في مُنتصف سبعينات القرن الماضي ، أعُلِنَ صراحةً تأبينِ تلك المدارس العقلانية التقليدية الموروثة منذُ عصرِ النهضة ؛ ألا وهي العقلانية الإصلاحية ، والليبرالية ، والعلمانية ، وأستُحدِثَ مفهومٌ جديد تحتَ مُسمى ( نقد العقلانية ) ، حيثُ أشيرَت كلَّ أيادي الإتهام إلى العقل ، أبتداءاً بنقدِ العقل الإسلامي لأراكون ، ثم بنقدِ العقل العربي للجابري ، ثم نقدِ العقلِ الغربي لمُطاع صفدي ، وإنتهاءاً بمحاولة بُرهان غليون بإعلانهِ إغتيال العقل الذي تمحورَ كتابهُ حولَ الثقافة العربية بين الفكرين السلفي والتبعي.
الجميعُ سائلَ العقلَ العربي عن فاعليتهِ وصلاحيتهِ ، وقام بالبحثِ عن مشكلاتهِ وأزماتهِ ابتداءاً بنقدِ التراث لاسيما محاولتين جدّيتين للمفكرين جورج طرابيشي وفواد زكريا في مؤلفيهما هرطقات وخِطاب إلى العقل العربي
تلك اللغة الكانطية التي أسرَفَ العربُ في إستخدامها دون جدوى ، إذ لا توجدُ بها منهجيةٌ صارمة وعملية ، فالنقد في كِلا المدارس السالفة الذكر كانَ نقداً للمسائل والمذاهب ، ولم ينتج عنهُ تحليلٌ حقيقي للعقل ذاتهِ المنتج لتلك المسائلِ والمذاهب والتأويلات.
لاشك أن ما أتى بهِ كانط غيرَ مسبوق ، إذ تحول النقدُ من نقدٍ للخطابات والمذاهب والمقولات إلى نقدِ أسِسِ التفكير وآلياته ، وبحث في أصلِ تكوين الخطاب ، وإنتاج المعنى ، وتشكيلهِ ( أي نقد العقل ذاته)
جميعُ الآنفين بالذكر ، وإن كانت المسميات تتركزُ حولَ نقدِ العقل ، إلّا أنهم لم يخرجوا من نطاقِ نقدِ التاريخ والموروث والأصالة ، على غرار نقدِ العقل ذاتهِ وآليات والتأويل والإتدلال والإستولاد ، وبالرغم من أن كلَّ من قام بمحاولة النقد لهو بديهياً يتبنى مدرسة فلسفية نقدية أمّا ماركسية أو وجودية أو ظاهراتية أو بنيوية أو تفكيكية ، وربما هُنا وإن أسرفت في نقدِ تلكَ المحاولات العربية في نقد العقل ، إلّا أنني أحاول أن أقومَ بمقدمةٍ منهجية في سبيل أن أستوضِحَ الخللَ في ما قامَ بهِ المُفكرين العرب ، وأشيرَ إلى إمكانية إتباع مدرسة برأيي الشخصي هي المدرسة الأكثرُ إلماماً بمسائلة العقل العربي الإسلامي ، وخصوصاً في آلياتِ التأويل ونقدِ الحداثة ، وهي مدرسة نصر حامد أبو زيد. ، حيث يرى نصر حامد أبو زيد أن الحضارة الإسلامية هي حضارةُ النص ، وقد سبقهُ في حكمهِ أراكون بشكلٍ غير مباشر ، عند إختراعهِ لمصطلح “محورية الكلمة” ، كميزة بارزة للثقافة الإسلامية.
وتؤكِدُ الباحثة أنجليكا نويفرت في مقدمةِ بحثها حول التأويلية بين الإسلام واليهودية أهمية تلك الخطوة في سبيل التبادل الفكري ، وسد ثغرات اللاإتفاق من أجل الوصول إلى تراث مشترك وتعايش ديني متسامح ، وجديرٌ بالذكر أن معهداً إلمانياً مُتعلق بالدراسات المتقدمة في برلين يقوم بمشروع له علاقة وثيقة بالتاسامح وآليات التأويل ، وهي تجربة فريدةٌ من نوعها دفعت بعض المسؤولين إلى إختيار موضوع بحثهم ، وهو التأويلية اليهودية والإسلامية كنقدٍ للحداثة ، التي أختلفت إختلافاً جوهرياً عن تجربة العالم الإسلامي مع الديانات الأخرى بشكل عام ، ومع مفهومِ الحداثة بشكلٍ خاص.
إذ لاحت في العالمينِ الإسلامي واليهودي منذُ سنواتٍ تباشيرُ فكرة نقدِ الثقافة ، وأبتدؤوا بتأويلية أنبثقت من مُعالجة النُصوص الدينية والمقدسة ، فغالباً ما يغيبُ عن الجمعُ السائدُ في الثقافتين الإسلامية واليهودية أن عناصرَ جوهرية من التراثين الفكريين ينتميان فعلاً في المجال الثقافي الواحد الذي ينتمي إليهِ أيضاً التراث الفكري الموجود لدى الجيران والأعداء ، ولهذا فإن مشروعاً كهذا لابد ن يستمرّ ليكونَ منبراً أكاديمياً عالمياً لفكرٍ نقدي ، يهودي وإسلامي مُعاكس للوعي السائد ، إذ ما زال هذا الفكر الجديد في بلدان المشرق العربي الأوسط يسعى جاهداً لينالَ الظهورَ في مجالاتٍ مشتركةٍ مفتوحة ، فالمشروع يسعى إلى لفتِ نظرِ العلماء والمُثقفين في الطرفين ، وإلى ضرورة إعادة التفكير في الحدود القديمة التي سَبَقَ أن رسمت التُراثيين الدينيين ، وجعلت من القطيعة بينهما أمراً ضرورياً ، وإلى الإسهام بشكل فعالٍ في التغلب على العدوانية الكامنة في الأبحاث التي يقومُ بها مسلمونَ ويهود ، كل عن الطرفِ الآخر.
أمّا في العالم العربي والإسلامي فيبدو أننا ما زلنا بعيدين كلَّ البُعدِ عن نقاشٍ حر ناقدٍ للثقافةِ ، ويطرحُ تساؤلاتٍ جدريةٍ حولَ الفهمِ الذاتي والسائد سياسياً للدين وتاريخ التراث الفكري ، ولكن وجب الإستعداد لتوسيع وعي المجال الثقافي الخاص لكي يستوعبَ تراثات الأديان الأخرى ، فما زال في العالم الإسلامي واليهودي ضعيف ، وقد يرجعُ ذلك لأسبابٍ تاريخيةٍ وسياسيةٍ معروفة تتعلقُ بالإستعمار وتأسيسِ دولةِ إسرائيل . ومما لا شكَّ فيهِ أن التجاوزَ والمشاركة بين التراثين لهو الحلُّ الأمثل في إطار معالجة بُنى تناقلِ النصوص الدينية وتدوينها مع الإعلان عن قدسيتها ، وأن تتشكل التأويلية الإسلامية واليهودية دونَ إتباعٍ المنهج المسيحي التنويري لما لحِقَ الأخير خطواتٍ تأويليةٍ تحضيرية ، أوجدُها النقدُ المسيحي منذُ قرون خلت .
أما أهدافُ المشروع فتتشكل في أخذ المجال الحواري والثقافي الإسلامي – اليهودي مجدداً بعين الإعتبار من أجلِ بعثِ دفعاتٍ حيويةٍ في العُلوم الإسلامية والدينية ، وإلى ضخ نبضاتٍ في النقاشات النقديةِ الدائرة في العالمين الإسلامي واليهودي ، وتوفيرِ إمكانية اللقاء الشخصي بين عُلماء الديانتين ، وهوَ الأمرُ الذي ما زالَ نادراً وأستحق بذل الجهدِ من أجلِ حوارٍ تفاهمي ونقدي.
أمّا الموضوعات الأساسية التي يجتمعُ حولها علماء في الإسلاميات واليهوديات والفلسفة والأدب على مدى بضعُ سنوات في إطار مشروع التأويلية اليهودية والإسلامية فيتناول :
- الكتاب المقدس والقرآن
- النصوص الدينية والصلاة ، وفن الرسم الديني ، والنظم الشعري ، والجمالية الموسيقية
- علم التفسير
- الفلسفة وعلم الكلام في الإسلام واليهودية
- الشرع والفقة والتدوين النهائي للنصوص
- سياسة التأويلية وتأويلية السياسة
ويبقى الأمر كلّهُ رهنَ إمكانيةِ التجاوزات ، وصدقَ الأهدافِ والغاياتِ المشتركة بينَ المُسلمين واليهود ، فرسمُ جسورٍ للحوار الديني والثقافي لهوَ أمرٌ لم يحدث منذُ أكثرَ من عشرة قرون ، فهل يتجاوزُ المسلمين واليهودَ جراحاتهم من أجلِ رسمِ حدودٍ مشتركة؟