقبل انتشال جثة الضحية هو ؛ “ما الإرهاب؟”

فعندما تُمارسُ استبداداً في فكرة فذاكَ نوعاً من الإرهاب ، وعندما تستبدُ هويتك على عاملٍ أسيوي في الطريق فذاكَ ارهاباً أيضاً ، إذن فجميعُ من في الأرضِ إرهابي إذا لم نجدَ تعريفاً محدداً للإرهاب ، فلا ريب أن الإرهاب ليس نتاجاً لانحراف عقائدي وحسب بل هو نتيجة لتراكمات نفسية أو أيدلوجية تشكّلت بعدَ فترةٍ ليست بالقريبة لتصبح على الشكل المتطرف التي يبدو عليهِ الإرهابُ اليوم.

ويَرى أفلاطون باعتبار العنف والحرب انحرافاً في نظام الوجود الذي يقوم على قيمةِ الخير في مستوياتهِ الثلاثة المرتبطة وهي الكونُ والفردُ والمدينة ويرى باعتبار العدالة الركيزة الأسمى من الدولة ، وهي الشكلُ المتزن والمنسجم مع نظام الوجود ، ولكن ضرورة الإشارة إلى أنَّ بناءَ الدولِ قد يستدعي تشابُكاً شرساً بين السياسية والدبلوماسية من جهة وبين العُنفِ والخير من جهة أخرى ، وقد أكَّدَ عبدالله السيد ولد أباه في مقالةٍ لهُ بعنوان ” الإرهاب والمشروعية الأخلاقية بعد أحداث 11 سبتمبر” على أنَّ المعيارَ الأساس في بناء الدولةِ ليسَ القوانين وإنّما الحكم الذي هو أساسُ القوانين ، فالحكمُ هو نظام المَدينة وصورتُها ، وهو صيغة الحَياة المشتركة وبطبيعةِ الحال ، فإن قيام الدولة يستدعي مع قيامها التسليح ورسمُ الحُدود وحمايتها والانضمام في الاتفاقيات الدولية المنظمة لمسار وشكلِ الدولة وضمانِ مرتكزاتها ومقوماتها وحِماية أمنها القومي ومصادر دخلها ، ومن هُنا كانَ للدولةِ أن تأخذَ بجديةٍ كلَّ التصعيدات والتهديدات الداخلية والخارجية على محمَلِ الجد ، وبالتحديد بعدَ أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي هزّت العالم برمتهِ وإعادة رسمَ الخريطة الدولية وترتيب الأولويات ودخول مفاهيمٍ جديدة في السياسة والإعلام ، وكان “الإرهاب” يحتلُ الصدارة دائماً.

فمن أينَ استمدتِ الحربُ على الإرهاب مشروعيتها وانسجامها مع النظام القيمي للمدنية؟ فالحربُ بالنسبة لهيرقليطس أساسُ الوجودِ ومقومهِ ، من حيثُ هو صيرورة وتحولٌ ونزاعٌ بين الأضداد ، وهي بالنسبةِ لأفلاطون مرضٌ مدني من أمراضِ المدينةِ غير المؤسسةِ على نظامِ العقل ، وهي بالنسبةِ لأرسطو نمطٌ من الصيد يمارسهُ الحكام.

وبالرغم من أن مفهوم “السلم” مفهومٌ مركزي في اللاهوت المسيحي ، فهو من أسماء الرب ، كما هو المعيارُ القومي في السلوك الفردي والجماعي ، وأن رسالة المسيح هي رسالةُ سلام ، فهوَ الملّخصُ الذي خلّصَ أتباعهُ من الآثام والخطايا ، (حسب المفهوم المسيحي) وهو قمةُ في التجلي والعشقِ الإلهي بأن حَمِلَ أوزارهم وقبِلَ خطاياهم ورفَعَها وتألّمَ من أجلهم ليغفرَ لهُم ، إلّا أن ذلكَ كلّهُ يتعارضُ تعارُضاً صارخاً مع واقع التبشير المسيحي ، فرسالة المسيح لم تتحقق إلّا بالسيف والحرب ، فقد كانت الحربُ حاجة ماسة وظاهرة عادية ومطلوبة من أجلِ إقامة مملكةِ الرب ، لذا ظهرَ مفهومٌ جديد في القرن العشرين في اللاهوت المسيحي بما يُسمى الحربُ العادلة ، وقد ظهرَ هذا المفهوم بالتعاون بين الباباوات والكنيسة من جهة وبين رجال الدولة والمفكرين من جهة أخرى ، وأصبحَ للحرب غطاءاً يكتسيهِ منظوراً جديداً في كونِ الحرب في ذاتها ليست سُلوكاً عدوانياً مُداناً في كل حين ، وإنما قد تكونُ حاجة ملحة لإقامة العدل وقيم المساواة ونشأة المجتمع.

ومن هنا يتّضحُ التضارب بين تقليدين مسيحيين متمايزين، فالتقليد الأخلاقي السلمي والتقليد الحربي الدفاعي، اللذين أفضيا إلى مفهوم “الحرب العادلة”، كما بلورتهُ أعمال القديس أغسطين وتوماس الأكويني ، فبالنسبة لنظرية “الحرب العادلة” في التقليد اللاهوتي الوسيط، لا معنى للسلم الحقيقي دونَ الاستنادِ للعدالة، فهذا النمط من السلم هو وحدهُ الذي يُمكنُ اعتبارهُ خيرًا أسمى ، ويعرف القديس أوغسطين السلم العادل بأنه “استقرار النظام”، ومن ثم فإن الحربَ مبررةٌ بل واجبة لمعالجة الاختلالات المتولدة عن الظلم والفوضى ، وتتمحور شروط الحروب العادلة في التقليد المسيحي الوسيط حولَ معياري مشروعية قرار الحرب وضوابط إدارتها، وحسب توماس الأكويني، لا تكونُ الحرب عادلة إلا إذا توفرت فيها شروط أربعة هي:

(1) أن تكون القضية عادلة، أما للدفاع ضد هجوم غير مبرر، أو لمعاقبة شرّ ما، أو استرداد شيء افتك بالقوة.

(2) أن تعلن الحرب وتدار من سلطة شرعية مؤهلة.

(3) أن تكون الملجأ الأخير، بعد استنفاد الحلول السلمية.

(4) أن تكون الوسائل المستخدمة متكافئة مع الأضرار التي تواجهها، بحيث لا تؤدي إلى ما هو أسوأ منها.

فالحربُ من هذه المنظور هي دومًا استثناء وحالة مؤقتة، تبررها مقتضيات العدل التي هي مقومات السلم الحقيقي. يقول القديس أوغسطيس موضحًا ذلك: “أن السلطة الربانية هي ذاتها التي وضعت بعض الاستثناءات من تحريم قتل الإنسان. ففي بعض الأحيان يفرض الرب القتل ليس بصفته قانونًا عامًا، وإنما هو حكم موقت وخاص” ويوضح توماس الأكويني الفكرة ذاتها بقوله “إن الإنسان لا يعرض حياته للخطر إلا لأجل العدالة؛ فالقوي لا يكون بمعنى ما جديرًا بالإعجاب إلا من حيث هو عادل”

بيدَ أن هذا التصوّر اللاهوتي للحرب وإن استندَ لمقاييس قيمية مطلقة، وحصرَ العنف المشروع في الدفاع عن النفس ومواجهة الظلم ، إلا أَنَّهُ شكّلَ غطاءاً إيديولوجيا لسياسة الهيمنة الإمبراطورية في العهد الروماني المسيحي ، ويستخدم حاليًا في الغاية ذاتها لتبرير وتسويغ المشروع الإمبراطوري الأمريكي الذي دمرَّ العالم الثالث تحتَ شماعة الإرهاب والقضاء عليهِ ، ويتبنى كانط موقفًا مزدوجًا من الحرب، فهي من جهة أكبر خيرٍ أعطتهُ الطبيعة للبشرية، بما تؤدي إليهِ من انفتاح وتواصل بين الأفراد والأمم، كما إنها الوسيلة التي يعبر بها شعب من الشعوب عن حقهِ وحريتهِ في الوجودِ من خلال التصادم بالآخر، بما يفضي إلى توازن قوي يضمنُ السلم ويصون التعددية ، لكنها في الآن نفسه هي أكبرُ شرٍ في الوجود، إذ تحول البشر إلى أدوات هدم وتدمير لبضعهم البعض، ولذا يتعين على العقل العمل على أن يقضي عليها قضاء نهائيًا مبرمًا.

فالحربُ إذن عملياً تجسيد أعلى للحرية ولإرادة الذات في التحقق، بيد أنها لا تكتسي مشروعيتها إلا إذا كانت دفاعية. فحالة الحرية ليست الحرب (العملية العينية) ولا السلم (المائع الأعزل)، وَإِنَّمَا هي سلم مسلح ، فبالنسبة لهيغل تؤدي الحرب دورًا محوريًا في بناء الدولة وتشكلها بصفتها كيانًا روحيًا ينعقد له الولاء، فهي المسؤولة عن بناء وتكون الوعي الإنساني. فعبر إرادة الموت، تتحول الحياة الفردية، المتناهية إلى حياة روحية مطلقة ، ولعل هذا المنظور الهيجلي هو من جعل العالم المتمدن يقومُ بتقنين القوانين وعملِ التدابير ؛ ولكن ومع كلّ هذا ؛ فإن الحرب العادلة لن تكونَ عادلة ، فهي في الأخير لخيرِ دليلٍ على فشلِ المنظومة الإنسانية في تعمير الأرض ونشرِ المحبةِ والسلام ، فقد كُتِبَ على من قلبنا القتالُ يوماً وهو كرهاً لهم ، فهل سيكتبُ لنا السلام وهو رضاً لنا؟

أزمة تعددية ثقافية أم تعددية سياسيّة؟

منذ أن أنهارت الإمبراطوريّة العثمانيّة وتلاها انهيار النظام المملوكي في مصر العربيّة ؛ ظهرت شعارات وهتافات متباينة استندت عليها سائر الأطراف والأحزاب في الوطن العربي (الإسلاميّة – المسيحيّة) كأدوات رئيسية في إنجاح عمليات التحشيد والتحزّب والإنضمام ، وكان أشهر تلك الشعارات التوحيديّة هي : العيش المشترك. فبعد الانهيار المُدمي للدولة الإسلاميّة متشكلة في الخلافة العُثمانيّة عام 1924م  والانقسامات التي حدثت جرّاء انهزام الكيان العثماني ، أصبح الشرق الأوسط يعيش في توجّس مستمر من النوايا الداخليّة والخارجيّة التي تنبأت بها النخب السياسية والدينيّة والثقافية بأنها قد تعصف بالنسيج العربي المتماسك إلى حد ما ، ولعلَّ مقولة أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي: “إن مصيبتنا بيهودنا الداخليين أعظم من بلائنا باليهود الأجانب” لخير دليل على حجم الشتات العربي آنذاك. وما زال.

يطرح رضوان السيد في دراسته المعنونة “المواطنة والقوميّة والتعددية الثقافيّة” عدة أسئلة جوهريّة : هل اسهمت اندماجية الفكر القومي القاسية في بعث انقسامات طائفية وإثنية كالتي نشهدها اليوم في العراق وسورية ولبنان وبلدان عربية أخرى؟ وما دور الأديولوجيا الاندماجية هذه في قيام الأنظمة التوتاليتارية في البلدان العربية؟ بيد إن الإجابة على هكذا اسئلة تتطلب منظريّن كباراً للفكر الذي ساد المجتمعات العربيّة ومفهوم “الأمة الواحدة ذو الرسالة الخالدة” ، فالقوميّة العربيّة لم تعرف يوماً منظرين كبار بالمستوى الذي عرفناه لدى الجماعات والأحزاب الأخرى في الأوطان العربيّة كالإخوان المسلمين ، فما من مفاهيم مدروسة ولا وحدة واضحة الخطى والمعايير رغم الإشتراك في الهدف الواحد”أمة واحدة”. فقد أجتمع تحت هذا المفهوم عدداً شمل كل النخب السياسيّة حينها بين الناصريين والبعثيين ، إلّا أن المشكلة كانت كيفيّة استدراك الجمهور لحمل هموم الأمة ، فلطالما اهتم الجمهور العربي بالوحدة ، بيد أن القوميون أصروا على أن “الوعي القومي” هو الشرط الأساس للنهوض العام ، في حين ركز الناصريون على إيمان الجمهور العربي بالوحدة فقط ، ولعل ذلك جليّ في خطابات عبد الناصر ، وأفتقار وحدة مدروسة كانت نتيجة لتفكك الجمهوريّة العربيّة المتحدة في 1961م وهي في أول قيامها ، ولا يمكن الإغفال أيضاً من ذكر القح الشديد والمتذبذب في أفكار القادة القوميين كميشال عفلق وزكي الأرسوزي وساطح الحصري الذين انحصرت مفاهيمهم في بؤرة “نظريّة قوميّة” ونظام شمولي ذو الحزب القائد الممثل للجميع وحسب ، دون الالتفات إلى الجوانب الأخرى الاجتماعية والاقتصادية.

ظلت المجتمعات الاسلامية مترددة في مسائل جوهريّة عصفت بزمام المشهد العربي في منتصف القرن الماضي ما بين مؤيّد ورافض ، فمسائل العيش الوطني والوحدة الوطنيّة والتعددية بشكليها الثقافي والسياسي مسائل ومفاهيم لم تطرح يوماً في الاسلام الكلاسيكي كما يحدث اليوم ، حتى خرجت جماعات اسلاميّة نددت بالإختلاف وجماعات اخرى متطرفة حرّمت الإختلاف أستناداً إلى بعض النصوص القرآنيّة ، الأمر الذي جعل من الأحزاب الإسلامية الخوض في معتركٍ سياسي من أجل السلطة ، وقد حدث ذلك ونالت من قلوب الشعب العربي الطامح للوحدة أو لنظام الحاكميّة ، وبهذا تأسست مرحلة جديدة من مراحل جماعات الإحياء التي ترى وجوب شموليّة الأمة تحت سقف الإسلام والتكفير بالمجتمع والدولة ، وأن التعدديّة السياسيّة والثقافية خطر محدق على المجتمعات العربيّة والإسلامية ، بيد أن تلك القوى والأحزاب لم تلتفت يوماً إلى حقيقة وجود تعدديّة دينيّة منذ باكورة الإسلام ، فقد استندوا إلى تحريم التعدديّة الدينيّة والإسلاميّة إلى وقائع سلبيّة حدثت في الإسلام الخلافي.

في التجربة المصرية السياسية نموذجاً مغايراً لما حدث في سائر البلدان العربيّة كسوريا والأردن والمغرب والسودان ، فالإخوان المسلمين رغم تجربتهم السلبية في العهدين الملكي والجمهوري ظلوا متمسكين بموقفهم الرافض لفكرة التعددية الثقافية والسياسية ، ويظهر ذلك جليّاً في الكتابات السياسية لأبرز قاداتهم كحسن البنا وسيد قطب. ورغم أن التجربة المصرية اتسمت بنوع من التماسك في مفهوم “الدولة الوطنية” ؛ إلا أنه من جانب آخر فحتى الدستور المصري قد حرم وجود أحزاب دينية للمشاركات السياسية ، ولهذا كان لحزب الوفد الغلبة رغم تعاطف المصريين مع الإخوان بشكل ملفت ، فالإخوان كان لهم التأثير الثقافي الملفت والوعي الديني والتربوي على الأفراد أكثر من التأثير السياسي في المشهد المصري. ولم تكن التجربة السوريّة للإخوان بأفضل حال من سابقتها ، فبالرغم من أن أحد قادتها قد نظر في التعددية بشكليها الثقافي والسياسي بخلاف الإسلاميين الأرثوذكس – كما يحلو لأركون تسميتهم – ؛ إلّا أن ذلك لم يغني من اندلاع حرب أودت بحياة مئات الألوف في ثمانينات القرن الماضي مخلفة وراءها إقصاءاً تام للإخوان وضحاياً ومنفيين.

بعد التجربة الدمويّة المؤسفة للإخوان في سوريا ، تغيّر الحال في نظرة الإخوان في مصر تجاه النظام الحاكم ، إذ لم يصرحوا بشرعيّته ؛ وإنما قبلوا التعامل معه من خلال تحريمهم للعنف وسفك الدماء ورفضهم الانقلاب العنيف حتى شرعوا في المطالبة بشراكة سياسية في الانتخابات البرلمانيّة دونما تنظير صريح للتعددية السياسية والحزبيّة حتى أواخر القرن الماضي عندما قال محمد عمارة بالتعددية وأن البشر بطبيعتهم مختلفون في الآراء والطبائع وهو بذلك يخرج من مفهوم تحريم التعددية السياسية التي نادت بها الأحزاب الإسلامية منذ انشاءها ، وانشأ مفاهيم جديدة قد بدت للجمهور بأنها بداية لوسطيّة جامعة لكل الأقطاب استناداً إلى الآية القرآنيّة “وجعلناكم أمة وسطا”.

لقد قضى الإسلاميين العرب عقوداً طويلة إلى القول بأن الصراع بين الإسلام والغرب هو صراعٌ حضاري بحت ، فقد غلبوا العوامل الثقافية في الخلافات والانقسامات الداخليّة ، بينما الواقع هو أن الصراع الدائر ذا أبعاد سياسية واقتصادية واستراتيجية ، ولا علاقة له بالدين والهوية والثقافة ، الأمر الذي جعل الجو السياسي العربي جواً عكراً أمام الديموقراطية والتعددية ، فقد أصر الكثيرون بأن الديموقراطية لا تفرض كما حدث في افغانستان والعراق ، بل وجب أن يخلق لها جواً صحوا مناسباً لخصوصية المجتمعات العربيّة الواقعة بين مطرقة الإسلاميين الصارمة وبين سندان القوميين المتسرع وكانت النتيجة أن أنصرف الإٍسلاميين إلى التوجس حول مفاهيم ذات ريب وشك كبير ، في حين أصرف القطب الآخر القومي في التنظير للاندماجية والشمولية وبقى الليبراليون والعلمانيون منهمكون بالمجتمع المدني. وحتى وإن وعى الفرد العربي بضرورة إيجاد تعددية بشكليها ؛ فإن ذلك لا يخفي من حقيقة أن الأمر أحتاج إلى أكثر من ثلاثة عقود ؛ بنتيجة مخيبة للآمال. ولنأخذ لبنان كمثال لتجربة أكثر ألماً في تعددية سياسية طائفية أو العراق وسوريا كمثال في الأنظمة الشمولية. الأُمثلة تقال ولا تقاس بكل تأكيد ، وهناك أمل كبير في الأجيال القادمة للاستفادة من التجارب الماضية الدمويّة ليجعلوا من التعددية الثقافية ثراءاً حضاري ومن التعددية السياسية شراكة مجتمعية. الأمر يحتاج بلا شك إلى نبذ فكرة الفرقة الناجية ونظرية الحاكمية وإلى الاستفادة من العقد الاجتماعي التطبيقي لتوماس هوبز وجون لوك والنظري لروسو.

الأخلاق بين التشريع الإلهي والإنساني – الجزء الثالث

بالعودة إلى سؤال أزلي، لن ینتھي خلاصھ باستفاضة الحدیث عنھ؛ ھل الإنسان بطبعھِ شریر، میالٌ للأذیة والفوضى ووحدھا
الأعراف الاجتماعیة والإرث اللغوي من [حرام، عیب، خطأ، لا یجوز، عار] من تقوم بترویضھ وتقلیم أظافره وأنیابھ لیكون
خیّرا؟ً ھل اسھمت الأدبیات الدینیة في جعل الإنسان منحطا في بنُیتھِ الفكریة تجاه القضایا الوجودیة؟
إن فكرة لله والأنبیاء ما ھو إلا نتاج خلقھ مخیلة الإنسان رغبة منھ إلى سن قوانین ذات ، anthropologists یرى الإنسانیو ن
غطاء دیني مقدّس، لا یمكن خرقھا، ولھذا ظھرت الأدیان لیس كنتاج ونزعة ورغبة روحیة وإنما حاجة ماسة للتنظیم الاجتماعي
والسیاسي والاقتصادي لاحقا،ً وخیر مثالٍ على ذلك ھي تلك الممارسات التي أقبلت علیھا الكنیسة في القرن الخامس عشر عند
بیعھا لصكوك غفران حتى للمتوفین؛ لیس خلاصا ربانیاّ بل حاجة اقتصادیة للإبقاء على نفوذ الكنیسة إداریا ومالیاً واقتصادیا.
من جانب آخر، فإن نظرة المؤمنین لا تختلف عن الإنسانیین اللادینیین للقیم الأخلاقیة المنسوبة أو المشتقة من الدین، فالمؤمن
یرى أن البشر عاشوا في خراب وفوضى إلى أن أتت الأدیان، وحرمت ما أحِلَّ في ما مضى، وأحلتَّ ما حُرّمَ، وأنشأت تولیفة
بین مكارم الأخلاق والقیم والتعالیم الدینیة كوصایةٍ ورعایةٍ إلھیة من خلال التشجیع أو التأكید علیھا.
جنون المؤمنین خلق من الإنسان شخصیة فصامیة حادة، أحاطت نفسھا حول مصطلحین دینیین وھما الترھیب والترغیب. لقد
خلق لله الجنّة كما أدعّت الأدیان، وتباینت أوصافھا في الیھودیة والمسیحیة والإسلام، وتختلف في المستوى الروحي والمادي
بین دین إلى آخر، وھي – الجنة – من جعلت المؤمنین مجانین یعانون من فصامٍ حاد واضطراب جنون الارتیاب. الأمر الذي
جعل من الیھودي یحكر الجنّة لھ فقط دون سائر المؤمنین، وجعلت من المسیحي یستحقر كل الممارسات البیولوجیة كالجنس
والشراب والأكل رغبة منھ في القیام بھا في الجنّة حیث الخلاص، وأخیرا التي جعلت من المسلمین في شتىّ بقاع العالم مھووسین
بفكرة حور العین الأمر الذي غیّر من حقیقة القیم العربیّة الأولى في شبة الجزیرة العربیة وأختزلھا في مفھوم الجنس والعار
والشرف فقط ناكرا ومتناسیاّ باقي القیم والأخلاقیا ت.
الجنةّ على امتداد التجلیات الدینیة والشرائع، وبأشكالھا الممتدة من الیھودیة حتى الإسلام، رآھا لله أنسب لتحاك بطریقة عصریةّ
في ذلك الزمان، فجنةّ الیھود في الأدبیات مختلفة عن جنةّ المسیحیین وع ن جنّة المسلمین، شكلا وموضوعا،ً مع تشابھٍ في الجوھر
فقط، وتلك المكافأة النھائیة للاختبار جعلت من المؤمنین ونتیجة للھوس في التفكیر بھا مھووسین بطرائق سردھا وتخیّلھا ورسمھا،
الأمر الذي خلق شخصیة فصامیة لا تملك غالبا معاییر متزّنةٍ واضحة، لقد حدث كل ھذا نتیجة لترك المؤمنین في شتى الدیانات
لمعاییر الحیاة في الدنیا وشروطھا وامتیازاتھا والغایة الحقیقیة منھا، ولجوؤھم إلى الإسھاب في سرد الجائزة الأخرویة بشكل
مسرف؛ مما جعل العدید منھم یفضلون المكافأة الأخیرة ویستحقرون ملذات الحیاة التي وھبھا لله لھم وجعلھم خلفاء لبنائھا
وتعمیرھا والاستمتاع المشروط بھا، ولھذا فقد صاغ المؤمنین تفاسیرا جعلت من المؤلفة عقولھم وقلوبھم یستحقرون الحیاة بما
فیھا والھوس بالجنّة التي رسمتھا خیالاتھم الجامحة والمتعطشة نتیجة الحرمان من عطایا الحیاة الأرضیة، وقد خلق ھذا الھوس
شخصیة مھترئة ومتناقضة وذات معاییر مزدوجة نتیجة للخلط بین أھداف الحیاة الأولى وشروطھا وامتیازاتھا بالحیاة الأخرى
مجھولة المعالم والشروط وإن أدركت الغایة منھا.
ولأنھ ما من تابو مقدّس أكثر من الجنس عند العرب قدیما، حتى وإن كانت مفاھیم العار والعیب مستحدثة، فالنساء والجواري
والخلیلات مصطلحات متزامنة مع الرجل الشرقي یعبران عن الشرف والعظمة والأبھة أو العار والخیبة والعبودیة، ولھذا كان
لفكرة حور العین الشغل الشاغل عند الكثیر من المؤمنین، حتى وصل الأمر إلى أنتاج أدبیات طویلة تھدف إلى وصفٍ دقیق لھنَّ
مقتبس من مخیّلة الكاتب الجامحة فقط لافتقار الكتب المقدّسة لتلك الأوصاف، رغبة منھ في تقدیم فنِّ ترغیب بإیحاءات جنسیّة
فقط، وبالرغم من انعدام وجود من یستطیع الجزم بما یقصده الإنجیل والقرآن من تلك المصطلحات، إي ھل ھي حقا كما تم
تفسیرھا أو شيء آخر. في كلا الحالتین ألفت نظر القارئ أنني لا أھدف إلى أنكارھا أو التأكید علیھا، وإنمّا إلى تحلیل نتاج
الھوس بھا وأثاره على المرء بالدرجة الأولى وعلى المؤمن بالدرجة الثانیة وعلى المجتمع بالأخیر.
في الإنجیل، یوجدُ نصٌّ عاما مفاده الإیثار في تقدیم العون حیث یذكر مرقس على لسان یسوع ” الحق أقول لكم، ما م ن أحد یترك
لأجلي ولأجل الإنجیل بیتا أو إخوة أو أخوات أو أما أو أبا أو أولادا أو حقولا؛ً إلاّ وینال مئة ضعف الآن في ھذا الزمان وفي
الزمان الآتي الحیاة الأبدیة ” كما یذكر أیضا ” فكل من ترك امرأة یأخذ مئة ضعف ویرث الحیاة الأبدیّة” ، وتلك نصوص حدث
وأن فسرھا الفقھاء على أنھا مكافأة أخرویة وتجاھلوا كونھا دعوة في الإیثار من أجل رسالة الرب، لذا فقد تشاركت المسیحیة
والإسلام مفھوم حور العین كمكافأة للمؤمنین، الأمر الذي جعل من الأدیان في سبیل الخروج من أزمة ترك الرغبة الجنسیة
الملحّة والضروریة طاعة للرب إلى أمّا تنظیم العلاقة الجنسیة أو تحریمھا أو تحقیر الارتباط بالأنثى في الحیاة الأولى أو تشریع
زیجات غریبة تحت مفاھیم وسلوكیات جدیدة، ابتداءا من مفھوم الضرورات تبیح المحظورات والتي یعد أحد أخطر المبادئ
الإسلامیة على الإطلاق لكونھ ثغرة تجعل كل من تسوّل لھ نفسھ في القیام بإثم أو ذنب الالتجاء إلى ھذا القول، ومنھ ظھرت
أیضا مفاھیم الزیجات المستحدثة كزواج المسیار والعرفي والمتعة والجھاد الجنسي، ولا یختلف الأمر كثیرا عند المسیحیین في
استھجانھم وھوسھم الجنسي الذي نتج عنھ تحریما قاطعا لرجال الدین والراھبات من الرباط المق دس والعلاقة الجنسیة تحت
مفھوم الزواج، وھوسا أخرویّا في زواج الباباوات من الحوریات والراھبات من المسیح ذاتھ كنتیجة وأثرا نفسیّا بالغا وابتذالاً
عقائدیاّ وإیمانی ا.ً
وأمّا من الناحیة الاجتماعیة فیكفي أن نتذكر عدد حالات وقضایا التحرش الجنسي الذي رافقت الكنیسة لأعوام عدیدة. والمشھد
لا یختلف كثیرا في الضفة الأخرى عند المسلمین، فالھوس الجنسي المقتبس من الجنّة جعلھم یتجاھلون كل القیم الأخلاقیة التي
یتمتعون بھا والتي استدل بھا النبي محمد والقرآن فیھم، وحصر الأخلاق في كمیة القماش الموجود على جسد المرأة، مما ج عل
من الزیجات الغریبة نتائجا سلبیة على الترابط الأسري والاجتماعي، ولھذا فلا حقوق لأبناء الزنى أو زواج المتعة أو المسیار
نتیجة لما تجلبھ ھذ النوع من العلاقات من نتائج وخیمة تتعلق بالشرف والعار، فغالبا الأطفال نتیجة ھذا النوع من العلاقات لا
حقوق لھم علاوة على كون صفة ابن الزنى تلاحقھم طوال العمر واستحقار المجتمعات لھم كنتیجة مسلم بھا في المجتمعات
الشرقیة على غرار المجتمعات الغربیة التي لم تجعل المعاییر الأخلاقیة معاییر تتعلق بالجنس بالدرجة الأولى، ولھذا فالطفل
نتیجة لعلاقة جنسیة بین الأم والأب غیر المتزوجین یعیش وینتج ولھ من حقوق ما لغیره والأھم من كل ھذا؛ لا یستطیع الأب
انكار الأبوّة
.
الإنسان بشكل عامٍ، لیس نتاجا لفلسفتھ وأفكاره ومعتقداتھ الدینیةّ وحسب، بل أن تركیبتھ نتاج ظروف عدیدة خاصة ومجتمعیة
وأسریّة، أي أن المعتقد الدیني الذي ینتمي إلیھ لیس العامل الوحید المسؤول عن سلوكیّاتھ؛ وخیر دلیلٍ على ذلك ھو أننا نرى
مؤمنین في قمة الھرم الأخلاقي وفي المقابل نرى مؤمنین في شتى الأدیان والطوائف مجرمین، إذن فالدین لیس أكثر من عامل
بالإضافة إلى العوامل الآنفة الذكر والتي تسھم في خلق تركیبة الإنسان، ولذا ما من دین ما ل و اعتنقتھ سیجعلك خلوقا ولو تركتھ
سیجعلك قاتل متسلسل.
یمكننا تصنیف القیم الدینیة في جمیع الدیانات على أنھا “تعالیم” دینیة، فالأخلاق بمفھومھا المیتافیزیقي المحض ھي ما یمكن
فھمھ من مرجعھا الأوحد، وھي روح الإنسان، أما الأخلاق الدینیة فلھا مئات المراجع التي لا یمكن الاستناد علیھا، فكون شرب
الخمر عمل لا ینافي للأخلاق عند المسیحي فھو أثم عظیم عند المسلمین، وكون الطلاق حلال عند المسلمین فھو أمر غیر مباح
في المسیحیّة وھذا الأمر لا یقتصر على الدیانات وحسب، بل یمكن النظر إلى الطوائف في الدیانة ذاتھا؛ فالمسلم السنّي مثلا یرفض زواج المتعة على عكس المسلم الشیعي، وبھذا فإن المحصلة ھي معضلة حقیقیة في معرفة المرجعیة الحقیقیة للمؤمنین،
فمئات الدیانات لا تتشابھ حتى في الجوھر في كثیر من الأحیا ن
أستند في وصفي للأخلاق الدینیة على أنھا لیست سوى تعالیم دینیة، إلى أمر آخر، وھي الإرادة الحرة، فالأخلاق الدینیة تفتقر
إلى الإرادة الحرة، فھي تقوم على الطاعة العمیاء والخضوع الكامل لتلك الأوامر الإلھیة وانعدام أمكانیّة نقدھا او تحلیلھا، مما
یجعلھا مخالفة للأخلاق اللادینیة المجردة التي تخرج على شكل سلوكیات وقیم انسانیة بحتھ لم یحركھا أمرٌ إلھي أو كان خلفھا
طاعة كلیةّ، فطاعتنا للوالدین في القیام بفعل ما، لیست بالضرورة فعلٍ نابع من دواخلنا، أي رغبة منا في تنفیذه أكثر من رغبة
منا في تنفیذ ما یرغبون ھم في تنفیذه لوجود تلك العلاقة غیر المتكافئة بین الطرفین والتي عادة ما تكون علاقة طاعة واحترام
مقابل عطف ووقار.
الأخلاق الدینیة لیست سوى تعالیم وإرشادات دینیة لكونھا لیست سامیة، بل أن وراء القیام بھا أمّا مكافئة وأجر أو في المقابل
عقاب ونار، ولھذا فما یحفزّ المؤمنین على القیام بسلوكیات أخلاقیة رفیعة ھي رغبة منھم في شفاعة یسوع وحبھ وصحبتھ
مصداقا لقولھ ” أنتم أحبائي إذا فعلتم ما أوصیكم بھ ” ویمكننا الاستدلال على ذلك أیضا من خلال القصة القرآنیة التي حدثت بین
الخضر وموسى فالقرآن یقول على لسان الخضر ” قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء” بید أنَّ موسى لم یستطع السكوت
وحسب، فأخلاقھ الإنسانیة المجردة كانت ما یجعلھ یتساءل ویتذّمر ویتعجب في أفعال الخضر، فعلى الرغم من تعھده بأن لا
یسائل الخضر عن أفعالھ، إلاّ أنّھ ببساطة لم ینجح الخضر في أن یملي على إنسانیّتھ ویجعلھ ساكت على تحلیل تلك الأفعال
وتجریمھا، وھذا برأیي ما أراد منّا لله أن نتعلمھ من تلك القصّة، وھي تحلیل السلوك الإنساني وعدم السكوت عن الخطأ متى ما
تبیّن لك، امتثالا للمذھب السقراطي القائم على التخلص من الفرضیات الموجودة عن طریق إظھار تناقضاتھا، ثم ایجاد بدیل آخر
جدید.
یتضح جلیاّ أن المبادئ الأخلاقیة العامة والتي یشترك كل البشر في أدانتھا المؤمنین وغیر المؤمنون كالقتل والسرقة والاغتصاب؛
تقع في معضلة كبیرة كمبدأ عند المؤمنین بشكل خاص عند وقوعھا، فالمؤمن لا یھمھ المبدأ بقدر ما یھمھ من قام بھ وعلى أي
أسس استند عند القیام بھ، لذا ففي كثیر من الأحیان نرى بعض المتحمسین لدینھم یدعون الأخلاقیات تارة، ومن جانب آخ ر فھم
یبررون القیام بجریمة ما؛ وھو ما یجعل المؤمن عبدا للنص ولیس للمبدأ، فالقتل محرما كمبدأ عام، ولكنھ مبرر متى ما قام بھ
مؤمن لخدمھ دینھ، وھو ما یؤكد أن الأخلاق لیست ثابتة ولا تقوم على مبادئ واضحة عند أغلبیة المؤمنین. وھو كما أشرنا
سابقا؛ً ما جعل بوش یقتل أكثر من خمسة ملایین شخص تحت مباركة الكنیسة وبناءا على نصوص دینیة أقتبسھا من الإنجیل
لتحاكي الواقع الألیم الذي عاشھ الأمریكیون في الحادي عشر من سبتمبر والتي جعلت من الغزو والقتل وشتى أنواع التعذیب في
أبو غریب مباركا ومستساغا ومقبولا بید أنَّ كل ما ذكر جرائم یندى لھا جبین الإنسانیةّ مھما كانت أسبابھا، وھو ما یعود بنا إلى
طرح السؤال ذاتھ: ھل اسھمت الأدبیات الدینیة في جعل الإنسان منحطا في بنُیتھِ الفكریة تجاه القضایا الوجودیة؟
لنأخذ الدین الإسلامي، كتجربة تحلیلیةّ، ولنختر أكثر شھوره رحمة وتسامحا وخلقا؛ً رمضان، ھل نجح رمضان في فرض معاییر
أخلاقیة عُلیا كاسرا بھا النص النمطي كخروج عن النص وعودة إلى الفطرة الإنسانیّة؟ لنرى.
یعتقد المسلمون بأن رمضان ھو شھرٌ تتحد فیھ قلوب المسلمین في شتى بقاع الأرض وھو رحمة للناس كافة، بید أنّھم یؤكدون
في الوقت ذاتھ أنھ وفقط في رمضان یتضاعف الأجر وبھذا ھم یحسنون ویتصدقون مستغلین ھذا العرض بتوجھٍ براجماتي بحت،
أو تجارة كما یقرُّ القرآن ذاتھ، وفي الأخیر؛ فإن كل تلك الممارسات لا تسھم في إنھاء الفقر أو مساعدة المساكین؛ وخیر دلیلٍ
على ذلك ھو بقاء الفقیر فقیر في رمضان وبعده، علاوة على كونھا تجارة ربحیة، من جانب آخر، فھم یدّعون أن رمضان شھر
تھذیب النفوس؛ بید أننا لا نرى أن باستطاعة ھذا الشھر كسر الحاجة البیولوجیة وتھذیب النفس والھیاج المجتمعي في نھار
رمضان في الأسواق والشوارع نتیجة الصیام. ویعتقد المسلمون أیضا أن شھر رمضان ھو شھر یتم فیھ تصفید الشیاطین، ویمكننا
القول أن الشیطان ھنا ھو عمل الشر، بعیدا عن المفاھیم المثیولوجیة والتي لا تصلح لتحلیلھا، أي أن وظیفة الشیطان حث المرء
على ارتكاب الشرور، بید أن الشر لا یقل في رمضان مع انعدام المسؤول الأول عنھ، مما یؤكد أنَّ الشر والخیر ثنائیا ن لا یمكن
ربطھما بأمرٍ مقدس لإحكامھما أو تنظیمھا. وتلك المقارنة لیست عادلة من وجھة نظر المعارض، أي أنھ عند طرح توجھٍ ما
والقیام بنقده، لا یتوجب علینا أن نختار أفضل ما فیھ، أو ننتقي أنسب حالاتھ، بل تختار بشكلٍ عشوائي وحسب؛ بید أنني ولإیضاح
الفكرة ولجدلیة الأمر أخترت أفضل الشھور الإسلامیة والتي ینسب لھا العدید من القیم الأخلاقیة الفاضلة رغم كون ذلك الانتقاء
لیس موضوعیّا؛ً إلاّ أنني وددت من خلال انتقائي لھذا الشھر أن أنھي الجدل الذي یثیره الكثیرون تجاه الانتقادات الموجھةِ تجاه
معتقداتھم أو توجھاتھم وحتى لا یصح القول: الصید في الماء العك ر
.
سؤال وجودي آخر، إن كان الدین – بقیمھِ وتعالیمھ – ھو العامل الوحید في تماسك المجتمعات وبقاء نسیجھا الاجتماعي من غیر
ثقوب؛ فلماذا لا نرى ببساطة المجتمعات العلمانیة تنھار وھي التي لا تشیر في دساتیرھا أو مدارسھا أو مؤسساتھا إلى أي كلمة
أو المسیح أو العذراء أو الملكوت أو الفردوس أو الجحیم، ولا مكان فیھا لحكم ثیوقراطي كنسي، وعلى الرغم من 􀍿 لاھوتیة كا
كل ھذا الافتقار الدیني؛ لا نرى تفشي الجرائم، بل مزیدا من الازدھار والتقدم العلمي والإنساني والمعرفي، فعن أي ربط أخلاقي
بالدین یتحدّث المؤمنون. مع ضرورة التذكیر مجددا أن النظرة الشرق اوسطیّة للغرب العلماني تجاه قیمھم الأخلاقیة والتي
یصفون مجتمعاتھا بالانحلال الاخلاقي ما ھي إلا نظرة أحادیة مبتذلة نتیجة لكونھا تجعل المعیار الأخلاقي لمجتمع ما ھو الجنس،
ولھذا فالمجتمعات العلمانیّة في نظرھم مجتمعات منحرفة اخلاقیة نتیجة لتفشي الفجور والشذوذ والممارسات الجنسیة، الأمر الذي
یجعلھم یتناسون الجانب الآخر من القیم وحكرھا على الجانب الجنسي فقط دون الأمانة والصدق والإخلاص والاحترام والنظام
والتعاون والتعایش المشترك.
ولھذا نرى الأخلاق في المجتمعات العلمانیة أكثر قابلیة للتطور والنمو والتغییر وتراتیب العصر ومقتضیاتھ، وخیر دلیلٍ على
ذلك ھي القیم الغربیة التي سار على نھجھا الغرب قرونا عدیدة بدعمٍ نصيّ دیني یھودي ومسیحي كالعبودیة والعنصریة ضد
السود، والیوم ما ھي إلاّ صفحات سوداء في تاریخ المجتمعات الغربیة تم تخطیھا على عكس القیم الدینیة التي تقع تحت مبدأ
التمسك بھا كنصوصٍ جامدة ومطلقة وغیر قابلة للتجزئة أو التغییر أو التطویر أو إعادة صیاغة أو ھیكلة لتناسب حاجیات البشر،
وإن كانت تعالیم مرَّ على نشوئھا مائة قرن. ولھذا لو حدّثتَ علمانیّا عن جرائم بوش أو موسولیني أو ھتلر أو ستالین؛ فعلى
الأرجح سیستنكرھا ویدینھا ویعترف بأنھا جرائم ضد الإنسانیةّ على غرار بعض المؤمنین الذین یقفون في صف الشخص أو
النص مقابل المبدأ.
……یتبع

الأخلاق بين التشريع الإلهي والإنساني – الجزء الثاني

فرضیّة أنَّ الأخلاق مصدرھا الرب؛ ھي أیضا فرضیّة غیر مقبولة، والسبب في ذلك ھو منطق إلھ الفراغات، إذ یمكننا القیاس
على ھذا النحو بناءا على منطق المؤمنین في تفسیر أي شيء غیر مفھوم، دعونا لا ننْسَى أنّھ في ما مضى؛ كان العالم یفسر
البرق والرعد والفیاضات والزلازل على أنھّا ظواھر طبیعیةّ ورائھا غضب الرب على المقصرین في عبادتھ. ثم أتضح فیما بعد
تفسیر تلك الظواھر الطبیعیة وعواملھا من خلال علماء الفیزیاء والجیولوجیا والكزمولوجیا، وأصبحت تلك التفسیرات الدینیة
القدیمة لیست محل شك، بل محلُّ سخریّة لمن یصرُّ على صحتھا ویستند في تفسیرھا من خلال الموروث الإنساني بشكلیھ الدیني
والإجتماعي المتشكل في الأسطورة والخرافة. فالمؤمنین قدیما كانوا یفسرون كل شيء غیر مفھوم إلى الرب، فالإنسان مخلوق
استنادا إلى سفر التكوین، كأول وثیقة سماویّة، والأرض والكون مخلوق استنادا إلى الإصحاح ذاتھ، ولیس لفكرة الإنفجار العظیم
أو فرضیّة أخرى، والشمس تدور إلى الأرض كما أدعت نظریة بطلیموس، والبرص مرضٌ یصیب الإنسان لكونھ مقصرا أو
امتحانا لھ استنادا إلى سفر ایوب ولیس لوجود اضطراب في الجلد لنقص المیلانین في الجسم. وھكذا استمرت البشریة بتلك
التفاسیر الموروثة إلى أن أتى العلم وأزاح تلك المفاھیم، وأصبحت تلك الفرضیات مجرد تراث أنساني قدیم یصحُّ التعلمّ منھ
دروسا في المحاولات الجادة للإنسان الأول للوصول إلى المعرفة. وبھذا أصبح مفھوم إلھ الفراغات مفھوما خشبیّا وفكرة مثقوبة.
أود أن أطرح مفارقة أخرى، للوصول إلى نقطة مھمة من خلال طرح سؤال كمقدمة: ھل یصح إعتبار قانون الجزاء العماني
مصدرا للأخلاق ؟
أولا،ً وقبل الإجابة على ھذا السؤال، یجب أن نعترف أن قانون الجزاء في كثیر من الدول ھو الوسیلة الوحیدة الرادعة للعدید
من الجرائم التي تحدث في مجتمع ما، ولولاه لأصبح المجتمع یعاني من مشاكل أخلاقیة وفوضى عارمة لا تنتھي، فقانون الجزاء
لیس موقّعا للعقوبات وحسب، بل رادعا ومنظما،ً فأي فرد في المجتمع تسوّل لھ نفسھ في السطو لبیت جاره لسرقتھ؛ قد یتراجع
خوفا من العقوبات المتمثلة في الحبس، وبنود قانون الجزاء مصدرھا الدین الإسلامي والبعض الآخر قوانین وضعیة مستوحاه
من القانون الفرنسي الذي اتخذتھ مصر كمصدر أول في تأسیس سائر القوانین، ومنھ قامت باقي الدول الإسلامیة بأقتباسھ من
مصر. فھل یصح مجددا إعتبار قانون الجزاء مصدرا للأخلاق بأعتباره منظما ورادعا ومعاقبا؟ً وحتى لا أضع الإجابة على
السؤال بید القارئ، ومنسحبا من المسؤولیة، أود أن أھيء لھ الإجابات بكافة أشكالھا.
فمن یدّعي أن القانون مصدرا للأخلاق؛ فھو بذلك یقوم بإبتذال مفھوم الأخلاق وذلك بربطھ بشكل مباشر بالجزاء المتمثل بالعقاب
أو الثواب، ویمكن القیاس على ذلك بالدین، متى ما ربط القیام بعمل خیر بالثواب والأجر، وبعمل الشر بالجزاء والعقاب، ألیست
المقاربة واردة بین قانون الجزاء والدی ن.
فالأیات والأحادیث التي تحث على الأمر بالمعروف والنھي عن المنكر وتربط ذلك بالثواب والعقاب لا یمكن الإعتداد بھا كمعیارٍ
أخلاقي، لما في ذلك من تجارة بین العبد وربّھ، وعلاقة معبودیّة ثنائیّة، أيْ مجردُ أمرٍ یفعلھ المؤمن أو ینتھي عنھ رغبة في ثواب
أو تجنبا لعقاب فقط، ولیس لدواع أخلاقیة تنبع من الروح الإنسانیة، فالمقاربة لا یمكن أنكارھا أو استنكارھا، فكلاھما یحثاّن على
فعل الخیر والإمتناع عن فعل الشر، وبداھة فالتھدید بالنار أو بالحبس لا یمكن وصفھ خُلقُا،ً بل تنظیما.ً فالأخلاق ھي ما لا یرتجئ
منھ شيء في المقابل؛ فعلٌ أنساني محظ وخالص. فالموظف الملتزم بقانون مؤسستھ الداخلي والذي ینظم العمل وتوقیتھ والحضور
والإنصراف لا یجعل من الموظف خلوقا متى ما عَمِلَ بھ أو منحطا متى ما خرج عنھ، بل یجعلھ أمّا موظفا ملتزما أو موظفا غیر ملتزم. وتلك أزمة لا یمكن وصفھا بأزمة وأشكالیة مصطلحاتٍ وحسب، بل أزمة ھوّیة.
وبالرغم من كوننا نعیش في مجتمعاتٍ قانونیةّ، إلاّ أن أكثر ما نقوم بھ لا نجُبرَُ علیھ قانونا؛ً بل نقوم بھ طوعا،ً فما من قانون
یجبرنا على مساعدة الآخرین المتعرضین لحادث سیر في الطریق، وما من شيء یجبرنا على المخاطرة بأرواحنا في سبیل إنقاذ
رجلٍ من الغرق، وما من بندٍ یجبر الكثیر من النشطاء الحقوقیین على الدفاع على انتھاكات لحقوق الإنسان، بل ھي النزعة
الإنسانیة الدفینة في كل أمرٍ یقدّرُ إنسانیتّھ، وبالمقابل، فأننا تتاحُ لنا الفرصة في الكثیر من المواقف للسرقة أو الإختلاس مع انعدام
احتمالیة أن یكتشف أحدٌ الأمر، وبالرغم من كل ھذا لا نفعل، فھناك ما یكُسِرُ كیان الإنسان متى ما رأى طفلا یعاني من إعاقة
مستدامة أو مصابا بالسرطان؛ وببساطة ذلك النوع من الإنكسار لا یمكن أن یحدث بشكلِ ثواب أو عقاب، فھو یحدث خارجا عن
إرادتنا وبلا وصایةٍ دینیّة. تلك ھي الأخلاق الإنسانیّة التي تجعلك لا تشمت حتىّ في عدوّك. فمساعدة شیخ ھرما یقطع الطریق،
أو عجوزا تحمل أمتعة ثقیلة، أو القیام من مقعدك لتقدمھ لأمرأة لا یحتاجُ إلى وحي إلھ ي.
الأدیان لم تقدّم معاییر أخلاقیّة جدیدة، بل أتت للتأكید علیھا، ولھذا لن ترى مجتمعا یشجع أفراده على الكذب أو السرقة أو
الإغتصاب، فالأخلاق ظھرت لحاجة المجتمعات الأولى لفضائل أخلاقیّة لیساعدھا في الإستمرار، وإلاّ فلنتخیّل مجتمع ما لا قیمَ
أخلاقیّة فیھ سوى القتل والسرقة والإغتصاب؛ بكل تأكید لم تكن البشریّة كذلك، وإلاّ لتوقف النسل البشري عند الحضارات الأولى
ولم نشھد الألفیةّ الثالثة بعد المیلاد. فالمجتعات البشریة الأولى قد أدّت ما علیھا لتبني تلك المعاییر والقیم الأخلاقیة كمعاییر سلوك
وتنظیم ولنا في التراث الإنساني مشاھد یمكن الإستدلال علیھا كشریعة حامورابي، ولیست مختزلة في موعظة الجبل التي یدّعي
أغلب المسیحیین بأن یسوع قد قدّم للإنسانیة أخلاقا أصیلة، بل على العكس تماما؛ً فقد تشبّع الجنس البشري من تلك المفاھیم
الأخلاقیة قبل یسوع وناموس موسى أیضا،ً وبالمقابل أیضا لا یمكن القول أنَّ القرآن أتى منفردا بفكرة البر بالوالدین، أو عدم
سرقة مال الأیتام أو محاربة الربا الفاحش، فلا یمكن التخیلّ أن تلك الأخلاقیات لم تكن مذمومة في المجتمع الجاھلي، وخیر دلیل
على ذلك الأدبیات الموجودة والتي تذكر الجود والكرم والحمیّة وصلة الرحم والحب والسلام التي أبدع فیھا كاتبوا المعلقّا ت.
كثیرا ما نسمع أو تستخدم وصفا لا شعوریاّ مناّ في وصف حادثة أو فعلٍ ما یقوم بھ شخص عطوف على آخر لا یعرفھ ولا
تربطھ بھ أي صلة بوصف “إنساني”، إذ أنَّ المتكلم ھنا یخاطب الفاعل بھذا الوصف ولیس بوصفٍ آخر كأنتَ مسلم أو مسیحي
أو مؤمن، ویرجع ذلك إلى إیمان وإدراكٍ وحسٍ داخلي في المتكلم بكون الفعل إنساني بالدرجة الأولى ولیس ذو مصدرٍ دیني،
ولو كان الفعل ذو باعث دیني؛ لأختلف الوصف وأصبح المخاطب یوصَفُ بالمؤمن الج یدّ أو بأنھّ مسلم جید أو مسیحي رائع على
افتراض أن الدین ھو الباحث الوحید لذلك الفعل الخیري الإستثنائي، بید أنَّ المخاطب والمتكلم كلاھما یحبذان الوصف الأول
اعترافا ضمنیاّ منھم أن الفعل ذو باعث أنساني خالص
.
….یتبع

الأخلاق بين التشريع الإلهي والإنساني – الجزء الأول

لقد أتفق المؤمنین في جمیع الأدیان على وجود مصدرٍ واحد للأخلاق، وھو لله، بید أنّھم اختلفوا في قضیة واحدة ھي أساس ھذا
الاتفاق، فكون لله مصدرٌ للأخلاق؛ والذي یحتم علینا بداھة استنباط ذلك من خلال التعالیم الإلھیة المتمثلة في الكتب المقدّسة
فقط. وقد أتفقوا أیضا وبالتساو على أن كل كتاب مقدس لا ینتمون إلیھ غیر أخلاقي، ولھذا فالعھد القدیم مصدرا للعنف كما یراه
المسیحي البروتستانتي أو الإنجیلي، والعھد الجدید مصدرا للعنف وصناعة الطغاة كما یراه المسلم، والقرآن مصدرا للعنف كما
یراه المسیحي والیھودي في آن واحد. ففي ماذا أتفق المؤمنون بالضبط؟ لقد أتفقوا على أن الأخلاق الحمیدة لا یمكن أن تخرج
خارج نطاق الدین، وبھذا یرى كل مؤمن أن دینھ باعث للأخلاق، وأن الإنسان بلا دین لا یمكنھ أن یكون خیرّا محبا للغیر.
بدایة، سأتناول الموضوع بعیدا عن الأدیان، أي یجب أن نجرّ د الإنسان من أي دین قبل الحدیث عن الأخلاق لنرى ما إذا كان
باستطاعة الإنسان أن یكون بأخلاق حمیدة وبلا دین في آن واحد. ویحتمّ علینا أیضا أن نسأل أنفسنا أسئلة ملحّة وضروریةّ
لمعرفة ما إذا كان الباعث الوحید عن فعل الخیر أو الامتناع عن فعل الشر ھو الدین وحده؛ لذا لنجرّد الإنسان من أي دین قبل
البدء في الحدی ث.
ما الذي یجعل الإنسان یفعل الخیر ویمتنع عن الشر وإلحاق الأذى بالناس وھو لا یؤمن بوجودِ جنّة ستكونُ مكافئة لھ أو سعیرا كعقاب لھ عند موتھ؟ ما الذي یجعل الملایین من البشر في العالم ال لا-دیني یمتنعون عن اغتصا ب أمھم أو ابنتھم؟ ما الذي یجعل
الإنسان لطیفا في تعاملھ مع الغیر لا یؤذي ویساعد الضعیف والمسكین وھو لا یذھب كل أحدٍ إلى الكنیسة أو إلى المسجد أو إلى
المعبد؟ لماذا یقوم ملحد ما بمساعدة شعوب أفریقیة یغرقھا الجوع والفقر والأمراض وھو متقین تماما أن ذلك لن یسا عده في عالم
آخر؟ بكل تأكید تلك ھي عینات نراھا ونسمع عنھا كل یوم. لكن كثیرٌ منا یجھل ما یحفّز ھؤلاء على القیام بذلك. كحال الشعوب
80 % من الیابانیین – % الشرق أسویةّ مثلا.ً الیابان یبدو مثالا جیدا؛ً حیث تشیر إحصائیة 2007 على أن ھنالك ما بین 65
لیسوا مؤمنین بأي دیانة، وھم ینقسمون بین ملحدین ولا أدریین. الأمر الذي یجعلنا نسأل سؤالا لا یبدو ضروریا ولكن وجب
الافتتاح بھ لیفھم السیاق: ھل ھنالك من یتجرأ على القول أن الشعب الیاباني لا یملك أخلاقا ومثلا علیا تفوّقت – من حیث التجربة
– على كل الأدیان المعاصرة؟ وھل ھنالك من یستطیع القول أن الیابان لیست أقرب مثال لجمھوریة أفلاطون الفاضلة أو یوتیوبیا
توماس مور؟.
حسنا،ً ما ھي الأخلاق وما ھو مصدرھا؟ وھل حقّا الإنسان المؤمن ذو خلق رفیع أكثر من غیره من اللامؤمنین؟. كعادة طارح
الأسئلة ھذه؛ یقع الجمیع من مؤیدین أو معارضین، من أصحاب إیجابات نموذجیة إیجابیة أو سلبیةّ في مغالطة كبرى. فكون
الأدیان تحمل في طیاتھا قیم أخلاقیة شيء، وكون المؤمن في واقعھ التطبیقي ینافي تلك التعالیم الإنسانیة شيء آخر.
مجددا وبعیدا عن الدین، إذا تمعنّا في تلك التعالیم فالأمر یحتاج إلى مجلدات للخروج بنتیجة نھائیة وكشف مدى شرعیتھا ومدنیتّھا
أو أقلّة تناسبھا مع الوضع الحالي. فكون الوصیّة السادسة والسابعة والثامنة من العھد القدیم لناموس موسى والتي تنھى عن القتل
والزنى والسرقة وشھادة الزور لا تعني إطلاقا أن ناموس موسى قد نجح في المجتمع الیھودي ذو قیم وأخلاق نبیلة، علاوة على
كون تلك التعالیم موجودة منذ الأزل في شرائع الأولون ككنفوشیوس الذي سبق موسى وحمورابي الذي ترك للعالم مائتان وأثنان
وثمانون مادّة قانونیة وتشریعیة في الأخلاق والسلوك والتنظیم، الأمر الذي لا یدع مجالا للشك أن الأخلاق لیست حصرا على
الأدیان، ولم تنجح ھي الأخرى في التغلّب على الفطرة الإنسانیّة التي وھبتھا لنا الطبیعة من غرائز حب الإستمرار والبقاء
التعاطف والرحمة والدفاع عن النفس وفي المقابل بلا شك الغرائز العدوانیة الشریرة والتي خلقت مع الإنسان بسبب العوامل
البیئیة أو الإقتصادیة أو الإیدولوجیة وانتجت فیھ غرائز الإنتقام والغزو على القبائل والكره. وربما خیر دلیلٍ على فشل التكوین
الإجتماعي الأخلاقي للمجتمع الیھودي حینھا ھي تجربة السامري الذي أطاعھ الیھود وعبدوا العجل متجاھلین أول وصیّة في
العھد القدیم المتمثلة في عدم الإشراك بیَھوه.
التدینّ وعدمھ لا علاقة مباشرة لھ والأخلاق، وقولي ھذا لا یعني بالضرورة أن الأدیان لم تنجح في خلق قیم أخلاقیة عظیمة بل
على العكس تماما،ً فقد نادت كل الأدیان بكل أشكالھا القدیم منھا والجدید والمستحدث، الإبراھیمي والسماوي والوضعي بذلك،
فلا توجد دیانة ما تحثُّ على القتل أو السرقة، بل جمیعھا یدعو إلى المحبة والعدل والسلام، ولك ن.
یصبح الدین متمثلا في التعالیم الدینیة السلوكیة والفكریة أداة قتل یصح أن یسمى قتلا إلھیاّ،ً متمثلا في القصاص، ویصبح الدین
فعلا إجرامیّا مبررا كالغزو أو الجھاد أو الحملات، أو الفتح أو الإحتلال أو الإستیطان، وكل ذلك بدعمٍ دیني والسبب في ذلك
یكمن لیس في الدیانة التي یراھا المؤمن شمولیةّ وكاملة؛ وإنمّا رغبة منھ في تسییر دینھ في كل نواحي الحیاة الفكریة والإقتصادیة
والسیاسیة، ولأن النصوص الدینیة أتت بأحكام ونصوصا مطاطیة یصلح استخدامھا بطرقٍ عدیدة من خلال التأویل أو التفسیر
أو القیاس، على الرغم من وجود الأحكام القاطعة التي یمكن أن تعد دستورا لا یمكن تجاوزه في ظل وجود قوانین ولوائح تنظیمیة
لو ارتأى منھا وجود ما یتعارض؛ لتركت ویتم الرجوع إلى الدستور الأول كالقرآن أو الوصایا العشر أو الإنجیل بدلا من الحدیث
أو الھاجادا أو التلمود أو الكتب الأبوكریفیة أو أعمال الرسل والقائمة تطول والھدف من ھذا لیس أنكارا لھا، وإنما حتى لا یسعى
المتطرفون إلى أستخدامھا لأھواءٍ شخصیّة أو أغواء المؤمنین، بالإضَافة إلى درء الفتن والحروب مصداقا لما قالھ عمر بن
الخطاب: أمشناة كمشناة الیھود، وحتى لا تكون لنا عند الآخرین حجّة، فھي تصلح أن تكون في بعض الظروف كلمة حق یراد
بھا باطل كوقعةِ صفی ن.
الیھود لم یحتالوا على العالم لإستیطان فلسطین من خلال السیاسة أو المال، ربما كانا الأخیران عاملان أساسیان لنجاح الخطّة،
ولكنھم فعلوا ذلك من خلال استخدامھم الدین المتمثل في الوعود التي قطعھا الرب لأھل كنعان في أرض المیعاد، وھو ما یفسر
أرتحال أغلب یھود العالم إلى اسرائیل الآن، نعم لا یوجد ھناك رئیس دولة واحد یقول لشعبھ وجنوده أذھبوا إلى الحرب، لنأمن
مستقبل أبناءنا من النفط والمال، فجورج بوش استخدم الحیلة الدینیة ذاتھا في حربھ على العراق. حینما قال” لله أمرني بأن
أغزي العراق” وفي مقامٍ آخر قال” لله أمرني أن أخلص العراق من الطغیان”. وھو ما یثبت الیوم سبب عدم رغبة بعض الدول
الثیوقراطیة في تعدیل مناھجھا الدستوریة وقیمھا التشریعیة، فیقع المجتمع بأسره رھینا لحقبة زمنیةّ، أو رھینا لأھواء ولي الأمر،
ومثالا أقرب لذلك ھي الحرب الأخیرة للسعودیة على الیمن التي یعتقد غالبیّة السعودیین أنھا حرب عادلة ومشروعة. نتیجة
للتعبئة التي تجعل من الجمھور المؤمن یقبل قتلا بالقنابل العنقودیة المحرّمة متى ما غلفّ أي فعلٍ باسم الدین
.
نظرة ثاقبة للشرق الأوسط، نستطیع من خلالھا التأكد أن المجتمع الشرق أوسطي [العربي، الفارسي، التركي] وصل إلى آخر
مرحلة من مراحل الإنحطاط الأخلاقي؛ حینما أعتنقت تلك المجتمعات فكرة أن الجنس ھو المقیاس الوحید للأخلاق، وبھذا یصبح
ما عدا ذلك صفات سلبیّة وحسب، فالكذب والعنصریة والسرقة والرشوة وأحتقار الآخرین سمات أساسیة من سمات المجتمع
الشرق أوسطي، ملازمة لھم لا ترقى لتكون كارثة أخلاقیة في نظرھم مقارنة بمفاھیم جنسیة قدیمة ومستحدثة كالشرف والعرض
التي یعدّھا الشرقي المقیاس الأول للأخلاق الفردیة والأسریة.
تلك قراءة تحلیلیة أھدف بھا التذكیر بالوضع الحالي للشرق الأوسط، قبل الشروع في العودة إلى الموضوع الرئیسي، وھذه المرّة
بطرح أسئلة ضروریة، استفتاحا لموضوع فرعي آخ ر
ھل كانت البشریة على مر العصور تعیش في فوضى قبل ظھور الدیانات؟ ھل كان النبي محمد سيء الخلق قبل نشوء الإسلام؟
كیف لأبا بكر أن یكون أعفَّ الناس في الجاھلیّة؛ فقد حرّم على نفسھ حتى الخمر وكان حافظا لعرضھ ومروءتھ ، كیف لعثمان
أن یكون بذلك النبُل والكرم ویمتنع عن الخمر قبل الإسلام وھو من بني أمیّة ذا جاه ومال ونسب ، ما الذي یجعل ھاذین بمالھم
وجاھھم ومنزلتھم في قومھم بأن لا یطغوا ولا یستعبدوا ولا حتى یشربوا الخمر ولم ینزل فیھم الناموس الأكبر؟
یعتقد المؤمنین بأن الأخلاق محتكرة في الدین، وأنَّ الدین ھو المصدر الوحید لھا، ومن ینادي بغیر ذلك من غیر المؤمنین ھو
لص قام بسرقة القیم الأخلاقیة من الدین لینسبھا إلى نفسھ. بید أنَّ المؤمن وغیر المؤمن یقع في دوّامة عدم المقدرة على التفریق
بین [الحاوي] و[المصدر]، فھي لا تعدو أكثر من أشكالیة مصطلحات ومفاھیم فقط، إذ أنَّ المؤمن یصدقُ في قولھ حینما یقول أنَّ
الدین ھو من أتى بتلك القیم الأخلاقیة، فھو الحاوي الوحید الذي من خلالھ یتقوّم سلوك الفرد المؤمن، والسبب في ذلك یرجع إلى
كون المجتمعات العربیة لا تملكُ إرثا حضاریاّ في القیم الأخلاقیة ولا حتى في الوقت المعاصر، لذا یبدو الدین ھو المصدر الوحید
لكون الإنسان ملتزما بالقوانین العرفیة والسلوكیة والمجتمعیة ومتى ما اندثر الدین انذرثت الأخلاق بداھة لعدم وجود بدیل، بید
أنَّ الأصل ھي أنَّ الدین حاوٍ مؤتمن لتلك القیم الأخلاقیة ولولاه لھلك المجتمع المؤمن، وھنا استخدم كلمة حاوٍ ولیس مصدر،
فكما سبق وتحدثنا، الإرث الإنساني یدللُّ بعدة شواھد على وجود الأخلاق قبل الأدیان، كما أنَّ المعرفة والفطرة الطبیعیة والمنطق
تؤكد على ذلك أیضا.ً ویحضرني استدلال آخر لتبیان الفرق واستیضاح الفكر ة
في ظل وجود أدیانٍ متعددة، نشھد بین الحین والآخر مؤمنا متحوّل من دین إلى آخر أو من طائفة إلى أخرى، وھنا أودُّ أن أحدد
التحوّل المراد الحدیث عنھ إلى [التحول بناءا على الملكیة المعرفیة المبنیّة على البحث والتقصي] لا تحوّلا عاطفیّا أو إیمانیّا أو
محاولات أغواء وھي كثیرة. إذ نرى أن أغلبیة المؤمنین المتحولین ینسبون ھذا التحوّل بناءا على أوھام إیمانیة وھلوسات تتشكل
على شكل أحلامٍ أو مشاعر مضطربة، وھذا لا یصح القیاس بھم، أتحدث عن المتحولین الآخرین، المؤمنین بالقراءة والإطلاع
ولیس أولئك الذین یدّعون أن یسوع حدّثھم أو رؤوا الحسین في المنام أو جاءھم بطرس بمفتاح الجنّة.
في ظل وجود العدید من الأدیان، یقوم المؤمن المطّلع بالبحث والتفتیش، ویحدث أن یتحوّل أحدھم من دیانة إلى أخرى، والمعیار
الذي یتبعھ في سبیل التوصل إلى دینٍ جدید یختاره ھو الأخلاق، أي أنّھ یرى الدین [س] ھو دین أكثر أخلاقیّة من سائر الأدیان
التي تعرّف علیھا، فقرر ببساطة أن یتبّع تعالیمھ، وبلا شك فالمؤمن الجدید بالدین[س] قد قام بمقارنة قیم تلك الأدیان مع الأدیان
الأخرى بمقیاس ثقافي أكتسبھ من خلال العوامل البیئیة والإجتماعیة والإنسانیّة المحیطة بھ؛ الأمر الذي یؤكد لنا بداھة أن الأخلاق
موجودة فطریّا بشكلٍ من الأشكال، فالعقل البشري قادر على تمییز خیریّة أخلاق ما من شرورھا، وما أن تطابقت مع معاییره
إیجابا إلاّ وقام بإتباعھا.
یمر غالبیة المؤمنین بتلك المرحلة التحلیلیة دون شعور، فھم یضعون القیم الأخلاقیة محل إمتحان وتقدیر وتحلیل، ویختلف ذلك
من مؤمن إلى آخر ویتنوع بشكل وآخر: ضمنیّا على شكلٍ علامات استفھام وتعجّب أو تذمّر أو ظاھریّا على شكلٍ نقد بنّاء.
ویمكننا أن نستشف من ذلك ما یقوم بھ المؤمنین من تلك المرحلة، إذ ھم یولّونَ العقل البشري مھمة النظر والتقییم في تلك القیم
الأخلاقیةّ، أي أنھم یعتقدون بأن العقل البشري باستطاعتھ القیام بصیاغة أخلاقٍ ملائمة للمجتمع أو إعادة ھیكلة المنظومة الأخلاقیة
بناءا على مكتسبات وتراتیب العصر، ویتضح ذلك من خلال النقد الحاد الذي یمارسھ المؤمنون تجاه بعض القیم الأخلاقیة
المكتسبة من الأدیان الشرقیّة، كزواج القاصر وزواج المتعة والمسیار وتعدد الزوجات وتختین الأنثى وتحقیر الجنس الآخر
والرق واحتلال الشعوب تحت مسمى الفتوحات أو التبشیر أو الإستیطان والقائمة تطول، والأمثلة تضرب ولا تقاس.
…..یتبع

Design a site like this with WordPress.com
Get started