اذهبوا وأقطعوا لسان القوم

اعتقد أن أكثر ما جناهُ العرب على أنفسهم وفي فترة الاسلام الخلافي بالتحديد؛ هو أنّهم قاموا بتزكية الفُرس وجعلهم أهلاً للنحو، فمِنْ هُنا بدأ تأسيسُ قواعد نحوية كان الهدفُ منها من الأساس هو ما ذكِرَ عن فارسي أتى لعلي بن أبي طالب فطلبَ الأخيرُ من الدؤلي أن ينحو له، أي يمهّد له، والتمهيد هنا يقصد به في سياقه أن يمهّد له فهم اللغة وفقاً لقواعد معيّنة لم تكن مرسومة حينها، وفي رواية أخرى أن الدؤلي دخل على علي فسأله عن حاله، فقال علي: “سمعت أن ببلدكم لحناً”. أي أن تلك القواعد أتت للأعاجم وحسب، والآيات التي يؤكد الله فيها على أن القرآن عربي وكأنها تتحدّث عن مستقبل القرآن المربِك في ظل النحو.

واعتقد بعد قراءة متأنيّة في القرآن، باستبعاد وجود الناسخ والمنسوخ بشكلٍ نهائي من القرآن، فالنسخ أتى في الأحكام بين الأديان، مثال: آية الرجم في التوراة، ثم نسخها الله في الإنجيل بأن قال يسوع: من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر، ثم في الأخير انتهت بالجلد في الإسلام. مثال آخر أنّنا نرى أن القرآن قد نسَخَ كتب الأولين، تجاوزها تماماً، كزبور داوود، وصحفِ إبراهيم اللذان لم يذكر منهما شيئاً. أمر آخر ملفت للنظر وهو أن النص القرآني ما كان يجبُ أن يقع في يدِ عالم نحوٍ إطلاقاً، هو ما نذكرُهُ في غزوةِ “حنين” حينما ثارَ بعضُ المسلمين لغنائم المعركة، فما كان من النبي إلّا أن قال: اذهبوا وأقطعوا لسان القوم، فخرج من المسلمين أحد مستلاً سيفه، فأوقفه النبي وأشار إلى عَلي، فقام علي واخذهم إلى الغنائم وأخذوه منها، وهنا دلالة واضحة أن مفردة “القطع” فهمها العرب بشكلها الأوّل فهماً صحيحاً، فمحمّد كان يُدرك فصاحَة العرب ومقاصد المفردات، ولو أخذنا مقارنة في سورة يوسف في مفردة “قطّعن أيديهن”، وفي سورة المادئة في حكم السارق “فأقطعوا أيديهما” لتبيّن أنّه من المحال أن يطلِقَ النصُّ القرآني عَبَثاً مفردتين للدلالةِ نفسها، فالقرآن خالياً من المُرادفات، وهو ما اتفق عليه المسلمين، وهو ما يبيّن عبَث الأعاجم باللغة حينما أدخلوا النحو فيها وبيّنوا قواعدها. وعليه فإنّني بتُّ أكثر ثقةً بأن دعائي في ثلاثة ما كان الله ليَخلقهم، وأوّلهم النحو، لم يكن عبثاً أيضاً.

التأويلية الحديثة في نقد التراث الإسلامي واليهودي

في مُنتصف سبعينات القرن الماضي ، أعُلِنَ صراحةً تأبينِ تلك المدارس العقلانية التقليدية الموروثة منذُ عصرِ النهضة ؛ ألا وهي العقلانية الإصلاحية ، والليبرالية ، والعلمانية ، وأستُحدِثَ مفهومٌ جديد تحتَ مُسمى ( نقد العقلانية ) ، حيثُ أشيرَت كلَّ أيادي الإتهام إلى العقل ، أبتداءاً بنقدِ العقل الإسلامي لأراكون ، ثم بنقدِ العقل العربي للجابري ، ثم نقدِ العقلِ الغربي لمُطاع صفدي ، وإنتهاءاً بمحاولة بُرهان غليون بإعلانهِ إغتيال العقل الذي تمحورَ كتابهُ حولَ الثقافة العربية بين الفكرين السلفي والتبعي.

الجميعُ سائلَ العقلَ العربي عن فاعليتهِ وصلاحيتهِ ، وقام بالبحثِ عن مشكلاتهِ وأزماتهِ ابتداءاً بنقدِ التراث لاسيما محاولتين جدّيتين للمفكرين جورج طرابيشي وفواد زكريا في مؤلفيهما هرطقات وخِطاب إلى العقل العربي

تلك اللغة الكانطية التي أسرَفَ العربُ في إستخدامها دون جدوى ، إذ لا توجدُ بها منهجيةٌ صارمة وعملية ، فالنقد في كِلا المدارس السالفة الذكر كانَ نقداً للمسائل والمذاهب ، ولم ينتج عنهُ تحليلٌ حقيقي للعقل ذاتهِ المنتج لتلك المسائلِ والمذاهب والتأويلات.

لاشك أن ما أتى بهِ كانط غيرَ مسبوق ، إذ تحول النقدُ من نقدٍ للخطابات والمذاهب والمقولات إلى نقدِ أسِسِ التفكير وآلياته ، وبحث في أصلِ تكوين الخطاب ، وإنتاج المعنى ، وتشكيلهِ ( أي نقد العقل ذاته) 

جميعُ الآنفين بالذكر ، وإن كانت المسميات تتركزُ حولَ نقدِ العقل ، إلّا أنهم لم يخرجوا من نطاقِ نقدِ التاريخ والموروث والأصالة ، على غرار نقدِ العقل ذاتهِ وآليات والتأويل والإتدلال والإستولاد ، وبالرغم من أن كلَّ من قام بمحاولة النقد لهو بديهياً يتبنى مدرسة فلسفية نقدية أمّا ماركسية أو وجودية أو ظاهراتية أو بنيوية أو تفكيكية ، وربما هُنا وإن أسرفت في نقدِ تلكَ المحاولات العربية في نقد العقل ، إلّا أنني أحاول أن أقومَ بمقدمةٍ منهجية في سبيل أن أستوضِحَ الخللَ في ما قامَ بهِ المُفكرين العرب ، وأشيرَ إلى إمكانية إتباع مدرسة برأيي الشخصي هي المدرسة الأكثرُ إلماماً بمسائلة العقل العربي الإسلامي ، وخصوصاً في آلياتِ التأويل ونقدِ الحداثة ، وهي مدرسة نصر حامد أبو زيد. ، حيث يرى نصر حامد أبو زيد أن الحضارة الإسلامية هي حضارةُ النص ، وقد سبقهُ في حكمهِ أراكون بشكلٍ غير مباشر ، عند إختراعهِ لمصطلح “محورية الكلمة” ، كميزة بارزة للثقافة الإسلامية.

وتؤكِدُ الباحثة أنجليكا نويفرت في مقدمةِ بحثها حول التأويلية بين الإسلام واليهودية أهمية تلك الخطوة في سبيل التبادل الفكري ، وسد ثغرات اللاإتفاق من أجل الوصول إلى تراث مشترك وتعايش ديني متسامح ، وجديرٌ بالذكر أن معهداً إلمانياً مُتعلق بالدراسات المتقدمة في برلين يقوم بمشروع له علاقة وثيقة بالتاسامح وآليات التأويل ، وهي تجربة فريدةٌ من نوعها دفعت بعض المسؤولين إلى إختيار موضوع بحثهم ، وهو التأويلية اليهودية والإسلامية كنقدٍ للحداثة ، التي أختلفت إختلافاً جوهرياً عن تجربة العالم الإسلامي مع الديانات الأخرى بشكل عام ، ومع مفهومِ الحداثة بشكلٍ خاص.

إذ لاحت في العالمينِ الإسلامي واليهودي منذُ سنواتٍ تباشيرُ فكرة نقدِ الثقافة ، وأبتدؤوا بتأويلية أنبثقت من مُعالجة النُصوص الدينية والمقدسة ، فغالباً ما يغيبُ عن الجمعُ السائدُ في الثقافتين الإسلامية واليهودية أن عناصرَ جوهرية من التراثين الفكريين ينتميان فعلاً في المجال الثقافي الواحد الذي ينتمي إليهِ أيضاً التراث الفكري الموجود لدى الجيران والأعداء ، ولهذا فإن مشروعاً كهذا لابد ن يستمرّ ليكونَ منبراً أكاديمياً عالمياً لفكرٍ نقدي ، يهودي وإسلامي مُعاكس للوعي السائد ، إذ ما زال هذا الفكر الجديد في بلدان المشرق العربي الأوسط يسعى جاهداً لينالَ الظهورَ في مجالاتٍ مشتركةٍ مفتوحة ، فالمشروع يسعى إلى لفتِ نظرِ العلماء والمُثقفين في الطرفين ، وإلى ضرورة إعادة التفكير في الحدود القديمة التي سَبَقَ أن رسمت التُراثيين الدينيين ، وجعلت من القطيعة بينهما أمراً ضرورياً ، وإلى الإسهام بشكل فعالٍ في التغلب على العدوانية الكامنة في الأبحاث التي يقومُ بها مسلمونَ ويهود ، كل عن الطرفِ الآخر.

أمّا في العالم العربي والإسلامي فيبدو أننا ما زلنا بعيدين كلَّ البُعدِ عن نقاشٍ حر ناقدٍ للثقافةِ ، ويطرحُ تساؤلاتٍ جدريةٍ حولَ الفهمِ الذاتي والسائد سياسياً للدين وتاريخ التراث الفكري ، ولكن وجب الإستعداد لتوسيع وعي المجال الثقافي الخاص لكي يستوعبَ تراثات الأديان الأخرى ، فما زال في العالم الإسلامي واليهودي ضعيف ، وقد يرجعُ ذلك لأسبابٍ تاريخيةٍ وسياسيةٍ معروفة تتعلقُ بالإستعمار وتأسيسِ دولةِ إسرائيل . ومما لا شكَّ فيهِ أن التجاوزَ والمشاركة بين التراثين لهو الحلُّ الأمثل في إطار معالجة بُنى تناقلِ النصوص الدينية وتدوينها مع الإعلان عن قدسيتها ، وأن تتشكل التأويلية الإسلامية واليهودية دونَ إتباعٍ المنهج المسيحي التنويري لما لحِقَ الأخير خطواتٍ تأويليةٍ تحضيرية ، أوجدُها النقدُ المسيحي منذُ قرون خلت .

أما أهدافُ المشروع فتتشكل في أخذ المجال الحواري والثقافي الإسلامي – اليهودي مجدداً بعين الإعتبار من أجلِ بعثِ دفعاتٍ حيويةٍ في العُلوم الإسلامية والدينية ، وإلى ضخ نبضاتٍ في النقاشات النقديةِ الدائرة في العالمين الإسلامي واليهودي ، وتوفيرِ إمكانية اللقاء الشخصي بين عُلماء الديانتين ، وهوَ الأمرُ الذي ما زالَ نادراً وأستحق بذل الجهدِ من أجلِ حوارٍ تفاهمي ونقدي.

أمّا الموضوعات الأساسية التي يجتمعُ حولها علماء في الإسلاميات واليهوديات والفلسفة والأدب على مدى بضعُ سنوات في إطار مشروع التأويلية اليهودية والإسلامية فيتناول :

  • الكتاب المقدس والقرآن
  • النصوص الدينية والصلاة ، وفن الرسم الديني ، والنظم الشعري ، والجمالية الموسيقية
  • علم التفسير
  • الفلسفة وعلم الكلام في الإسلام واليهودية
  • الشرع والفقة والتدوين النهائي للنصوص
  • سياسة التأويلية وتأويلية السياسة

ويبقى الأمر كلّهُ رهنَ إمكانيةِ التجاوزات ، وصدقَ الأهدافِ والغاياتِ المشتركة بينَ المُسلمين واليهود ، فرسمُ جسورٍ للحوار الديني والثقافي لهوَ أمرٌ لم يحدث منذُ أكثرَ من عشرة قرون ، فهل يتجاوزُ المسلمين واليهودَ جراحاتهم من أجلِ رسمِ حدودٍ مشتركة؟

الإسلام والثورة .. في أعين الحداثيين

..وعلى الرغمِ من إعجابي الشديدِ بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ؛ إلّا أنّني أتفقُ مع أحمد خريس في ترجمتهِ وقراءتهِ لمُقاربة فوكو للإسلام بأن لمْ تتّسمْ بذلكَ البُعد الأكاديمي ، بل بالضّحالةِ والسطحية ، وإذ أنّني لا أستغرِبُ ذلك ، وقد أجِدُني أبررُ الفشلَ أو عدَمِ الرّضى في مقاربتِهِ للإسلام ؛ فشوبنهور أيضاً لم يوفّق في غوصِهِ لتجربةِ الاستشراقِ هذه ، ويكمِنُ الخللُ في أنَّ هنالكَ ثمةُ معوقاتٍ تعترضُ مقاربة فوكو للإسلامِ كما اعترضتْ غيرهُ ، إنطلاقاً من السياقاتِ النصيةِ والتاريخية لقراءةٍ إسلاميةٍ شاملةٍ لمفهومِ فلسفةِ الإسلام ، لكنَّ التساؤلَ الذي وُجِبَ أن يُطرَح على الطاولةِ حولَ ماهيةِ تلكَ المعوقاتِ التي تواجهُ أي مستشرقٍ ومنظّر وقارئ للإسلام من منهجٍ جُغرافي مختلفٍ تماماً عمّا كان فيه ؟

وإذا ما أقمنا دراسة الحِوار الذي قدمهُ فوكو وتتبعهُ من خِلالِ الثورةِ الإيرانيةِ واعتِبارها وَميضاً للحداثة بمُعطىً شُمولي ، وأقمّنا حُجّة التشخيصِ والتقييم والتقدير ؛ لوَجدّنا أنَّ أولُ تلكَ المعوقاتِ هو كونُ الإسلامِ يمثلُ آخرية خارجية أو مُطْلقة بالنسبةِ إلى الثقافةِ الغربية ، على خِلافِ ما عرفتهُ الأخيرة من آخريةٍ داخلية ؛ فإن أُقصِيَ المجنونُ أو المريض العقلي أو المجرم جغرافياً ، وزجَّ بهم في مستشفى المجانين والمصحّاتِ العقليةِ وربما السجن ، فالغايةُ من ذلكَ هو إعادة هيكلتهمْ ليندّمِجوا ثقافيا ً واجتماعياً أو على الأقلّ للحدّ من آخريتهم.

أمّا ثاني تلكَ المعوقات فكَما أشارَ إليهِ إدوارد سَعيد في كونِ الحديثِ عن الّشرقِ لابُدّ وأنْ يفضي إلى مُماحكةِ المؤسَسة الإستشراقية التي يُوحي التفريقُ الذي أقامتهُ بينَ الشرقِ والغرب بتلكَ الثنائيات القائمة بينَ الخير والشر ، وبينَ المرْكزِ والهامش بصورةٍ تبدُو فيها هامشيةُ الهامشِ سبباً في التمكينِ لمركزيةِ المركز.

ويُمثّلُ ثالثُ المُعوقاتِ في كونِ مادة فوكو الوثائقية حولَ الإسلام بسيطةٌ جداً ومن جهةٍ أُخرى ؛ فإنَّ أكثرَ ما كان يُعيب الكاتب هو شوفينيّتهُ المُفرطة تِجاه المنْهج والمراجع الأكاديمية ، فعَلى الرّغمِ من غِنى مادتهِ الأكاديمية إلّا أنّها غَلُبتْ عليها المصادرُ الفرنسية الّتي جَعَلها الرَّكيزةَ الأساسية في بُحوثهِ وفي مقاربَتهِ للإسلامِ بشكلٍ خاص.

كما يُمثّلُ مفهوم ترادف السُلطة في الفكرِ الفرنسي الحديث رابعُ تلك المعوّقات ، فعَلى الرّغمِ من كونِ السُلطة لدى فوكو أكثرَ تعقيداً من المزاوجةِ بينها وبين الشر ، إلّا أنني أستغربُ أن ظلَّ شغوفاً بأنموذجِ الإنسانِ المنبوذِ الذي يُقلقُ الوحدةَ السَعيدة للدولةِ ويقضُّ من مضجَعِها ليلاً من خلالِ تلكَ النشاطاتِ اليساريةِ الثورية ، فحينَما يعجَبُ فوكو بالثورة الإيرانية ويجعَلُه السَبَبُ الأسَمى من إعجابهِ بالإسلام ، فإنَّ ذلكَ لخيرُ دليلٍ على ضحالةِ المنظورِ الأكاديمي لمفهومِ السُلطة والشر ، ولا يجوزُ أن تُجعَل مِعياراً أو مرْجَعاً كونياً .

تمتازُ دراسة ستوث بمحاولةِ الرَبطِ بينَ انشغالِ فوكو بالثورةِ الإسلاميةِ في إيران ونظريتهِ السياسيةِ كما ظهرت في كتابهِ “المراقبة والمعاقبة” ، إلّا أنهُ من المتوجبِ تبنّي منظورٌ أكثرَ ديناميّة في تثمينِ تأويلاتِ الإسلامِ غيرَ ذلكَ الجُهدِ الذي قامَ بهِ فوكو من خِلالِ إرسالهِ لتلكَ التقاريرِ الصَحَفيةِ من إيران كشاهدِ عَيان ، حيثُ أنَّ عملاً كهذا أخرج فوكو من سِياقِ النُصوصِ الفلسفيةِ المألوفةِ وتحوّلَ إلى عملٍ يثيرُ الفضولَ والتساؤل. تلكَ الخِطاباتِ والمُراسلاتِ الصَحَفيةِ الفلسفية ليستْ مُلحقاً صَحفياً وحسب ، وإنّما نتاجٌ لخطابٍ فلسفي عبْرَ الصَحافةِ تفرَّدَ بها فوكو تَماماً كتلكَ النصوص التي قدّمها لدراستهِ لنصّ كانط في كتابهِ “ما هو التنوير”

ما هو واضحٌ أبانَ الثورةِ الإيرانيةِ أنَّ فوكو رغمَ إعجابِهِ الشَّديدِ بِها إلَّا أنّهُ بَدى متردّداً في تثمينهِ للدورِ الذي لعبهُ الإسلام في إنبعاثِ الروحيةِ السياسيةِ رغمَ إيمانِهِ بأنَّ الإسلام قدْ شكَّلَ ذاتيةٍ متفرّدَةٍ خلّاقةٍ على خِلافِ النظرةِ التقليديةِ للاستشراق الكلاسيكي. إلّا أنَّ السُؤال الذي كانَ يُطرحُ دوماً من المستشرقين التقليديين أبّان الثورةِ الإيرانية – على سبيلِ المثال – :هل كانَ الإسلامُ يمثلُ تقليداً راسِخاً في مقاومتهِ للطغُيان ، أم أنهُ مصدرٌ ليوتيوبيا حازمة ومُتطلعة؟ فوكو كانَ حذراً جداً من إثارة سؤال كهَذا عبرَ ثنائية الحداثةِ والتقليد ، وما يستدعيهِ ذلكَ بديهيّاً من إحتدامٍ وتوترٍ سياسي

قد يكونُ منطقياً جداً إن رأى فوكو وميضاً للحداثةِ من خلالِ الثورةِ الإيرانيةِ خُصوصاً بتعريفهِ المتعاطفِ للثورةِ بشكلٍ عام يحتّمُ على كونِهِ قد أعْجِبَ بِما يدورُ في طياتها مُتجاهلاً جانباً آخرَ مُظلم ، فتعريفهِ للثورةِ بأنَّها ” نُهوض أمةٍ بأكملها ضد أي سُلطة تضطهدها” لهوَ تعريفٌ كلاسيكي لا يتماشى مع نصوصهِ الحداثيّة بتاتاً ، كما أن شغفهُ بالثورةِ قد جعلهُ يتجاهل واقعاً مأساوياً لا يمدُّ للحداثةِ وللثورةِ وللديموقراطيةِ بصلةٍ على الإطلاق ، فحِينما يُبذِلُ فوكو جُهداً كبيراً في تغطيةِ الثورةِ ويُظهرُ مدى إعجابهُ بها متجاهلاً أن ثورةٍ كتلكْ لم تَكن تُطيحُ بنظامٍ وإنَّما هي مرحلةُ تناقلِ شخوصٍ فقط ، فالهيئة المحيّرة للزَعيم الرُوحي الموقَّر وهوَ يتوسّطُ المنصّة ، والجُموع تهْتِفُ بإسمهِ بإعتبارهِ مُحررها وحامي حماها ، في حين أنهُ كانَ قابعاً لأكثر من عقدٍ في مُحيطهِ الباريسي وشعبهِ يُعوّلُ عليهِ في تأسيسِ إمبراطوريةِ كسْرى بمُقوّماتٍ إسلامية

لم يكُن فوكو ليفهَمَ الدور الذي لعبهُ الإسلام في يقظةِ الروح هذه ، فجّل إعجابهُ كانَ من منظورٍ حداثي في كونِ شعبٍ قدْ ثارَ ضدَّ الطغيان ، إلَّا أنهُ قدْ أنصَفَ الثورة الإيرانية من توجّهٍ حداثي مُختلف تماماً عن السِياق الإسلامي لمقاربتهِ ، نقرأ : “نشأتْ بِلادُ الفُرسِ من فجرِ التاريخ ، ثمَّ أستودَعت الإسلامُ مناهجَها الخاصةِ ، وعمَلَ إداريّوها كوادراً للخلافةِ الإسلامية ، ومِن الإسلامِ نفسهِ أستخلصتْ ديناً مَنَحَ مُعتنقيهِ مواردَ غامضةٍ لمقاومةِ سلطةِ الدولة ، فهلْ يتوجبُ علينا أن نرى عبرَ نشدانِ حكومةٍ إسلاميةٍ تصالحاً أو تناقضاً أم أننا على أعتابِ تحديث ما؟”

الإسلام .. ما بين الأصالة والحداثة



إنَّ ما يشغلُ العالم الإسلامي المعاصر اليوم ينحصرُ بين مفهومي “الأصالة” و”الحداثة” ،  وقبل البدء في التحدّثُ في الموضوع المعنون ، وجبَ أن نعيد طرح السؤال ذاته الذي يسألهُ المستشرق الألماني كرستيان كرول في مقالتهِ المعنونةِ “الفكر المتنور في الإسلام المعاصر” والذي يضع الإجابة على السؤال رهناً وبيدِ المسلمين : هل يوجد الحلّ في تحديث الإسلام أم في أسلمةِ الحداثة؟

القرآن كتابٌ منزّل من عند الله وهو جوهرُ الإسلام وأساسه ، وهو كتاب أزلي وغير قابلٍ للتغيير من حيثِ الشكل والمضمون ، هذا ما يتّفقُ عليه المسلمون جميعاً من مختلفِ مذاهبهم الفقهية والعقائدية ، بيدَ أنّه بلا شك لا يغني الاتفاق في هذا الأمر من اتفاقِ المسلمين جميعاَ حولَ مقاصده ، ولهذا يجدُ خواصُ المسلمين أنفسهم بين دفّتين لا ثالث بينهما : أمّا الحقيقة الأزلية الثابتة الموجودة في النص القرآني ، أم الحداثة التي تجعلُ جميع الأمور قابلة لإعادة الصياغة والتفكيك والتطور بما يتناسب مع تراتيب العصر ، وأمّا عوامُ المسلمين ، فقد وقعوا بين أزمة : التفسير الظاهر للنص ، أو التفسير الفلسفي التأويلي للنص.

في نهايات القرن العشرين ، تحوّلَ الإسلام إلى أنظمة شرعية وحركات منظمة ، ترى في نفسها مضطرةً للدفاع عن الإسلام ضد القوى غير الإسلامية ، وقد نشأ ذلك إلى ظهور اتجاهات متطرفة  ، ويرجع ظهور تلك الحركات “الإسلامويّة” لأسبابٍ متعددة وفي مقدِّمَتها دون شك هي السيطرة الغربية على زمام الأمور والضعفُ والهوان العربي والإسلامي في المجالات السياسية والاقتصادية حتّى في الشأن الداخلي ، الأمر الذي أجبرَ التيارات الأصوليّة في التعاطي مع الأزمات الثقافية والسياسية والروحيّة أيضاً بشكلٍ حاد : بالتطبيق الحرْفي للنص المقدّس ، والنتيجة هي الصراع على التطبيق بصورةٍ فعالةٍ ولو أحتاج الأمر إلى استخدام قوةٍ سياسية ، وينشأ الصراع بسبب استحالة – في نظر كرستيان ترول- التطبيق الحرْفي للنص القرآني في ظل وجود الحداثة.

أمّا الوجهُ الثاني للتيارات الإسلامية فيتشكّل في اسلام التأويل الجديد ، وهو اسلام يقومُ على تفسيرٍ جديدٍ نابع من الإسلام الثقافي أو كردةِ فعلٍ للتجارب القاسية التي نجَمت عن الإسلام الأصولي ، دونَ المِساس بالنص القرآني شكلاً أو مضموناً ، وفتح بابٍ للاجتهاد [بمعنى السعي الشخصي لإيجاد أفكار تفسيرية جديدةٍ للنصوص المقدسة] بعدما أغلِقَ في القرن العاشر عندَ محاولات المعتزلة والمرجئة ، وما يميّزُ هذا الاتجاه – شكلاً- هو المحاولة الجريئة التي لجأ إليها البعض لإعادة تفسير ما أعتاد عليهِ الناس لأكثرَ من ألف عام ، ومن حيث المضمون ، فهو يتميّز بطابعٍ حداثي عصري يتناسبُ ومقتضيات القوانين المدنية وحقوق الإنسان ويواجهُ بمرونةٍ تحديات الحداثة من خلال فهم روح النص لا الوقوف على شكلهِ ولا بإنكار الأحكام التي توصّلَ إليها السابقين.

كما أنَّ هذا التيار يعوّلِ على استخدام المنهج التاريخي النقدي والذي يهدفُ إلى تخطي الفترة الزمنية التي تباعدُ بين القارئ والمستمع الحالي وبين نصٍ من القرن السابع ، أي أنَّ المنهج التاريخي النقدي يحاول وضعَ النص في سياق تكوّنه ، كون أنَّ القرآن هو جزء من التاريخ ، فهو كلام الله ولكنهُ لا يناقض التاريخية من خلال أسباب النزول : فتاريخيّتهِ متجسدة في تكوينِ النص [طبيعتهِ وتركيبهِ] وهو ما أشار إليه ميرتشيا إلياده في كتابهِ “البحث عن التاريخ والمعنى في الدين”.

وطبقاً لدعاة التفكير التقدمي ، فإنّه لا يمكن التصدي لمتطلبات الحداثة والوصول إلى القيم الإنسانية للعقيدة الإسلامية بدون قيام تفسير جديد موضوعي ومختلف للنصوص المقدسة ، بيد أن الأخيرين يواجهون مشاكل قد تنهي استمراريتهم في الوجودِ الإنساني كوصفِهِم بالمرتدين أو بقتلهم أو نفيهم أو بوصفٍ كلاسيكي أدق [زنادقة] ، ولنا في المفكر نصر حامد أبو زيد خيرُ مثالٍ تراجيدي لما آلتْ إليهِ الأمور ، إذ من الخطأ الجسيم أن يقوم أعداءُ هذا التيار -أو أي تيار آخر- باتهامهم بأنّهم أرتموا في أحضانِ الفكر الغربي وقبلوا القيم الغربية دونَ نقدٍ أو تمحيصٍ أو على الأقل أمانةٍ أخلاقية.

النصوصُ المقدسة هي كما كانت ، يقرأها المتديّن والعقلاني ، الأصولي والمنفتح ، الأحيائيين منهم والمستشرقين ، والمحصلة تباينٌ في التأويل بين موسّعٍ ومضيّق ، وبين شارحٍ للنص بمعناه الحقيقي أو بمعناه الفلسفي المتواري ، والمحصلة : دينٌ لم يعانق التقدم والعصر ، ولم يتصالح مع حقوق الإنسان ، ولم ترضى النصوص أن تجعل من الفردِ محركاً للتنميّة والتحرر والإبداع ، ولنا في التجربة السلفيّة خيرُ دليل ، ولو قِسنا بذلك المسلم الهندي بتسامحهِ – أو بلا مبالاتهُ على الأحرى – وبين مسلمي باكستان ؛ سيتضحُ جليّاً أنَّ النسخة الأخيرة ما هي إلّا نتاجُ نصوصٍ عقديّة جامدة أسّست بيئة ملائمة لسلفيّة جهاديّة كالقاعدة وطالبان ، بيد أنَّ الأولى تعايشت مع شتّى الملل والنحل وأنتجت بيئة توافقيّة تعدديّة. 


بالأخير أود أن أقول : لنا في “القتل” مثالٌ ، ولنا في “الطلقاء” آية. والإسلام لم يكُن يوماً سبباً في حجم الكسل الحضاري الذي نعيشهُ ، ولا في انحطاطِنا الفكري أو حتى عجزنا السياسي في الداخل والخارج ؛ بل في كيفيّة التعامل مع نصوصه بشتّى أنواعها ، والتذرّعُ بعدم مقدرةِ المؤمن على التحليل والتأويل والاستولاد بما تقتضي تراتيبُ العصر ؛ لهو دعوةٌ إلى انشاء أنظمة توليتاريّة وثيوقراطيّة توزّعُ الحصص بالتساوي بين الحاكم المستبد وشيخ الدين ولإعادة حقنِ الجينات العربيّة بسرطان الرجعيّة والانحطاط وجلد الذات .وقد أوقفَ عمرُ بن الخطاب حدّاً من حدودِ الله بعد أقلِّ من عشرِ سنواتٍ من وفاةِ النبي ، فهل سيضُعُ المسلمين حداً للعقل ومقتضيات العصر؟

هل سيُحاكمْ البطل الضّال في رواية ” عزلة الرائي”؟

هل سيُحاكمْ البطل الضّال في رواية ” عزلة الرائي”؟


ليلى عبدالله

يقول الناقد البريطاني ” تيري ايغلتون” في كتابه النقدي ” كيف نقرأ الأدب”: إن عددًا كبيرًا من الأعمال الحداثوية يتحسس من مجمل فكرة السرد. فالسرد يعني أن ثمة شكلاً حسنًا للعالم، ومسارًا منظمًا للأسباب والنتائج”.
وهذا ما سار عليه صاحب رواية ” عزلة الرائي” للكاتب العماني الشاب ” بسام علي ” في روايته الأولى الصادرة حديثًا عن دار عرب في لندن، فمن سيقرأ عمله الروائي سيندهش من الأفكار التي بثها في روايته، أفكار في منتهى الكشف والجرأة تجس أماكنا محظورة في غياهب الفكر، تلك التي تخوض في جدلية وجود الله من عدمه .
هذه الفكرة التي تتبلور رويدًا رويدًا في مواجهات حادة مع شخصيات عابرة اخترعها الكاتب للحدث السردي، شخصيات متعددة في دياناتها ومذاهبها، فهناك المسلم السني والمسلم الشيعي، وهناك المسيحي البروستانتي والكاثوليكي، وهناك اليهودي العبراني أيضا، فغرض الكاتب هنا لا يكمن في دحض المعتقدات الدينية فحسب بل أيضا محاكمة تلك الأديان بمنطق العقل.
البطل في الحكاية يبدو عابرًا، كما لو أنه شخص مجهول، انبثق من مكان ما، وهاجر بين العصور والحضارات والمدن والقرى حاملاً هواجسه معه، متحررًا من كل شيء ولا يكاد يخشى من شيء وهو يلفظ ما في رأسه في الطرقات وبين الغرباء ” أقرُّ بأنني لا أستطيع إثبات وجود الرب، ولكنني لا أستطيع إنكاره أيضا، ولست مجبورًا لأن أتخذ من رهاناتكم دليلاً على وجوده من عدمه، وأشعر بالفرح كثيرا لأن آل بي عدمي إلى عزلة لا إلى حرب باسم الرب” .
يقدم البطل نفسه في الرواية كشخص ملتبس من أمر ما وكأنه ملاحق بقدر مقدّر، وقد آن أوان رحيله “خرجت من مدينتي هاربًا من عملي كغلام يعمل في دكان جده، أعلنت هجرتي من نجمة في الشرق تماما كولادة المسيح، حيث تبعني فور الهروب ثلاثة؛ أمي وجدي لأبي وصديق لي” .


يبدو جليًّا من هذا التقديم أن البطل في الرواية شخصية محمّلة بالثقافات والأفكار، هرب من جده الذي يبدو أنه شخص ذو نفوذ ومن مكان هو منبع طفولته تاركًا كل ذلك خلفه بلا أي تعاطف أو ذكرى شجية سائرًا إلى مهمة إثبات وجود الرب من عدمه. تائهًا في وحدته، ومتخبطًا لزمن لا يقل عن إحدى وعشرين عاما، متنقلاً كغريب ووحيد إلى مدن مجهولة، ملاحقًا غاية انبثقت في كيانه المهزوز، منطلقًا من مطرح ثم عبري وخورفكان إلى البصرة ودمشق، وبيروت والاسكندرية ومراكش وطنجة واشبيلية منهيًّا رحلة هروبه الطويل إلى مسقط رأسه في مطرح وقد بلغ من العمر والخبرات وتضاخمت في رأسه كل الفلسفات والاستفهامات دون أن يجد سبيلاً لها:” إلهي أبحث عنك وما وجدتك، لقد سبقتَ الأكوان والخليقة، وكنت أول الأولين، فما وجدتك في كتب الأولين، هل أنت حقا واحدا؟ أم ثلاثة؟ أم أكثر؟ هل ألزمتنا بأن نعبدك وحدك؟ أم أنك في الحقيقة رب خارج الأديان؟”.
تبدو من صفحات الرواية أن غرض الكاتب من كتابة روايته هو تحويل أفكاره الوجودية والفلسفية المحتشدة في عقله إلى قالب فني يستوعبها وهذا ما فعله كثير من المفكرين الذين أصبحوا روائيين من طراز رفيع كالروائي اللبناني العالمي ” أمين معلوف” والروائي الإيطالي ” أمبرتو إيكو”.


تحويل الأفكار الفلسفية إلى قالب روائي فني عمل في غاية التشويق والمتعة والإثارة بالنسبة للقارئ، فهذا يخلّص تلك الأفكار المتخشبة من خشونتها لتبدو أكثر طراوة وخفة حين توضع في رواية؛ فالأفكار في الرواية تحتمل الخطأ والصواب والنفي والقبول ويتم تمريرها بسلاسة على لسان الشخصيات، وإن جاءت تقريرية ومباشرة لكن حيوية السرد سيجنبها السقوط في فخ الرتابة. كما أنه تخليص ذكي لكاتبها أيضا، حين يحشد عمله الروائي بأفكار محظورة في قالب روائي يخفف عنها جرعة الواقعية الفجة، وكما أنه سيجنب نفسه من ملاحقة قانونية؛ بحجة أن السرد الروائي هو من صناعة المخيّلة والخيال لا يحاكم، وإن حدث وحوكم كثيرا من الكُتّاب بسبب أخيلتهم منذ قرن التاسع عشر كالروائي الفرنسي” غوستاف فلوبير” صاحب الرواية الخالدة ” مدام بوفاري”؛ وذلك لأنه صنع شخصية روائية من الطبقة المتوسطة وجعلها تطمح لحياة من الطبقة المخملية!
رغم أن رواية ” عزلة الرائي ” ليست متخيلة بقدر ما هي محاكمة عقلية طويلة في رأس شخصية متخيلة تطرح نتاج نزاعاتها على الآخرين، كما أن انغماس الكاتب في أفكاره وازدحام عوالمه بالرؤى الفلسفية يقارب آراء كثير من الفلاسفة الذين قدحوا عمل المخيلة في الوقت نفسه رفعوا من شأن الأعمال الأدبية التي تعمل على تحليل الواقع والحكم عليه بمعيار العقل كفيلسوف ” ديكارت”، وكذلك الفيلسوف والمفكر الفرنسي ” إميل زولا” الذي ذهب في كتابه ” في الرواية ومسائل أخرى” إلى أن كتابة الرواية أشبه بكتابة محضر بالمعنى القضائي للكلمة، فالرواية الطبيعية من وجهة نظره تكون بعيدة عن النشاطات الرومنسية والخيالية المحضة؛ لأنها تجلب موضوعها من الواقع الخام، مستشهدًا بكاتبين شهيرين هما بلزاك وستندال مرجعًا عظمتهما إلى أنهما قاما برسم ملامح حقبتهما وليس لأنهما أبدعا حكايات!


كل تلك الأسباب جعلت الكاتب ينحرف بعيدًا عن أساسيات كتابة الرواية، متناسيًّا مدى حاجة السرد الروائي في أن يكون مشبعًا بالتفاصيل كي يكون الحدث متحركًا للقارئ الذي قطع عليه متعته بتضييق تفاصيل احتاجت بأن تكون أكثر امتداد منعًا لربكة الأحداث التي تتعاقب بوتيرة متسارعة، وليكون السرد أكثر حيوية وهو مندفع من هجرة إلى أخرى ومن شخصيات إلى أخرى، فقد بدأ روايته بالحديث عن بطل لم يسهب الكاتب في سرد تاريخه في الرواية والأسباب التي دفعته ليبدو كما هو؛ فقبل خروجه من مطرح لم يكن سوى فتىً يعمل في دكان جده ثم أصبح يظهر في السرد كشخص مثقف وملّم بأماكن هي خارج نطاق اقامته وملّم أيضا بحضارات كل بلد كجغرافي فذّ، وأيضا حين هرب من جده لم يوضح الأسباب التي دفعته للهروب بل إن سيرة الجد رغم صيته المؤثر تضمحل في الصفحات الأولى من الرواية بمجرد فرار البطل!


فلا يمكن للشخصيات المؤثرة أن تختفي من الحدث السردي دون مبررات مقنعة ووافية، وعناية الكاتب بهذه التفاصيل الصغيرة كان سيضفي على الحدث الروائي نضجًا وتأثيرًا، ولجعل الشخصيات أكثر امتلاءً بالحياة، وقد جاءت معظمها جامدة، محشوة بالأفكار لكنها مفرغة من المشاعر، فالكاتب وضع أفكارًا تقريرية ومباشرة على لسانها، ويبدو بطل الرواية مقيدًا بتساؤلات كاتبها الملحة، وإن بدت شخصيات عابرة يقابلها البطل مصادفة في رحلة بحثه وهروبه، لكن ذلك لا يمنع من ضخها بالمشاعر والانفعالات الطبيعية، غير أنها في الرواية تختفي بمجرد ما يلقي عليهم البطل أفكاره، شخصيات صنعها كمجرد رؤوس تحمل أفكارًا غير أنها بلا أحاسيس كما لو أنهم روبوت!


ومن الواضح أن الكاتب هنا في عمله الروائي لا يبحث عن التعاطف من القارئ بقدر ما يشغله أن يهزهم من باطن عقولهم وأفئدتهم بهواجسه ورؤاه بجدلية وجود رب من عدمه؛ لذا صلة القارئ تبقى وثيقة؛ فعلى الرغم من ربكة السرد الروائي غير أن الكاتب بلغته المطعمة بالعذوبة والرصانة أستطاع أن يقبض على نفس القارئ ومدد فضوله حتى آخر صفحة من الرواية، مشبعًا القارئ بأفكار البطل واضعًا نفسه مكانه، منفعلاً، مبهمًا، حائرًا، ضالاً.
ولأن هذه الرواية تسير على نهج الحداثوية في تناولها لقضايا عصرها؛ لذا نهايتها تأتي كما هو متوقع منها، فكما يرى الناقد البريطاني ” تيري ايغلتون” : ” إلى أن الروايات الواقعية فإنها تميل إلى أن تنتهي نهاية توفيقية إلى حد ما، في حين تنتهي الرواية الحداثوية النموذجية بشخص ما يخرج وحيدًا وحزينًا؛ مشكلاته من دون حلّ، ولكنه متحرر من الالتزامات الاجتماعية أو المنزلية”.
ففي آخر صفحة من هذه الرواية الذي ينتهي بطلها وحيدًا ومتخبطًا مع دروبه كصوفي تائه في ملكوت الرب، فإن تأثيرها سينتقل إلى القارئ الذي يأخذ نفسًا طويلاً؛ فعدوى أفكار البطل انتقلت إليه وجعلته بدوره يبدو مستغرقًا، فتأملات البطل ببعدها الفلسفي وخروجه عن حدود التفكير المعتاد تحدث تأثيرها المرغوب في جوف المتلقي، لكن أيضا هناك القارئ الذي ينبذ تأملات البطل الضال وسيخرج من الرواية لاعنًا البطل وكاتبه مستعيذًا بالله من ضلال الأفكار!


لقد تمكّن الكاتب من صناعة القارئ الذي يطمح من عمله الروائي، فالبطل هنا هو نحن كقراء، هو كل واحد فينا، ذاك الانسان المحمّل بكمّ هائل من الهواجس المريبة والمهزومة. الإنسان المتشكك، المؤمن، الزنديق، و اللاشيء في ملكوت الربّ!

نقد الأديان بين البداهة والفطرة

لطالما اعتقد المؤمنون وعلى مر العصور ببديهيات بعض الأمور وفطرية بعض الأشياء التي لا يستدعي التثبت منها أو حتى نقدها، ولهذا كان محروما على الناس إعادة التفكير فيها، بل أن إعادة التفكير فيها يستدعي الضحك والسخرية في بعض الأحيان، فأن يقول عالم أركيولوجي بأن عمر الحضارة يتجاوز عشرة آلاف عام فإن الخبر مضحك ومدعاة للسخرية في ما مضى، وأن يقول عالم كزمولوجي بأن عمر الكون يتجاوز ملايين السنوات فإن تلك دعابة هستيرية للبعض، أما في أسوء الأحوال؛ فإن تلك التصريحات قد تؤدي إلى قتله وهلاكه كما حدث في القرون الوسطى في أوروبا قبيل عصر النهضة يوم أن أزاح نيوتن وكوبرنيكوس وجاليليو ورفاقهم اللثام عن عدة مفاهيم وأكاذيب كانت في ما مضى بديهيات وهو ما يؤكد لنا اليوم بأن عصر المسلمات والبديهيات والفطرة مجرد دعاية يقدمها البعض في خطاباتهم أما عن حسن نية كالاحتجاج بالجهل أو من أجل توظيفها لتحقيق أهدافهم كالتحكم في البشرية، فدعونا لا ننسى أن العديد من العلماء حينها قد تم قتلهم وسحلهم وحرقهم ونفيهم في أحسن الأحوال نتيجة لما اكتشفوه ووجدوه مخالفاً لبديهيات العقل الكنيسي، واليوم تنظر الكنيسة إلى أولئك بعين الاحترام والتقدير بالرغم من فشل أجدادهم في ما مضى في تقديرهم واحترام معرفتهم ونجاحهم في اضطهادهم بشتى الوسائل. وهو الأمر الذي جعل أوروبا تستفيد منه اليوم ولا ترغب في تكرار نفس الخطأ، فقد تعلّم الأوروبيين درساً مهما من محاكم التفتيش التي أدت إلى قتل علماء عصرهم ومن الذين ساهموا في خدمة البشرية وصنع الحضارة، ولهذا فمن يتحدث اليوم في ندوة أو نقاش مستخدماَ مفردات كالبديهة أو الفطرة الإنسانية أصبح لا يؤخذ على محمل الجد، فقد كفرت أوروبا بكل البديهيات حتى تخضعها لمناهج البحث والتقصي والتمحيص والنقد وإعادة النقد، ولم يعد اي أمر تحت حماية ما يسمى بالمسلّمات، بل الأدلة والبراهين والمنطق السليم، أما تلك الشعارات والحوارات الرنانة والخطابات الدفاعية والحماسية المليئة بلغة الوكالة الإلهية أو “ماذا رأيتم من شرع الله ولم يعجبكم” أمر لم يعد مقبولاً، بل كل شيء يخضع للتفكيك والتحليل وفقا للمناهج العلمية الحديثة، وتقشع عنه سحابة القدسية ويعرّى أمام الملأ وتفضح النزعات الذاتية وتعلن قزميتها وتكون خاطئة إلى أن تثبت صحتها، نعم لم يعد شيء بديهي وفطري، فكل ما كان بديهيا وفطريا في ما مضى أصبح اليوم في القرن الواحد والعشرين مدعاة للسخرية، ولا يحتاج أن نكرر ما آمنت به البشرية يوماً ما كمركزية الأرض وانبساطها، فالأمور والوقائع والفرضيات والنظريات كلها أموراً نسبية وحسب، والاحتجاج بالفطرة والبديهية لسد العجز المعرفي والفراغ العلمي ليس مقبولاً، بل هو ممارسة فاحشة للاستبداد المعرفي والفجور العلمي وزناً منطقي وإرهابا متطرف على الآخرين، كما أن ما يدعيه المسلمون مثلاً بأنه أمر بديهي وفطري يحدث أن يدّعي الهندوس بأن نقيضه أمرٌ بديهي وفطري، وعلى هذا المقياس، فالفطرة والبديهيات أمر يتفرّق فيه البشر أيضاً، فإلهٌ برأس فيل أمر فطري عند الهندوس، وإله متجّلٍ في ثلاثة أمر فطري عند المسيحيين، وإله متخفّي أمر فطري عند المسلمين، فهل ما زلنا نستطيع الاحتجاج بالفطرة؟

لقد مارست السلطات الدينية على مر البشرية سياسة الكذب والتزوير، ووظفوا كل طاقاتهم من أجلها لتخويف البشر وترهيبهم والتحكّم في حياتهم وآخرتهم، باستخدام اسلحة المكر والخبث والصكوك والسلاسل لدعم وتعزيز معتقداتهم وتكريس خطاباتهم وغرسها في نفوس المؤمنين، ولهذا فإن ما يعتبره البعض بداهة هو في الحقيقة نتيجة للممارسات والوصايا التي ترعرعوا على كنفها وكبروا عليها حتى ترسخت في أذهانهم بأنها بداهة وفطرة، فالحقيقة شيء والقناعات شيء آخر، ولهذا فمن يمارس تلك الأفعال كمحاربة النقد في البديهيات والهروب من الامتحانات والفحوص والادعاء بأن ذلك انتقاصاً وانتهاكاً للمقدسات ودعوة للانحلال والفجور لهو في الواقع يهين البشرية ويعرقل تقدّمها ويجرّها للخلف باستخدام أحدث وسائل القرن الواحد والعشرين؛ كالسجن أو الجلد أو النفي أو الإعدام، وكما أخّر أباء الكنيسة في ما مضى تقدّم البشرية من خلال إعدام الفلاسفة والمفكرين والمبدعين وحرق علومهم وكتبهم، وكما حدث تماماً في الضفة الأخرى حينما كفّر واضطهد شيوخ الاسلام كل علماءهم وأدّى ذلك إلى تأخر البشرية لقرون عديدة، فإن السلطة الدينية حتى اليوم لم تتعلم من الدروس السابقة.

المعركة بين الكاهن واللاهوت والعلم والعقل من جهة والدين من جهة أخرى لن تنتهي إلّا بانتصار أحدهم على الآخر أو بكفالة حق الأثنين وتقليم أظافر السلطوية التي يملكها الأول ولا يملكها الثاني، والاعتراف بحق الأثنين في التعبير عن رأيهم دون فرضه على المؤمنون أو المواطنون، وهو ما يضمن بقاء الأثنين وإعطاء الإنسان حق الاختيار في ما يراه وهما أو حقيقة، علماً أو خرافة، أو أن يعترف رجال الدين بأن دينهم قائم على التسليم بالقلب، أي أن الإيمان ليس ذو قواعد مبنية على الفحص أو المشاهدة أو التجربة وعليه فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد كان العرب في الماضي أميل إلى التجريب والفحص من الإغريق، وبخاصة في الكيمياء ، ومن أجل أن تستعيد السلطة الدينية أمجاد الماضي والعيش في حاضر متقدّم عليها الإقرار بأن خضوع كل شيء للتجربة والفحص لن يحط من شأنها، بل يجعل الفريق المنافس يقدّم إقراراً هو الآخر على أن كل ما سيقدّمه من حقائق وجب أن يرفقها بأدلتها وقرائنها وأن تقبل خضوعها للمناهج العلمية واقرار وتزكية العلماء والمختصين، وبهذا سيحسب للدين يوماً بأنه لم يقف حجراً عاثراً أمام تقدم الحضارة الإنسانية، بل أقرَّ بالعلم وأشاد بالعلماء واشترط عليهم تقديم الأدلة في كل معارفهم ليجنب البشر العلوم الزائفة، عوضاً عن حرب ضروس اشتعلت منذ القرون الأولى من نشأة الدين الإسلامي وأدت إلى مقتل المتصوف والفيلسوف المعروف بالحلّاج بعد اتهام الفقهاء له بالكفر والزندقة، وعوضاً عن خسارة فيلسوفٍ كالسهروردي الذي تركه رجال الدين محبوساً في أحد قلاع مدينة حلب بلا طعام أو شراب لاتهامه بالكفر والزندقة، أو التوقّف عن توزيع شهادات الكفر على المفكرين والفلاسفة كما حدث حينما كفّر الغزالي في تهافته ابن سينا والفارابي، وليتذكر المسلمون أنه في الوقت الذي كانت تنهال فيه أوروبا من فلسفة ابن قرطبة وقاضي القضاة ابن رشد؛ كان الخليفة في الأندلس المنصور قد اصدر قراراً بتحريم الفلسفة وحرق كتبه وطرده من قرطبة واتهامه بالكفر والزندقة، وفي الوقت الذي ترجمت أعماله إلى العبرانية واللاتينية كان العالم العربي قد فقد كل نسخٍ عربية من كتبه، فقد كان ابن رشد فيلسوفاً وقاضياً للقضاة وعالماً بالطب، لم ينقطع عن القراءة والتأليف إلّا ليلة وفاة أبيه وليلة زواجه ، والتي استبدلوها المسلمين من خلال رفضهم لفلسفته العقلانية إلى فلسفة الغزالي والذي خاصم الفلاسفة العقلانيين كلهم قائلاً: لابد من اعتبار هؤلاء الفلاسفة أنفسهم، وكل من يتّبعهم من الفلاسفة المسلمين المتناقلين لفلسفة أرسطو مثل ابن سينا والفارابي وغيرهم من عداد الملحدين . فعلى المسلمين أن يتعلّموا الدرس جيّداً من أقرانهم في رفوف الحضارات السابقة، فحينما اضطهدت الوثنية فيلسوفها انكساجوراس الذي نطق بالحقيقة وأخبرهم بأن الشمس والقمر ليسا إلهين وإنما أجرام سماوية، كان ذلك حينها بديهيّاً، وحينما اضطهدت أثينا أبو الفلاسفة سقراط الذي أتهم بالكفر والإلحاد بالإلهة كان الإيمان بالأوثان حينها بديهياً، وحينما خسرت مصر ممثلة في الكنيسة المرقسية واحدة من كبار فلاسفتها كهيباتيا التي احرقت وسحلت وعذبت وقشط جلدها بسبب طغيان الكنيسة كانت تعاليم الكنيسة كلها بديهية، وحينما اضطهدت الكنيسة القبطية أورجانيوس كان عكس ما قاله بديهيّاً، وحينما خسرت الوثنية الرومانية أرخميدس الذي يدين له العالم بقواعده كان عكس تعاليمه بديهياً، وحينما خسر المسلمون واحد من كبار مفكريهم في مصر برصاصة غادرة كان الإفتاء وتبرير قتله وردّته عن الإسلام أمراً بديهيا حينما رأى محمد الغزالي الذي أفتى وبرّر قتل فرج فودة، وحينما فرّق نصر حامد ابو زيد عن زوجته وحوكم سيد القمني وأفتى المرشد في إيران بإهدار دم سلمان رشدي وحينما قتل ناهض حتر كل هذا كان أمراً مقبولاً لعدم أدراكهم ببديهيات المسلمين، فهل من متسع في عقولنا لأمرٍ بديهي آخر؟

لقد خسرت أوروبا في العصور الوسطى فرصة التغيير من خلال قتلها واضطهادها لكل علماءها وفلاسفتها، وندمها الشديد على ما فعلته في القرون الخاوية لا يسمن ولا يغني اليوم، بل صدقها في أن لا يتكرر هذا يكفي، ولكي لا تتكرّر المآسي، على المسلمين أيضاً الاستفادة من منجزات البشرية ومحاولة اللحاق بها عوضاً عن جر العقل العربي إلى الوراء، فالحرب بين العلم واللاهوت كادت أن تنتهي، ولكن هذا لم يمنع من اندلاع المناوشات بين حين وآخر في المناطق الواقعة على الأطراف، وحتّى أن المسيحيون يعترفون أن دينهم أصبح أحسن حالاً بعد انتهاء هذه الحرب تقريباً، فتطهرت المسيحية من عناصرها غير الجوهرية الموروثة من عصر البربرية كما أنها تطهرت من الرغبة في اضطهاد المخالفين لها.

إن من يخشى كسر التابوهات ويعدهُ أمراً مخيفاً سيؤدي إلى انهيار المجتمع، عليه أن يخبرنا قبل كل شيء من أين أتت تلك التابوهات والتي حرم الدخول في نقاشها أو انتقادها، أوليس مجتمعاً تكثر فيه التابوهات مجتمعاً فاشلاً بامتياز، فإضفاء صبغة المقدس على كل شيء دليل على ضعفه، وتقييد الفكر الإنساني وفرض الوصاية على العقول دليل على مهابة التابوهات لعقل البشري، فالأفكار تدافع عن نفسها وتثبت نفسها وتكسب الاحترام بنفسها دون الحاجة إلى وصاية أو حماية أو تنكيل أو تكفير، فالأسيجة المحيطة بالمقدسات تظهر كم هي ضعيفة أمام عاصفة الفكر، ومن مات في سبيل الكلمة؛ فهو شهيد، وبدوري هذا لا أمارس دور الكنيسة الكاثوليكية فيما مضى، ولا أزكّي على أحدٍ، بل أقول شهيد لكل من صاح بفكره وبقلمه، فما أقسى أن نرى في البلدان العربية حكومات تحاكم مفكراً على أفكاره السلميّة وتترك في المنابر والمساجد من يحرّضون على الكراهية والقتل والعنصرية والعنف يسرحون ويمرحون، وما أقسى أن تختزل مفهوم كلمة الشهيد لمن فجّر نفسه في سبيل نكاح حور العين، وتشوّه كلمة لطالما عبّرت على تضحية نبيلة من إنسان في خدمة قضيّة بشرية.

علمنة النقد والدولة

لعل أول من صرَّح بموقفه السلبي من الدين في القرن العشرين في أوطاننا العربية كان المفكر المصري اسماعيل أدهم الذي كتب رسالة “لماذا أنا ملحد” والتي كانت على وزن رسالة برتراند راسل “لماذا لست مسيحياً”، بل ربما اسماعيل أدهم كان أكثر صراحة وجرأة، فقد أعلن إلحاده بشكل مباشر عوضاً عن إنكار انتماءه لدين معين كما فعل راسل. كان اسماعيل متديّنا وحافظاً للقرآن وملتزماً بالفروض الإسلامية من صلاة وصيام التي تلقاها قهراً من زوج عمته – كما يقول – وأن نقد اسبينوزا وشكوك هيوم وأفكار داروين وأوغست كونت وسبنسر في تفسير الوجود كانت أقرب له من القرآن وكتب السيرة، مصرّحاً ما نصّه: “أني وجدت نفسي أسعد حالاً وأكثر اطمئنانا من حالتي حينما كنت أغالب نفسي للاحتفاظ بمعتقد ديني”. ورأى أنه ما من برهان يقطع بوجود إله على النحو الذي تحدثت عنه التوراة والإنجيل. بيد أن إلحاد اسماعيل أدهم من الناحية الموضوعية يشوبه نوع من الفساد، فهو يدّعي بأنه تلقى تعاليم الدين الإسلامي من زوج عمته المتعصب بعد وفاة أمه البروتستانتية، ثم يقر بأنه عانى اليتم، فتارة يقول بأنه أطلع على تعاليم الفلاسفة واللاهوتيين وعلماء المنطق والرياضيات والعلوم الطبيعية، وتارة يدّعي أنه عانى اضطهاداً طويلاً، وبالرغم من كل هذا، فأنني لا استطيع أن أخفي إعجابي الشديد بالمجتمع المصري حينها، فقد كان التراشق حول هذا الموضوع الجدلي والحسّاس بحجارة الثقافة والعلم، فحينما ألقى المفكر أحمد زكي أبو شادي محاضرة بعنوان “عقيدة الألوهية” رد عليه اسماعيل أدهم بصفحات قصيرة من كابه “لماذا أنا ملحد” ثم أجابه أحمد زكي أبو شادي برسالة “لماذا أنا مؤمن”. تلك السجالات الثقافية تعبّر عن بيئة مصرية مليئة بالاحترام والتسامح وحرية التعبير.

الإيمان بالخرافات ليست جريمة، ولكنّها كذلك لو أصبغت بصيغة الجبر والقوّة، كأن تصبح الدولة في موقف التشريع وصياغة كل ما يناقض هيئة وشكل الدولة الحديثة، فأن تؤمن بما تريد ليست مشكلة ولا جريمة، فهو حق أصيل للإنسان كما جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادتيه الثامنة عشر والتاسعة عشر اللتان تكفل حق الإنسان في التعبير والاعتقاد بما يريد، ولكن الجريمة الحقيقية أن تفرض الدولة شكلاً ومعتقداً ولباساَ ولوناً موحداَ لها، وأن تسخّر رجال الدين في خدمتها وقبول تشريعاتها، فدعونا نستذكر أن الدولة العلمانية لا تفرض على المقيمين في أراضيها التخلي عن دينهم، فلماذا يخشى المؤمنين من علمنة الأنظمة إذا كانت كل الدول العلمانية لا تقصي المؤمنين ولا تفرض عليهم لونا أو شكلاً كما تفعل الدول الثيوقراطية التي تمنع الأكل والشرب في شهر معين وتفرضه على الجميع دون استثناء أكان مسلماً أو لا، أو كأن تمنع بعض المقيمين من استخدام بعض المرافق والطرقات أو كأن تمنعهم من دخول بعض المباني، فالدول العلمانية كبريطانيا مثلاً لم تمنع الهندوس من بناء واحد من أكبر المعابد في العالم في أرضها، ولم تمنع المسلمين من بناء المساجد أيضاً أسوة بباقي الشرائع والأديان، كما أنها لم تمنعهم من الاحتفال بأعيادهم أو ممارسة طقوسهم أو أجبرتهم بالتخلي عن الحجاب أو منعتهم من لبس اللباس القصير للرجل أو إطلاق اللحية، بل حتى النقاب ليس من وراء منعه سبباً عنصرياً أو دينياً، بل هي الحيطة والتدابير الاحترازية وحسب، كما أننا لو قبلنا الأخذ بالمفهوم السائد للعلمانية على أنها “فصل الدين عن الدولة” فإن ذلك سيبرئ العلمانيين أو المنادين بعلمنة الدول في الأوطان الإسلامية من كل التهم التي أطلقها عليهم شيوخ الدين، فالتعريف وإن كان مهترئاً وناقضاً ومائعاً، إلّا أنه جاء على هيئة “فصل” وليس “إلغاء”، ولك أن تتخيّل لو أن الدول الغربية ليست علمانية، لأجبر المسلمون المقيمين فيها على الاحتفال بميلاد المسيح وعيد الفصح وضرورة شراء شجرة الميلاد وأكل الديك الرومي وصدح الأقداح على مائدة العشاء، كما أن مصطلح الدولة الإسلامية هو الآخر مصطلحاً خاطئ إلى أبعد الحدود، فالدولة هي تعريف علماني لبقعة جغرافية تملك حدوداً وشعباً وسلطة، بينما الإسلام هو أمّة، ودولة الإسلام تقتضي منح الأفراد حق المواطنة بناءً على نطق الشهادة وحسب، بينما للدولة الحديثة شروطاً وأشكالاً مختلفة، علاوة على أنه لا يوجد شيء في عهد الدولة الإسلامية ما يسمى اليوم بالجنسية، ولهذا كان لزاماً على الدول الإسلامية أن تذكر في دساتيرها بأن غالبية مواطنيها مسلمين وليس أنها دولة إسلامية، فالإسلام إيمان لا يعقل أن يلتصق بكيان الدولة، فلم نسمع يوماً أن دولة اعتنقت الإسلام، بل الأفراد من يعتنقون الديانات، كما أن هذه المفردة يجب أن تكون في الدساتير على سبيل الإحصاء وليس التشريع، أي كأن تقول الدساتير بأن الدولة (س) غالبية أفرادها مسلمون، أو كل أفرادها مسلمون، أو ينقسم الأفراد فيها بين مسلمين بنسبة كذا ومسيحيين بنسبة كذا، عوضاً عن صبغ الدولة بدين فرضه الإله للإنسان، ولنا أن نتخيّل لو أن دستور الولايات المتحدة الأمريكية يحمل بنداً ينص على أن المسيحية دين الدولة، والبروتستانتية مذهبها، ولك أن تتخيل كيف سيكون حال الهندوس والسيخ واليهود والصابئة والكاثوليك والأرثوذوكس والمسلمين في ظل استبدادٍ بروتستانتي، وقواعد قانونية تفرض على الجميع اعتناق المذهب الواحد، وتجرّم من يخالفه.

على الإيرانيون أن يتباكوا على حضارة أجدادهم الفارسية، تلك الحضارة الممتدة لآلاف السنين والتي حكمت جزءًا كبيراً من العالم، واحرجت اسبارطة ومعاقل الروم والإغريق واستوطنت بلاد الرافدين والجزيرة العربية، والتي كان علماؤها عصب الأمة الإسلامية في ما مضى، عليهم أن يبكوا كثيراً لتأبين جثمانها، وطمس معالمها وأطلالها، فحضارة فارس أو دولة إيران قبل الثورة والتي وبعد نجاح ثورة الخميني وتخلي الفرس عن حضارتهم وتاريخها ومجدها مقابل الالتصاق بالحضارة العربية وجعل إيران حمام دماء لحروب دينية وطائفية وبطالة ومقاطعة للعالم لسنوات وفقر مدقع وتصدير للثورة والإرهاب من خلال دعم المليشيات في الإقليم وتأجيج الصراع الديني والطائفي جعلها جمهورية إسلامية مستبدّة، فأنصار تطبيق الشريعة الإسلامية يداعبهم حلم وردي رائع، ولكن مشكلتهم أنهم لا يبذلون أي جهد لترجمة هذا الحلم إلى لغة الواقع، وهذه الترجمة تحتاج إلى استيعاب كافة دروس الماضي والحاضر واستخلاص دلالاتها، وتحتاج إلى ألوف التفاصيل الدقيقة والضوابط المحكمة بحيث لا يسمح للمنحرفين باستغلال مرونة العموميات في تحقيق مآربهم الخاصة، والتفكير بجديّة في مدى ملاءمة هذه الدعوة للحظة الزمنية الحاضرة ، فهل يعقل أن يحمل اليوم جندي إيراني سلاحاً في القرن الواحد والعشرين لقضية صراع حدث في القرن السابع الميلادي ولشعار كزينب لن تسبى مرتين؟ أوليس تمسّك إيران بعداءها الدائم للكفار هلاكاً لها، ومن ثم فإن أتفاقها الأخير مع الدول العظمى الكافرة خير دليل على أن “الجمهورية الإسلامية” لا يمكن أن تخدم المصالح الاقتصادية الإيرانية، فصناديق الاقتراع والحكومات المنتخبة كحكومة طالبان وغيرها تؤكد على أنّه حتى الديموقراطية يمكن أن تحمل في طيّاتها بذور الطغيان والتعصب والظلم إذا لم تقدها القوانين العادلة والحكيمة، فالقوانين العادلة لا يمكن أن تدين البريء وتبريء المجرم الحقيقي.

شيزوفرينيا المؤمن

غالبیةّ المؤمنین مصابون بأمراض عدّة، ولكن ما من مرض یعاني منھ أي مؤمن ما كالفصام الحاد، وھو نتیجة حتمیة وطبیعیة
متى ما توفّرت العوامل، فالمؤمن التقلیدي الأصولي یتذمر بصوتٍ منخفض وبموجاتٍ من دماغھ أو فاھھ، والسبب في ذلك ھو
رغبتھ في التمسك بآخر قشّة تنقذه من أمواج الفكر المعاصر، فلا تھمھ الحقائق بقدر ما تھمّھ الطمأنینة، وھو الأمر نفسھ عند
المؤمن المعتدل، وأقصد بالمؤمن المعتدل ھو ذلك الذي یندرج تحت مسمیّات عدة أما ناقدا للتراث أو ذو فكر حدیث أو ذلك الذي
لا یأخذ تعالیم دینھ بمحمل الجد، أو بعبارة أخرى؛ ینتقي تراثھ ویقوم بتعدیلھ بما یتناسب مع مدلولات العصر وما یحملھ من فكرٍ
وھو الآخر مصاب بالمرض ذاتھ؛ إذ یتمیّز الأخیر عن التقلیدي كونھ یقبل كمبدأ عامٍ النقد الحاد للفكرة، لكن یعاب علیھ بھروبھ
من المسؤولیة تجاه العدید من القضایا الوجودیة العالقة، فھو فیزیائ ي في المختبر العلمي فقط، وخارج ذلك؛ یكون كما یملي علیھ
إیمانھ، ویعود السبب في ذلك أمّا الخوف من المواجھة أو الرغبة في الإحتفاظ بآخر قشة نجاةٍ من إیمانھ، والمحصلة الأخیرة ھي
شیزوفرینیا حادة وأضطرابات نفسیة ودوغمائیة وثقافة أحادیة كتوصیف لكلا الحالتین، وتعود تلك الآثار لسببین مھمین: التعلیم
متمثلا في تصادم التعالیم الدینیة مع العلم الحدیث، والدجل الدیني في المنابر الدینیة والأعلامیة والثقافیة.
شیزوفرینیا المؤمن یمكن تعریفھا كالتالي: مرضٌ معدٍ، یصیب الخلایا الإنسانیة وھو أحد الأوجھ السلبیة في الدین، ولھ أسبا ب
عدیدة أھمھا الدجل الدیني والعلم الغیبي والتجریبي، وآثاره تتشكل على شكل فردٍ مغیبٍّ تماما مصابا بأضطرابات نفسیة وفصام
حادٍ وأزدواجیة ودوغمائیة وثقافة أحادیة.
مؤمن الیوم، لا تملك منظومتھ الدینیة أي فلسفة إنسانیةّ تحثھّ وتشجعھ على الإنتاج أو الإسھام في الحضارة البشریة، وإن وجدت؛
فھي لا تتسّع إلى بلورة تلك المفاھیم المعاصرة وإدراجھا كركن من أركان دینھ ، فھو لیس أكثر من من فرد مؤمن بتعالیم غیبیة
عن عالم آخر لا یراه وینعت عالمھ الحالي بالعالم الفاني والحضیض ودار متاع، ویرفض الإستمتاع المشروط فیھ لكونھ محطة
عبور، ولإنعدام فلسفة وجودیة في محصلتھ التعبدیةّ، ولھذا فھو یزدري كل من یرتبط بالحیاة الأولى، ساعیا بكل جھد دؤوب
تأمین حیاتھ بعد الموت دون الإلتفات إلى الحیاة القیمّة التي بین یدیھ
ھذا النوع من الفصام الحاد الذي یعاني منھ أغلبیة المؤمنین الیوم: والذي لا یدركھ أكثرھم لكونھم یعیشون في مجتمع واحد
ویعانون من نفس المشكلة؛ مما یصعّب علیھم إمكانیة إدراك وتمییز ھذه الظاھرة، ولك أن تسأل لماذا تفجیر سوق شعبي یردي
مئتي قتیل في بغداد أو دمشق لم یعد أمرا ملفتا للعالم بأسره، بل أصبح فصل روتیني یعرض على شاشة الأخبار في آ خر النشرة
وكأنھ نشرة جویّة، علاوة على كونھ جنوني لا یخرج إلاّ من مجانین. فزجُّ العقیدة في الحیاة بكافة نواحیھا وبمنظور “مقدس”
ولیس “فلسفي” سیكون سببا بلا شك في التخلف والفشل التام في كل النواحي، وبالرغم أن المؤمنین بشكل عام، والمسلمون بشكل
خاص یدركون بأنھم في حالة شلل حضاري تام أمام باقي الأمم؛ لكونھم في قمة الھرم الإستھلاكي، ومتذیلین القوائم العلمیة،
وفاشلین سیاسیاّ وأقتصادیاّ،َ إلاّ أنھم یتذرعون في سبب كل ھذا بعدم فھمھم للدین، نعم، ھم بكل تأكید لم یفھموا الدین، ولكن لیس
بالطریقة التي یظنونھا ھم، فالدین لفتة إلھیة لبشر ما، في حقبة ما، من أجل قضیة ما، ومھما أمتاز بالمرونة والحیاكة المتقنة
والبنود المتزّنة، إلاّ أن تاریخیتّھ أمرٌ لابد من الإعتراف بھ من أجل الإستمرار على ھذا الكوكب. كیف ذلك؟
یدّعي المؤمنون، بأن عقیدتھم أكثر من مجرّد عقیدة ربانیةّ إیمانیة، فھ ي فلسفة بكافة أركانھا ولكن بشكل ثیولوجي مقدّس، ولكن
ھل حقّا الأدیان یمكن الإعتماد علیھا في إدارة شؤون البلاد والبشر، ھي یمكن القول أنَّ الدین مصدرا من مصادر المعرفة، اي
أنَّ الأدیان تتبنّى نظریّة المعرفة بشكلھا السلیم، ھل وفقّت الأدیان في تفسیر المیتافیزیقیا وفلسفة الجمال والسیاسة ؟
نظریّة المعرفة في مفھومھا الفلسفي ھي تلك المعرفة التي تأتي عن طریق البحث العلمي والتقصّي والإستدلال المنطقي وھي
معرفة نسبیةّ تتبع سلمّا تدریجیاّ یناسب وقت نشؤوھا وأكتشافھا؛ إذ تبدأ كفرضیةّ ثم نظریةّ ثم حقیقة؛ والأخیرة لن تأخذ شكلا مطلقا،ً بل نسبي مھما كانت الأدلّة والبراھین العلمیّة، في المقابل، یمكن تعریف المعرفة عند المؤمنین ھي تلك التعالیم الدینیة
الموحاة لنبي ما كما حدث مع موسى في جبل سنحاریب أو الطور أو كغار حراء والوحي أو كموعظة الجبل، وتتسم الأخیرات
بوصف مطلق في مصداق یةّ حقائقھا عند منتسبیھا، ولا مجال للتشكیك بھا أو حتى التدقیق في مدلولاتھا أو إعادة تأویلھا
أمّا المعارف المیتافیزیقیةّ، أو المیتافیزیقیا بمفھومٍ شامل، فھي عند علماء الكوزمولوجي والفیزیاء والبیولوجي تلك المعارف التي
یمكن تفسیرھا على نحوٍ علمي غیر خارج عن نطاق قوانین الطبیعة وھي تلك التي تؤكدھا البحوث العلمیة، فلا ظواھر طبیعیة
خارقة، بل كل شيء قابل للفھم والتفسیر على غرار التعریف الدیني الذي یرى أنَّ كل ما یحدث ھو بمشیئة لله
فلسفة الجمال لا تختلف كثیرا ھي الأخرى، إذ یرى الفلاسفة أن فلسفة الجمال ھي حالة إنسانیة وتعبیر عن المشاعر، ویتشكل
ذلك في الرسم والموسیقى والنحت وباقي الفنون الجمیلة، بید أن النظرة الدینیة لفلسفة الجمال تختلف عند المؤمنین، فالیھودي
محرّم بناءا على الوصایا العشر من نحت أو رسم أیةّ تماثیل، ولا یختلف كثیرا عند المسیحیةّ التي أرتضت في ما بعد بالغناء في
الأدیرة والكنائس امتثالا أو استسلاما لما ورثوه من إرث الحضارات الوثنیةّ الرومانیة والإغریقیة وھي مھد المسیحیةّ، أو بعبارة
أخرى یمكن القول أن المسیحیة لقد رواجا وقبولا لإمتزاجھا مع الدیانة الوثنیةّ التي تمجد الفنون الجمیلة، ولا یختلف الأمر كثیرا في الإسلام؛ فالرسم والتصویر والموسیقى والنحت حرام.
لنلقي نظرة إلى الجانب الأخیر من أركان الفلسفة، لتتضح الصورة اكثر، فالسیاسة بمفھوم غیر دیني تجعل الأولویة لدستورھا
ومواثیق حقوق الإنسان، وتجعل الفرد الركیزة والمكون الأساسي لكل للدولة، على غرار المفھوم الثیوقراطي للسیاسة في
المجتمعات الدینیة التي ترى أن السیادة الأولى للدین لا للإنسان، وبرعت في أنشاء تولیفة بین الدین والدیكتاتور في سدّة الحكم
بنصوص شرعیة تجعل من كل أعمالھ مقبولة ومشروعة
یتضح مما سبق؛ أن الدین لیس فلسفة قابلة للتجدید، بل بنودا صارمة وجامدة، ولھذا نرى دولة غنیّة بالموارد الطبیعیة كإیران
في قمّة الفقر والفشل السیاسي والإقتصادي، حتىّ تساوى دخل الفرد فیھا بدخل أحط الدول الأفریقیة أقتصادیاّ ، ولیس بغریب أن
تكون إیران في ما مضى وكدولة علمانیة من أوائل الموقعین على میثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبرفقة أفغانستان،والیوم
تتغیّر مفاھیم الإنسان في ظل الجمھوریة الإسلامیة، وخلافات شائكة لیس في الأقلیم ودول الجوار وحسب؛ بل ومع أغلب دول
العالم
.
الجھل والتخلف والرجعیّة أھم سمات المجتمعات الإسلامیة الیوم، فلا أحد یستطیع أن ینكر أن المسلمین ھم في المؤخرة في كلَّ
شيء تقریبا،ً وكونھم في المؤخرة ھو ما یفسر موقفھم تجاه الغرب المتقدم، تلك النظرة المقرونة بالحقد والكراھیة والعنصریة
والعدوانیة، وھي ما تسمى كمصطلح نفسي الزینوفوبیا.
المازوخیة
ولد ھذا المصطلح في الروایة الفرنسیة الشھیرة تحت عنوان فینوس في الفراء لكاتبھا الفرنسي لیوبولد فون زاخ مازوخ وفیھا
یجسد الكاتب سلوكا وشخصیة فریدة لم تكن تحت أي تصنیف علمي معیّن، وھو التلذذ في الألم. وإن كان الكاتب یخص في
روایتھ جانبا معینا من السلوكیات؛ أي التلذذ بالألم كسلوك جنسي والأستمتاع بالضرب والإھانة ؛ إلاّ أنھ یمكن الاستناد على تلك
الحالة لفھم حالة أخرى تتلذ بالألم تحت نفس المسمى ولكن لیس في الجانب الجنسي، وإنّما الدیني، إذ یعاني كثیر من المؤمنین
بالمازوخیة الدینیة
الإیمان مصدرا من مصادر الطمأنینة والسلام الروحي والنفسي كما یعتقد المؤمنین، أي أنَّ الإیمان یرتبط بالسعادة دائما،
ولإستفتاح الموضوع، وجب طرح سؤال: ما ھو الغرض من طقوس التعذیب كالضرب والبكاء والنحیب والمغالاة في الصیام
والصلاة إذا كان الإیمان وحده كفیلا وكافیا للطمأنینة؟
ھنالك الیوم من یبالغ في السجود والركوع، كأن یصلّي لساعات طویلة وھنالك أخرون یذرفون الدموع طوال اللیل، وآخرون
یمتنعون عن الأكل وكل ھذا تحت مسمیات عجیبة كالعفة والزھد والتقوى والمغالاة في الحب أو الخشیة، فلا یمكن أنكار أن
ھنالك في القرن الواحد والعشرین من یبكي بحرقة وبمباركة رجال الدین لشخص قتل في القرن السابع المیلادي، إذ أصبح ھذا
النوع من الألم متطلبا للخلاص الروحي، وھو ما یؤجج مشاعر الحقد والكره والإنتقام لأجیال قادمة أخرى تشعر بأن من واجبھا
ندب وشجب واقعة قتل شخصیة دینیة ما والإنتقام من دمھ، وبالتالي یمكننا أن نضمن أن تلك المشاعر لن تموت في ظل وجود
الأناشید الحزینة واللطمیات والنیاح، ویتطور ھذا النوع من السلوكیات لیمثل مازوخیة مخیفة خصوصا عندما تمتلك الطقوس
شتى أنواع العذاب كالصراخ والعویل والضرب بأدوات حادة كالسیف على الظھر والصدر والرأس وذرف الدموع وسیل دماء
الأطفال الذین جعلھم أباءھم قرابین لتلك الحادثة التي لم تقترفوھا ولم یشھدوھا ح تىّ .
تلك الطقوس مستمدة من الدیانات الوثنیة التي نشأت في شبة الجزیرة العربیة قبل الإسلام والتي سرعان ما حاربھا الإسلام متى
ما فتح مكّة منبع الدیانات الوثنیة عند العرب، وأنھى أحیاء طقوس الموت والفقد، ولنا في ھند ابنة عتبة آیةّ في الندب والنحیب
والعویل واللطم وشق الثیاب وأھدار الدماء والأشعار والصیام ولبس الأسود رمزا للحداد. تلك الطقوس عادت مجددا تحت
مسمیات كالزھد والتقوى والمغالاة في حب لله أو الخشیة منھ.
الیھودیة كانت أولى الدیانات التي ظھر فیھا ھذا النوع من الممارسات، إذ أن البكاء أمام حائط المبكى رمزا وطقسا یھودیّا یرافقھم
لأكثر من ثلاثین قرنا مضى؛ نتیجة لخراب الھیكل، بید أنھّ لا یمكن لأي یھودي أن یدّعي بأنھ لا یتلذذ بھذه الطقوس، ولما أصبح
ھذا النوع من الممارسات ركنا أساسیا في الیھودیة؛ تحوّل النحیب والبكاء صفة تلازم شخصیة الیھودي في كل المجالات ولیس
الدینیة وحسب، فھم بارعون في تمثیل دور الضحیة والتلذذ الدائم بعقیدة الإضطھاد التي لازمتھم منذ عصر موسى وزمن الضیاع
والتیھ، ولا زال یھود الیوم ینتحبون أمام حائط المبكى حدادا على خراب الھیكل، عقدة لازمتھم بالشعور بالذنب حتى صدّقوا
أنفسھم بأنھم مذنبون في واقعة لم تكن من صنع مخیلّاتھم حتى، علاوة على كونھا قضیة لم یتمكن العلم الحدیث من توثیقھا، فلا
أثر للھیكل من الأسا س.
ولا یختلف الأمر كثیرا في المسیحیة والإسلام، ففي المسیحیة ؛ دائما ما یتذكّر المؤمنین واقعة صلب یسوع؛ ویدّعون أن ما مسّھ
من ألم وصلب وجلد وتعذی ب ما ھو إلاّ رغبة منھ ومن أبیھ في أن یضحي بنفسھ من أجل خلاص البشر من خطایاھم، ولھذا فقد
أشار سفر التكوین إلى ضرورة أن تلد المرأة بالألم الأمر الذي جعل من الكنیسة أن تقوم بمحاربة مسكنات الآلام وتحریم أعطاءھا
للمرأة القابلة على الولادة، ولا یختلف الأمر كثیر ا،ً فقبل سنوات قلیلة، وفي أواخر القرن العشرین عندما تم أكتشاف مرض نقص
المناعة، حرّمت الكنیسة لبس الواقي الذكري معللة بأن ذلك یخالف مشیئة الرب، أي أنھا تفضّل أن یصاب المرء بالمرض عوضا عن مخالفة تعالیم الرب، ولھذا فقد كان لزاما على الرھبان أن یمتنعوا عن الز واج بالمرأة – رغم كونھ حاجة بیولوجیة ضروریة-
تقربا ومرضاة للإلھ؛ وھم نفسھم یذكرون في سیرة یسوع أنّھ كان على علاقة حمیمیة مع المجدلیة في الوقت ذاتھ
في الإسلام، تتجسد أشد وأقسى أنواع المازوخیة الدینیة، إذ یمارسون طقوسا عدیدة أكثر بكثیر من باقي الدیانات، ففي الطائفة
الشیعیة وحدھا ھنالك ما یزید عن ثلاثین واقعة تستوجب الندم واللطم والنحیب والعویل كدلالة منھم على حب آل البیت وتجدید
الولاء والطاعة، ولا یتوقف الأمر عند ھذا الحد وحسب، بل یقومون بتمثیل حوادث عدیدة كحادثة الطف على الملأ أملا منھم
في أن یشعر المشاھد بألم شدید یوازي ما أصاب القتیل من تعذیب وتنكیل وظمأ، فیصبح المشي وقطع الطرقات لآلاف
الكیلومترات حتى كربلاء أمرا محببأ في واقعة الطف، ویصبح الحج مشیا إلى الكوفة في ذكرى قافلة السبایا أمرا ضروریا لتجدید الولاء مع الحزن، ومتجاھلین الحدیث الذي یقول: الم ؤمن القوي خیر وأحب إلى لله من المؤمن الضعیف، وأیضا بعض
الآیات القرآنیة: تلك أمّة قد خلت لھا ما كسبت وعلیھا ما أكتسبت، وأیضا ولا تلقوا بإیدیكم إلى التھلكة، ولا یكلفّ لله نفسا إ لا
وسعھا
تلك الممارسات وعلى غرار الجانب الدیني، نجدھا منتشرة بشكل مفرط عند المراھقین الذین یقومون بالإستماع إلى أغنیة أو
موسیقى بغرض البكاء والشعور بالحزن، مع العلم المسبق بأن المستمع إلى تلك المقاطع یعلم تماما أنّھ سیتأثر بشكل سلبي عند
سماعھ لتلك المقاطع التي تبعث الكآبة لدیھ، ھذا الإنجراف لتلك الممارسات ھو ما یفسّر الیوم وجود مجتمع لا یقدّس الحیاة بكل
عطاءھا، بل یراھا سوداء كل یوم، فأي جنون في أن یحتفل المرء بواقعة حزینة أو یقطع آلاف الكیلومترات من أجل أن یبك ي
!
السادیة
وھو سلوك یقابل المازوخیّة، إلاّ أنھ یختلف بین الفاعل والمتلقي، إذ أن السادیة مصطلح ھو الآخر یندرج تحت الممارسة الجنسیة
العنیفة، ثم تمّ بعد ذلك إدراجھ في السلوكیات الإجتماعیة المتمثلة في حب التعذیب والإذلال والسیطرة والإھانة للغیر، التي یرى
فیھا الفاعل متعة في أسقاط الأذى بالغیر والقسوة علیھم ، وتتباین السادیة في مستویاتھا بین فعلٍ مادي ذو آثار مادیة بحتھ أو
أفعال ذو آثار نفسیة فقط كالتخویف والوعید والترھیب، وھو اضطراب نفسي یصاب بھ غالبیة المؤمنین، وعادة ما یكون ھذا
الإضطراب مصاحبا لأصحاب السلطة، كشیخ الدین أو الزوج على المستوى الأسري، ویتشكل ذلك من خلال الرغبة العارمة
في المضطرب بأن تكون لھ سلطة قیادیة أو تحكمیّة أو یرى ضرورة إنزال الأذى على امرءٍ ما بعدّة طرق كتأویل نصٍ ما أو
من خلال القیاس أو من خلال الفتاوى، وھو ما یفسر وجود رجال دین یتمتعون برؤیة قاتل أو سارق أو زانٍ وھو على المقصلة
أو على وشك قطع یده أو یوشك على أن یجلد أو یرجم، ذلك الشعور یصاحب رضى في المضطرب یتمثل في تطبیق العدالة أو
الرضى النفسي لإتباع – كما یظن – التعالیم الدینیة بشكلھا الصحیح، كذلك ھو الحال في الفاعل في نطاق الأسرة؛ الزوج
المضطرب أو السادي، الذي یمارس سلطة مكتسبة من الدین كالقوامة أو القیادة ویرى أنّھ یتمتع بحكم أوتوقراطي مركزي
یستدعي من ز وجتھ أن تستأذن منھ حتىّ في قضاء حاجتھا، ولھذا نرى حالات أدّت إلى الوفاة في ظل وجود بنود صارمة بمنع
الخروج من المنزل إلاّ بإذن الزوج وفي ظل عدم أمكانیة الوصول إلیھ یصبح الأمر على الزوجة كسرا وخرقا للقواعد الدینیة
والتي تفضّل ھي الأخرى أن تموت – إن كانت مریضة- على أن تخرج دون استئذان زوجھا
ھذا النوع من الإضطراب نتیجة لشعور المضطرب بخیبة الأمل والإحباط والصدمات النفسیة في باكورة النشأة، أو سوء المعاملة،
والذي یبقى دفینا حتى یحصل على فرصة استعادة السلطة من خلال الدین؛ كرجل دین، أو من خلال الأسرة؛ كزوج. أمّا ف ي
فئات المجتمع الأخرى یمكننا أن نشاھد تلك الحالات المضطربة عند العسكریین أو المدراء أصحاب السلطة والذین یتمتعون
برؤیة المفعول بھ یتألم، وھي لذّة تعطي المضطرب شعورا إیجابیا مریح ا سادیّة الزوج ھي الأخرى مستمدة من الدین، فللرجل أن یتمتع بزوجتھ كما یشاء، كما یعتقد المسلمون، استنادا للحدیث الذي یأمر
الزوجة بأن لا ترفض دعوة زوجھا لھا في الفراش وإلاّ باتت اللیلة بأكملھ على لعنات الملائكة ، وھو ما یؤكده بشدّة ابن تیمیة
في عدم قبول الزوجة رفض دعوة الزوج لھا لفراش الزوجیة بل ولھ الحق أن یھجرھا ویضربھا ویمنع عنھا النفقة ، وللرجل
السادي عدّة مصادر تمكّنھ من السیطرة على زمام الأمور؛ إذ أنَّ الحدیث النبوي : “ولو كنت آمرا أحدا أن یسجد لغیر لله، لأمرت
المرأة أن تسجد لزوجھا” دلالة واضحة على قدسیّة الزوج ومكانتھ فقط، بید أنھ ھنالك نفوسا مضطربة تفسّر النصوص المقدّسة
كما تحُب وتھوى.
النرجسیة
أحد أبرز الصفات الطاغیة على المؤمنین في أغلب الأدیان ھي الشخصیة النرجسیة، وھو اضطراب یجعل الفرد یصاب بالغرور
والتعالي وشعوره الدائم بأنھ مھم، علاوة على كونھ عاشق لنفسھ بشكلٍ متطرفٍ تماما كما كان نركسوس الیوناني ، فالمؤمن لا
یحب النقد إطلاقا،ً بل یرغب في سماع كلمات الإطراء والمدیح والإعجاب، ولھذا كانت الیھودیة تتعامل مع أي ناقد معھا بصرامة
وجنون وتتھم أي ناقد لھا بالعنصریة تجاه السامیة، وھو الحال كذلك في المسیحیة التي قامت بإنشاء محاكم التفتیش في ما مضى
من أجل بقاء عقیدتھا بعیدا عن متناول المتقدین؛ وخیر مثال على ذلك ھو ما قام بھ المصلح مارتن لوثر حینما أنتقد بعض
أخلاقیات المسیحیة وفكرة صكوك الغفران؛ الأمر الذي جعلھ منبوذا في الكنیسة الكاثولوكیة ومطاردا في أرجاء المملكة المسیحیة،
ولا یختلف الأمر كذلك عند المسلمین الحالمین بقیادة العالم من جدید جغرافیاّ وسیاسیا واقتصادیا،ً ولنا شواھد كثیرة على النرجسیة
التي عانا منھا المسلمون في القرون التي خلت والتي أردت كثیرا من المنتقدین بین القتل أو السجن أو التكفیر
الأدیان تحمل في طیاتھا العزة بالنفس، وھذا ما یمكن فھمھ من خلال النصوص أو الأحداث والوقائع التي یعتقدھا المؤمن؛ حیث
یعتقدون بأنھم مختلفین وممیزین وأن لله دون سائر البشر أنتقاھم ومیزھم عن الغیر، فالیھودي یعتقد بأن یھوه اصطفاه عن
العالمین، والمسیحیون یرون أنفسھم بأنھم ابناء لله وأحباءه وأنھّ ضحى بنفسھ من أجل غفران خطایاھم، والمسلمین یعتقدون بأنھم
خیر أمة أنزلت للناس، فما من مؤمن لا یرى نفسھ بأنھ الأفضل لكونھ من طائفة ما، ولھذا نرى نسبة الإفراط في الحساسیة تجاه
أي نقد للدین عالیة جدا،ً علاوة على المفاخرة المفرطة لكونھم من أتباع یھوه أو یسوع أو أي إلھ أو نبي آخر، والنظر إلى
المختلفین عنھم بالدونیة والإنحطاط والضیاع، ولنا أن نسأل یھودي عن رأیھ في المسیحیة، إذ سیصفھا بلا شك بأنھا طائفة ضالة
قامت بسرقة التراث الیھودي بواسطة رجل كاذب أدّعى أنھ الماسیح الیھودي المنتظر، وقس على ذلك باقي الأدیان السابقة في
مواجھة الأدیان التي أتت بعدھا.
ھذه النرجسیة الدینیة ھي ما جعلت العالم الیوم یعیش اللا-توافق واللا -انسجام بین منتسبي الأدیان، لشعور كلا منھم بأنھم الأفضل،
وأنھم وحدھم ملّاك الحقیقة المطلقة. تلك النرجسیة لا تعطي الحق للمضطرب بإدانة أو استحقار أو التقلیل من المختلفین وحسب؛
بل یصل الأمر في بعض الأحیان إلى القتل تماما كما حدث مع أوریجانوس الذي قتلتھ الكنیسة القبطیة بعدما شبع عذابا،ً وكما
حدث مع أرخمیدس التي اضطھدتھ الوثنیة الرومانیة وسقراط التي تجرّع السم تنفیذا للإعدام جراء أتھامھ بالكفر بالعقیدة الوثنیة
الیونانیة، والقائمة لا تنضب وغیر مرشحة للتو قفّ في ظل وجود مؤمنین یعانون من ھذا الاضطراب والسبب في ذلك یكمن في
كون الأخیر ینظر إلى أي أنتقادٍ دیني لإلھھ أو دینھ ھو إنتقاد موجھ لھ شخصیاّ وھو ما یفسر وجود كثیر من المؤمنین لا یناقشون
بموضوعیة أي موضوع دیني انتصارا لكرامتھم الجریحة.
الزینوفوبیا
رھاب أ و اضطراب آخر یعاني منھ الكثیر من المؤمنین، ألا وھو كراھیتّھم للغرباء والأجانب، إذ ھنالك نوعان من ھذا الاضطراب
الذي یمكن ملاحظتھ بوضوح في العالم: الأول ذلك المستمد من العنصریة العرقیة، أي أن یكره الأشخاص شخوصا آخرین
لكونھم مختلفین عنھم عرقیّا،ً تماما كما حدث مع الشعب الألماني في ما مضى بإعتقادھم بأن العرق الآري ھو العرق الأسمى
وأن باقي الأعراق حثالة، وھنا أنا لا أتحدث عن ھذه الكراھیة المستمدة من العرق، بل كراھیة الأجانب لكونھم أجانب وحس ب
كان ھذا النوع من الرھاب منتشرا بشدّة في المجتمعات المسیحیة في القرون الوسطى المظلمة حینما سیطر المسلمون على أجزاء
كبیرة منھا كالقسطنطینیة والأندلس وأجزاء من المملكات المجاورة بھا كالنمسا وإیطالیا والمجر وفرنسا، وقد خلق ھذا النوع من
الرھاب لمجرد رؤیة المرء شخوصا غرباء في وطنھ زائرین أم مستوطنین أم محتلین ومسیطرین، والیوم ربما لا یوجد من
یعاني من ھذا النوع من الرھاب أكثر من المسلمین بعدما فقد المسلمین احترام العالم لھم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر
والأحداث التي تلتھا وتبناھا مسلمون متطرفون، إذ أصبح دورھم الثقافي في العالم معدوما تماما،ً فلا مساھمة ولو بسیطة تذكر
في ركب الحضارة الإنسانیة في شتى النواحي الفلسفیة أو العلمیة أو السیاسیة، وربما ولكون لا أحد فعلا یكترث للدین الإسلامي
أو حتى لمشاعر المسلمین، ومن ھنُا خلق ھذا الرھاب وأصبح جزءا من الھویة العربیة، والإسلامیة بشكل خاص.
شعور المسلمین تجاه الأجانب بالحقد والكراھیة ھو نتیجة شعورھم المسبق بالدونیة والإحباط والعجز والفشل في كل المجالات،
فمنذ أن وجد المسلمون، لقنّوا بأن لھم دین مؤثر ومھم، بید أنّھم لا یرون ذلك على أرض الواقع، حیث أنھم یدركون الیوم أنّھ لا
یوجد في العالم الغربي من یبدي أھتماما لدینھم، أي لا أحد یكترث للإسلام في جوھره الدیني أو الإنساني، بل أغلبیةّ المھتمین
بھ یلجؤون إلیھ لمعرفة وفھم الممارسات الإرھابیة فقط
ھذا الشعور بالدونیة یولّد الغضب والكره والحقد لدى المسلم للأجانب، وھو ما یمكن رؤیتھ بشكل واضح في قتل شیعي لسنّي
والذي یظُھِرُ المسلم فیھ إن لم یكن تعاطف ا؛ً فأقصاه استنكارا للجریمة، في المقابل سترى الغضب والجنون في قتل یھودي لمسلم
ما، وكأنھم یخبرون العالم بأنھّ لا بأس في في قتل مسلم لمسلم آخر مھما كان تفاھة السبب ومھما علت الأرقام وطالت الأطفال
والنساء، ولھذا یتظاھر الآلاف على الشوارع جراء قتل یھودي لفلسطیني ومن جھة أخرى، تتساقط الجثث في العواصم الأسلامیة
بشكل مستمر وما من صرخة أعتراض أو استنكار سوى ذوي القتلى فقط.
المیكافیلیة
أحد أھّم الأفكار التي نفھمھا من میكافیلي في كتابھ الشھیر الأمیر؛ ھو كیف تسیطر على الجمھور المحكوم، عن طریق الترھیب
أو المحبّة، أي أن تكون مھابا أو محبوبا،ً في الوقت الذي یذكر فیھ أن المھابة وعدم وجود الكراھیة أمر یمكن إدراكھ من خلال
الدرایة الكافیة بأمور الرعایا ، بید أنھ یصف الأمیر الناجح ھو ذلك الذي یملك سلطة قویة على زمام الأمور ولا تقف في طریقھ
أو في سبیل تحقیق أھدافھ أیة أعتبارات دینیة أو إنسانیة أو أخلاقیة، فالمصلحة ھي المصلحة العلیا للوطن، ولھذا فكل ما یلجأ
إلیھ الأمیر من سبلٍ كأستخدامٍ مفرط للقوة ھو أساس الحق وجوھره، ویمكن قیاس تلك المیكافیلیة المتمثلة في الغایة تبرر الوسیلة
أو الوسائل إلى تلك الممارسات التي یمارسھا المؤمنین وبالأخص من ھم في الھرم الدیني في كافة الأدیان من قتل من قتل وتدمیر
واغتصاب وأستبداد وأغتیالات، فكل تلك الممارسات كانت تھدف إلى حمایة المقدسات على حد زعمھم
للشخصیة المیكافیلیة وجھ آخر، وھو النفاق أو أزدواجیة واضطراب المعاییر، إذ أنَّ المیكافیلي [حاكم، رجل عادي، بابا، قسیس،
شیخ، بطریریك، حاخام، حبر أعلى، مرشد أعلى، قائد] یتظاھر دائما -أو یظنَّ أنھّ كذلك – بالرحمة وحفظ الوعود والمصداقیة
والإنسانیة والتعاطف والأتصاف بالأخلاق النبیلة كالوفاء والعفّة والزھد وھو في الحقیقة عكس ذلك تماما،ً بل أن أمواج سلوكھ
تحددھا الریاح القادمة من الجمھور المتلقي لتعالیمھ، فالحاكم الباباوي أوریان الثامن الذي یعرف عنھ بأنھ كان محبا للفنون
والاصلاحات الدینیة ووصف اتباعھ لھ بالمُحِبْ ھو نفسھ الذي قام بمحاكمة جالیلیو على نظریتھ عن مركزیة الكون واتھامھ
بالھرطقة وسجنھ ونفیھ حتى الممات، إذ كان حریصا على الكنیسة وتعالیم التوراة؛ وأن یقوم البابا بإسكات فاه جالیلیو حتى لا
یظُھِرَ الأخیر للعلن أن تعالیم العھد القدیم -المتمثلة في سفر التكوی ن- خاطئة وقد تم دحضھا؛ فإن ذلك السلوك ھو المیكافیلیة
بعینھا، فلقد فعل البابا كل ھذا بجالیلیو بالرغم من مشاعر الود والصداقة التي كانت بینھما، وھو تماما ما تعنیھ المیكافیلیة في
جوھرھا. لتصبح في ما بعد اضطرابا سلوكیا في العقائد الدینیة الشرقیة، فطالما أن القتل والتدمیر والاستیطان وتھجیر البشر
سلوكا سیؤدي للغایة المرغوبة؛ فھو شرعي في سبیل تحقیق تلك الغایة الأسمى مھما كانت السبل، وطالما الكذب والإفتراء
والإغارة ونقض العھود أمرا محمودا في غالبیّة العقائد وقت الحرب، فھي محمودة في سبیل تحقیق الغایات المرجوّة.
الوسواس القھري
أحد أبرز الاضطرابات النفسیة التي یعاني منھا المؤمن، فعلى غرار أنَّ ھذا النوع من الاضطراب مفسر طبیاّ على كونھ شعورا لدى الفرد بالقلق وھو أمر ذو أسباب نفسیة أو بیولوجیة محددة یتم التعامل معھا على أسس مخبریة من خلال التحكّم في مستوى
السیروتوسین في الدماغ ؛ فإن المؤمن یعاني أیضا من نقص حاد في السیروتوسین والذي جعلھ یعاني من وسواس قھري دیني،
نتیجة التنشأة الدینیة الصارمة المتصفة بالقسوة والإحباط والتأنیب وفقدان الشعور بالأمان والرضا الإلھي والشعور الدائم بالخوف؛
وھو ما یجعل المؤمن في حالة وسواس قھري دائم.
في ما مضى، تعاملت الكنیسة مع تلك الحالات على أنھّا مس شیطاني تمكّن من المؤمن؛ وأنا ھنُا أحاو ل خلق تقارب بین الوسواس
القھري الذي یعرف بأنھ ذلك الوسواس – على سبیل المثال- الذي یتمثل في معاناة المصاب بھ بوسواس النظافة مثلا أو الترتیب
أو التنظیم؛ ولكنني ھنا أودُّ أن أشیر إلى نوع آخر، وھو ذلك الوسواس الذي یجعل المرء “خائفا من الذھاب إلى الجحیم”، إذ
یشتكي ھؤلاء المؤمنین المصابین بھذا الاضطراب من تقصیر في العبادة والتشكیك في إیمانھم في الرب؛ ذلك الشعور یجعلھم
یقرؤون الكتب المقدسة كثیرا ویكثرون من الصلاة والتجھد والإبتھال بشكلٍ مفرط، وھو ما یفسر أن تكون السعودیة ومصر ھما
أكثر الدول التي تنتشھر فیھا العیادات التي تعالج الوسواس القھري نتیجة الشك الدائم والتشدد والتردد والعیش في حیاة ملیئة
بالیقظة الدائمة والقاسیة والغلو الدیني المتمثل في الأحساس بالذنب في كل حدث طبیعي یحدث للعالم كنتیجة لغضب الرب في
تقصیر عباده في العبادة، ولھذا یتكرر دائما على شاشات التلفاز في البرامج الدینیة المباشرة سؤال من قبل متصل ما یسأل المتلقي
[الشیخ] عن حكم نسیانھ لقول النیّة قبل الصلاة أو أنّھ یظّن أنّھ أحدث أثناء الصلاة لكنّھ غیر متأكد
.
السیكوباثیة
قبل أن نساءل العالم الإسلامي كلھّ عن ھذا الإنحطاط الذي یعیشھ المسلمین الیوم؛ علینا أن نفھم قبل كل شيء أن الخلل یكمن في
سایكولوجیة المسلم، فالمساجد ممتلئة بالرغم من كل ھذا ووضعھم مزري جدا،ً ھنالك مشكلة م ا
السیكوباثیة الدینیة ھي مقاربة أخرى واضطراب آخر یعاني منھ المؤمنین متشكلا في خلق شخصیة معادیة للمجتمع، ویمكن
القول ھنا أن المجتمع ھو العالم، طالما أننا نتحدث عن دیانات منتشرة في كل بقعة جغرافیة من العالم، محاولین بذلك فھم تصرفات
المؤمنین جمیعا والذین یقومون بھا في غالب الأحیان بدمٍ باردٍ جدا مھما كانت قساوتھا، ھذا الاضطراب الذي تظھر أثاره على
شكل استھتار واستخفاف بحقوق الآخرین وفي أنتھاكھا، وأفتقار الحس الأخلاقي المتمثل في الشعور بالذنب أو تأنیب الضمیر
وانتشار تلك السلوكیات المندفعة والغاضبة والعدوانیة تجاه المجتمع العالمي وھي لیست بأسباب فزیولوجیة أو بیولوجیة أكثر من
كونھا أسباب فكریة سببھا الرئیسي ھو دین المضطرب وعقیدتھ
الدولة الیھودیة ھي أكثر الدول التي تعاني من ھذا النوع من الأضطراب – دولة وأفراد- إذ أنھا أكثر الدول فشلا في الإمتثال
لتلك المعاییر الأممیة التي قننتھا اللجان المختصة بالقوانین الدولیة واللوائح في الأمم المتحدة كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان،
فالإستیطان والتھجیر والتدمیر والجدار العنصري أنتج أكثر من ألف حالة أنتھاك على مدار قیام ونشأة دولة اسرائیل، وبكل تأكید
فھو لیس حصرا على الدولة الیھودیة؛ بل یشمل غالبیة الدول الثیوقراطیة والمتطرفة التي لا تستمع لنداءات منظمات حقوق
الإنسان وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالأمر ذاتھ، كتلك البیانات التي تصدر من المنظمة بھدف عدم تنفیذ أحكام الإعدام أو
تنفیذ عقوبة الرجم أو الجلد أو قطع الأطراف أو السج ن.
الدول المضطربة ھي الاخرى تتمیّز بالكذب والخداع والاندفاع في تفسیر الأمور المحلیة والأقلیمیة، ودائما ما تبدي استخفافا تام
بسلامة جوھر القضیة وعدم تحملھا للمسؤولیة وتبعیة أفعالھا، بل والھروب من المساءلة دائما والفشل في الإلتزام بالمعاھدات
والمواثیق الدولیة، وھو ما یفسر سبب عدم توقیع اسرائیل أو باكستان أو الھند – كدول ثیوقراطیة – على أتفاقیة حظر الأسلحة
النوویة، وھو ما یفسر أیضا سب ب التوقیع على قانون منع الرق والإتجار بالبشر في بعض الدول الثیوقراطیة قبل عقود قلیلة فقط
وبشق الأنفس وبضغوطات دولیة.
المؤمن السیكوباثي أیضا یفتقر إلى أحساسھ بالندم؛ وھو ما لم تبدیھ الدولة الیھودیة على مدار ستین عاما من أغتصابھا لأرض
الغیر وتھجیر واضطھاد شعب بأكملھ، وھو الأمر مشابھ أیضاً عند بعض الدول الإسلامیة التي مارست أفعال أجرامیة كأضطھاد
وتھجیر للشعوب الأصلیة في سبیل استعمارھا أو فتحھا في دول المغرب العربي، وكتلك الممارسات المسیحیة التي كانت
محصلتھا أختفاء –أو على وشك– عرق كامل من الولایات المتحدة الأمریكیة وھو شعب الأندیانا السكان الأصلیین، أو تلك
الممارسات التي قامت بھا المملكات المسیحیة كجزء من التوسیعات الجغرافیة ومارست اضطھادا واستعبادا على غالبیة الدول
الأفریقیة بذرائع دینیة غیر مبررة، فمن تابع الأحتلال الأمریكي للعراق؛ فھو بلا شك لن ینسى ببساطة جرائم المحمودیة التي
طالت عائلة بأكملھا وشكلت أشرس أنواع السیكوباثیة في القرن الحالي والتي قام بتجسیدھا في فیلمھ المخرج الأمریكي بریان
وبالأخیر یمكننا ضرب مثال آخر لأحد أبرز الشخصیات المؤمنة التي تعاني من ھذا “Redacted “. دي بالما في تحت عنوا ن
النوع من الاضطراب والذي أودى بحیاة أكثر من ملیوني قتیل وتدمیر كامل لدولة یمتد تاریخھا لأكثر من عشرة آلاف عام من
الحضارات الإنسانیة، حینما سئل رئیس الوزراء البریطاني السابق توني بلیر عن ما إذا كان یشعر بالندم جرّاء احتلال بلاده
للعراق. الإجابة كانت مخزیة جدا.ً سیكوباثي بامتیاز.
البیدوفیلیا
اضطراب وخلل نفسي وعقلي، یصیب بعض البشر ویجعلھم یعتدون أو یتحرشون على فئة معینة من المجتمع، وھي الأطفال .
وھو مرض اشتھرت بھ المسیحیة خصوصا في القرنین الأخیرین، وبالتحدید قبل أعوامٍ بسیطة حینما اضطر بابا الفاتیكان
بندكتوس السادس عشر، وبسبب ضغوط أممیة إلى الإعتراف والإقرار بأن أكثر من أربعمائة كاھن مسیحي وخلال سنتین فقط
قد تورطوا في قضایا تحرّش جنسي بالأطفال، مما أجبره على أعفاءھم من مناصبھم، أعفاءھم وحس ب.
العجیب في الأمر، لیس الرقم المخیف في عدد المتورطین جنسیّا بالتحرش في الأطفال، ولیس في كون مؤسسة دینیة بأكملھا
تصف نفسھا بالقداسة ویفترض أنھا في قمّة الھرم الأخلاقي أن تكون بھذا الحجم من الإنحراف الأخلاقي، لا كل ھذا متوقع متى
ما أجتمعت الظروف التي سأتحدث عنھا في ما بعد، العجیب في الأمر ھو أن یقوم بابا الفاتیكان بنفسھ – وھو نائب المسی ح على
الأرض كما یعتقد المسیحیی ن- بالعفو عن كل ھؤلاء المجرمین والتستر على اسماءھم، مما یجعل العالم بأسرة أمام خطر وتھدید
حقیقي قد یطال أطفالھم یوما ما. فمن سلم العقاب ساء الأدب، فكیف یكون البابا بنفسھ من یتجاوز القانون ویرفض تسلیم
المتورطین لإیدي العدالة عمدا ودون مراعاة لحقوق الضحایا. ولكن، ما الذي یجعل رجل دینٍ ما بیدوفیلیّا؟ً
1شرط ترك الزواج والرھبنة )
الحرمان والكبت الجنسي الذي یعاني منھ الكھنة استنادا على التعالیم المسیحیة التي تفرض علیھم الاّ یتزوّجوا أو یرتبطوا بأي
علاقة حمیمیة كشرط من شروط الطھارة والقداسة ھي السبب الرئیسي في حدوث ھذا الاضطراب التي تقع آثاره على الطفل
2المدارس الكنسیة الداخلیة )
للمدارس الكنسیة دورٌ مھم في حدوث ھذا الاضطراب أیضا،ً فالأدیرة والمدارس الدینیة والتي یقوم فیھا أولیاء الأمور بإرسال
ابناءھم للتعلیم أو لخدمة الكنسیة كمنشدی ن للتراتیل ھي حافز آخر لرجل الدین الممتنع من حاجاتھ البیولوجیة والتي یحاول
أقصاءھا إرضاءًا وتقرب اً
. 3الخصیان والقبلة المقدّسة )
تطبیق فكرة الخصیان وانتشار القبلة المقدسة ھما سببان مھمّان أیضا في نشوء ھذا الاضطراب في العقیدة الكنسیة أو في السلوك
المسیحي، فالقبلة التي كانت في ما مضى طقسا من الطقوس المسیحیة المختلطة بین الجنسین والتي انتشرت فیما بعد وأصبحت
ملیئة بالشبھات وسوء النوایا لفرط استخدامھا بین الكھنة والطلاب، وأیضا فكرة الخصیان أو المخصیین التي وجدت بالقرن
الأول المیلادي والتي طبقت على مرتلي الإنجیل والمنشدین والتي ھدفت إلى أنشاء مغنیین ومرتلین لا یملكون أي رغبة جنسیة
أو ربما ھدفت إلى القضاء على الھرمونات الذكوریة فیھم وجعل أصًواتھم أكثر رقّة وعذوبة.
وعلى الرغم من إدانة یسوع لأھل سدوم وعمورة المذكورین في العھد القدیم، إلاّ أنَّ تلك الإدانة لم تجعل م ن بابا الفاتیكان أن
یقوم بمعاقبة ھؤلاء كما فعل الرب، ولھذا فلا توجد ولو محكمة أوروبیة واحدة قامت بمحاكمتھم، وبالرغم من أنَّ دولة الفاتیكان
قد وقعت على قانون حقوق الطفل في عام 1990 م.
الحال لا یختلف كثیرا في المجتمع الإسلامي، بل ھي أسوء في بعض الأحیان، فالم سلمین البیدوفیلیین غالبا ما یكونوا متزوجین،
بل ویتیح لھم الدین الإسلامي بأكثر من زوجة، ولكن ما زال ھنالك من یتحرّش بالأطفال فأین یكمن السبب؟
معاییر التحرش الجنسي مختلفة جدا بین المجتمعات الثیوقراطیة والعلمانیة، فیكفي أن تنظر إلى مؤخرة طفل ما أو تحدّق في
فاھھ بشكل مستمر وغریب أن تتھّم بھذا الإنحراف، وفي المجتمع الإسلامي، یكون معیار التحرّش الجنسي بالملامسة أو الفعل
الفاحش، ولھذا فلا یجب أن یتعجّب المسلمون على تلك الأرقام المخیفة التي یقوم بھا بعض الباحثین الغربیین في ھذا الموضوع،
فالتحرش الجنسي عند المسلمی ن فعل مادي ملموس، أمّا عند الغرب فالإیحاءات والإشارات وحدھا تكفي، وھو الخطأ الذي یقع
فیھ المسلمون عادة نتیجة لتقصیرھم أو لحسن نوایاھم، والأثر بأكملھ یقع على أطفالھم. علاوة على كون تلك القضایا لا یرغب
المسلمون الحدیث عنھا ویفضلون الموت عوضا عن كشفھا لكون المعیار الأول في الشرف أو العار ھو الجنس، ولھذا فھناك
قضایا عدیدة لا أحد یفتش في تفاصیلھا، ویصبح المجتمع بأسره واقع في الجرم بین متستر وفاعل ومفعول بھ. ولھذا یقوم
المسلمون عادة بتغطیة طفلة بالملابس بشكلٍ مفرط وھي لا تتعدى تسعة أعوام من عمرھا، مبررٌ جد ا.ً
الھوموفوبیا
رھاب آخر یعاني منھ المؤمنین في كافة الأدیان، وھو الرھاب والخوف والكراھیة للمثلیین، والرفض التام – اجتماعیا ودینی ا-ً
وعدم الإرتیاح لتلك المیول والنشاطات التي بقوم بھا المثلیین. وبالرغم من أنَّ ھنالك عوامل بیولوجیة وفسیولوجیة وسیكولوجیة
للمثلیّة؛ إلاّ أن المجتمعات الدینیة ترفض الإعتراف بوجودھم أو حتى حقوقھم المدنیة، وبالرغم من أنَّ معظم دول العالم وقعت
على إتفاقیة الأمم المتحدة بإزالة جمیع أشكال التمییز ضد المثلیین . والسبب في الرفض التام ھو واقعة سدوم وعمورة التي
ظھرت كأول مرة في العھد القدیم ثم القرآن والتي تحكي قصّة غضب الرب على شعب قام بممارسات مثلیّة. والطریف في
الموضوع، أن سدوم وعمورة، تلك المنطقة المذكورة في العھد القدیم، تقع في الأردن حالیا،ً ووحدھا الأردن من بین الدول
العربیة من تجرّم المثلیّة الجنسیة.
المؤمنین لا یرفضون المثلیین وحسب، بل ویتقززون من التعامل معھم ویرفضونھم بشكل قسري في كل المجالات، ویصل الأمر
في بعض الحالات إلى نكران وتجاھل كل ما یصف بھ الفرد المثلي من مھارات أو قیم نبیلة لیصبح المعیار الأول عند المتدینّین
في مواجھة المثلي ھو المیول الجنسي وحسب. ویصل الأمر في أسوء الحالات إل ى القیام بأفعال أجرامیة كحادثة أورلاندو بولایة
فلوریدا الأمریكیة والتي راح ضحیتّھا أكثر من خمسون قتیلا لا لسبب أكثر من كونھم مثلیین وحس ب.
البارانویا
لعل البارانویا الدینیة أكثر الأمراض النفسیة التي ترافق المؤمن، فما من مؤمن لا یعتقد بأنّھ مستھدف أو مضطھد أو ملاحق،
ولھذا نرى تفسیرات خیالیة من قبل المؤمنین لسلوكیات الآخرین. المضطرب یعیش في حالة وھم وھذیان دائم ، ولھذا فھو یسيء
تفسیر أي عمل أو أشارة تصدر من الآخرین المختلفین عنھم ویتحسسون من أي نقد حاد ویعتبرونھ أزدراء أو أحتقار لھم، وترى
ھذا النوع بشكل واضح عند الیھود والمسلمین في الوقت الحال ي.
ھذا النوع من الھذیان یجعل المضطرب في كثیر من الأحیان دوغمائي بحت، یدافع عن الأراء المنتمي لھا ولا یتعرف بالخطأ
% أو بالفشل، بل ویرمي في بعض الأحیان فشلھ في كل النواحي إلى الآخرین، إذ ھنالك في المجتمعات الإسلامیة ما یقارب 99
من المسلمین من یعتقد بشدّة بأن كل فشل لمجتمعاتھم نتیجة لنظریة المؤامرة على الدولة والدین، الأمر الذي یفسر كونھم في
حالة غضب وحقد دائم تجاه الغرب نتیجة لتحلیلاتھم المفرطة والخاطئة وشعورھم بالاضطھاد
نقطة ھامة یجب الإشارة إلیھا أیضا،ً وھي أن ھذا النوع من الاضطراب لا یمكن أعتباره بأنھ فصام ھذائي أو ھستیریا لسبب
بسیط، وھو كون أنَّ المضطربین غیر منفصلین عن واقعھم، بل متصلین بھ ومؤمنین تمام الإیمان بنظریة المؤامرة وفي كل
النواحي العمریة نتیجة للتعبئة الدینیة.
متلازمة ستوكھولم
ما الذي یجعل المؤمنین یتعاطفون مع المتورطین من الكھنة بقضایا التحرش الجنسي ضد الأطفال؟ ما الذي یجعل المسلمین
والمسیحین في لبنان یتعاطفون مع أعداءھم من الأحزاب السیاسیة والدینیة [ حزب لله، 14 و 8 آذار] وبالرغم من الإساءات
المتتالیة بحقھم؛ ما زالت ھنالك علامات كثیرة من الولاء والطاعة والدفاع عنھم والتضامن معھم وفي أسوء الحالات الوقوع في
حبھّم
ألیس المرشد العام في إیران باستراتیجیّاتھ وأھدافھ وفتاویھ سببا في ھذا الفشل الذي یعیشھ الإیرانیون والذي یقع عائقا أمام تط ور
المجتمع؟ ما الذي یجعل ھؤلاء المؤمنین یعشقون أكثر الشخصیات اعتداءا علیھم ویكنون لھم مشاعرا إیجابیة ویؤیدون أفعالھم
ولو أصبحت أعتداءا صریحا ویدافعون عنھم ولو كان الفعل فوق رؤوسھم؟ أولیس وجود مجتمعات مسلوبة الإرادة مغلوب على
أمرھا سینتھي بھا أن تتعاطف مع المعتدي في الأخیر؟ ماذا لو قمنا بأستجواب بعض المؤمنین في الدول الثیوقراطیة كإیران
والسعودیة ومصر واسرائیل والفاتیكان؛ فھل ستجد مؤمنا ملتزم سیقول بأنھ لا یتفق مع تعالیم دینھ أو سلوك رجال الدین؟ محال،
وإن كنت تعتقد بغیر ھذا، ففسر لي السبب الذي یجعل بعض المواطنین في الدول الأوتوقراطیة والقمعیة والاستبدادیة یتعاطفون
مع الطبقة الحاكمة ویحتفلون بأعیادھم ویدعون لھم بطول العمر والصحة مع الھتافات الولائیة المتكررة بمناسبات أو بدون
مناسبات مع إیمانھم وأدراكھم التام بوجود استبدادٍ وظلم یطالھم وابناءھم؟ أولیست الوطنیة في أقسى حالاتھا [الشوفینیةّ] شكلا من أشكال التدیّن أیض ا.ً
بالأخیر شیزوفرینیا المؤمن ھي قائمة طویلة من الأضطرابات العقلیة والنفسیة التي یعاني منھا غالبیة المؤمنین، وترك الدین
لیس الحل السحري لكل ھذا، فإنھاء ظاھرة التدینّ لیست حلاّ فعالا،ً بل لكل مؤمن الحق المطلق في ممارسة شعائرة الدینیة، كما
لھ مطلق الحق في أن یكون مصابا بمرض ما، فمسألة الأستطباب من المرض مسألة شخصیة بحتة تعود للمضطرب وحده طالما
لن تؤثر تلك الاضطرابات على الآخری ن.

خدمة المجتمع ..عقوبة جزائيّة

تكثرُ القباحات والمخالفات والتجاوزات في الدول المتحضرة لتصل طائلتھا إلى أغلبیّة ساحقة للمواطنین ، فما بین عشرة
أشخاص في الولایات المتحدة في عمر العشرین یرتكب تسعة مِنھم مخالفة یعاقب علیھا بالسجن في المجتمعات العربیةّ ،
وممّا لا شك فیھِ أن تلك المخالفات التي ترتكب مھما حاول الفرد تجنبھا فھي واقعة لا محال كعقوبة السجن للقیادة بسرعة
غیر قانونیة أو تجاوز الإشارة أو الشجار أو تناول المسكرات ، تبقى النتیجة الحتمیة لھؤلاء المخالفین (السجن) كعقوبة
مادیةّ .
بید أن النتائج والدراسات تشیر إلى أن 30 % من مرتادي السجن لتلك المخالفات یعودون للسجن بنفس المخالفة أو بمخالفة
أشدُّ وطئا ، لذا قامت بعض الدول في الولالیات المتحدة بالتحدید على خلق بدیل لعقوبة السجن وھي الخدمة المجتمعیة
(community service ). تھدِفُ عقوبة “الخدمة المجتمعیة” إلى إبعاد أصحاب الأحكام وخصوصا الصغار منھم (الأحداث) أو المتھمین لأول مرة
من مصاحبة أصحاب السوابق أو من یؤثر علیھم في فترة الحبس ، فتطویع نفس المتھم بقیمة خدمة المجتمع من نفسِ الذنب
وتجنبّھ خسارة وظیفتھ أو حیاتھِ الإجتماعیةّ أو أن یكون السجنُ سببا أساسیاّ في انحرافھ. كذلك تخفیض ا لضغط على السجون
من تكالیف أقامة ووجبات وحقوق إنسانیة أخرى.
عقوبة “خدمة المجتمع” تجنب الدولة توجھات المنظمات والجمعیّات الخیریة التي یتشكل داعمھا الأول أحزاب سیاسیة ذو
أغراض بعیدة كل البعد عن مفھوم التطوع أو خدمة المجتمع في غالب الأحیان ، فتنظیف الشواطئ والشوارع أو مساعدة
كبار السن في دور الرعیّة أو تقدیم محاضرات توعویة من قبل المخالف كفیلة أن تقدّم للمجتمع أفراد واعین بخطورة الفعل
وتجنبّ المخالف من السجن وأستنزاف الخزینة العامة. فعلى سبیل المثال یمكن للمخالف بقیادة السیارة تحت تأثیر الكحول
أن یقوم بتوعیة طلاب المدارس والجامعات بخطورة قیادة السیارة في ھذه الوضعیة ونتائجھا على قائد المركبة ومرتادي
الطریق ، فعقوبة خدمة المجتمع أھم نقطة في خطط التطویر المجتمعي والتأھیل والإصلاح لمتكبیھا ، ونرى مؤخرا توقیع
مثل ھذه العقوبات على الممثلة الأمریكیة باریس ھلتون المحكوم علیھا بتقدیم 200 ساعة خدمة وكذلك الممثلة لینزي لوھان
المتھمة بتعاطي المخدرات ، ورئیس الوزراء الإیطالي السابق برلسكوني الذي یقضي عقوبتھ في تنظیف شوارع میلان.
وھناك خیارات أخرى كالعمل المجاني سواءا في عملھ أو في جھة یقررھا القاض ي.
ھناك أیضا العدید من الجامعات التي تقوم مؤخرا بفرض ساعات خدمة للمجتمع لقبول طالب مستجد لأي برنامج جامعي
أو كمشروع للتخرج ، ویعد ذلك من الشروط الإلزامیة ، الأمر الذي ینتج عنھ بلا شك غرس روح التطوّعیة في المجتمع
كخدمة أنسانیةّ. ولا شك أن الأسباب الداعیة إلى تطبیق تلك “العقوبة الناعمة” كبدیل عن السجن تتنوع ولعل من أبرزھا ھو
الجانب النفسي والإجتماعي ، فالعامل النفسي الذي یشعر بھ مرتبكي تلك المخالفات البسیطة قد یكون محفزا إجرامیاّ في
المستقبل ؛ فأمّا ناقما على الجھة التي طبقت العقوبة أو متعلما ومستفیدا من خبرات المجرمین في السجن. فالسجون العربیة
أغلبھا جماعي یحوي على مرتبكي الجنایات والجنح وأیضا أصحاب المخالفات الصغیرة كالشجار والسكر ومخالفات
المرور.
یرى أفلاطون إلزامیّة وجود ھدفٍ مستقبلي للعقوبة وأن ھذا الھدف لا یتحقق من خلال عقاب مادي وأنما من خلال تقدیم
علاج طبي للمجرم القابل للإصلاح أو أستئصال المجرم الذي لا أمل من شفاءه. كذلك الفكر المسیحي في عھد القدیسین
أوجستین وتوما الاكویني اللذان خلقا فكرة عزل المخالف بدیر أو صومعة لیتأمل حیاتھ ویتراجع عن أفكاره الإجرامیة بعیدة
عن العقاب المادي أو مشاركة الزنزانة مع مجرمین. فلیس الھدف من العقوبة سلب حریةّ الإنسان أكثر من إصلاحھِ لیكونَ
فردا وشریك.

المؤمن بين العلم الغيبي والتجريبي

لا أحد یحتاج إلى تمحیص طویل على التعلیم في الأوطان العربیة لیتأكد من أنھا الأسوء على الإطلاق منھاجا ومخرجات، بالرغم
من أن المسلمون ھم الوحیدون من بین باقي المؤمنین من نزلت فیھم آیة تحثھم على القراءة. تخبطٌّ في وضع المناھج وفي بعض
الأحیان نقل تام للمادة العلمیة من الغرب دون الإلتفات إلى الأدوات والوسائل العلمیة المساعدة والتي یحتاجھا الطالب لیفھم المادة
العلمیة كالمختبرات ومراكز البحوث وكفاءة المدرسین. والأھم من ھذا كلھ ھي معضلة الحقائق العلمیة التي یواجھھا الطالب في
مقابل الحقائق الدینیة التي یتعلمھا في المادة الإسلامیة التي تقع عائقا أمام البحث العلمي والتساؤلات والتفكیر.
الیوم؛ ربما نقد المنظومة التعلیمیة لیس أمرا ملحا كما كان في الماضي، فالمعطیات بعد عصر الثورة الإلكترونیة أختلفت؛ إذ لم
تعد الكتب المدرسیة ھي المؤثر الوحید للعقلیّة الدینیة، فالعلوم أصبحت في متناول الجمیع في أي وقت وفي أي مكان بفضل
الإنترنت، فأصبح الخیار الوحید للفرد وحده في قبول فكرة ما من رفضھا، فما من سلطة على القراءة، وأصبح بإمكان الفرد
العربي أن یسبر أغوار ھذا الكون الھائل من المعارف والعلوم بلا قید أو وصایة، بید أن المشكلة لم تنتھي بعد؛ فمن یملك المال
یستطیع إنشاء قناة فضائیة أو موقع إلكتروني وبث علوما كاذبة ومزیفة، ولھذا ففیما مضى، كان للفرد المؤمن خیار وحید؛ وھو
الإستماع إلى تعالیم دینھ أو طائفتھ وحسب مع شیطنة باقي الطوائف والأدیان، وتلك مشكلة تنتج عقلیات مثقوبة وكراھیة للآخر
ولكنھا لا تنتج نقاشات وحوارات بیزنطیة وسجالات عقیمة وشتام للآخر كما یحدث الیوم، وذلك لقلّة الموارد العلمیة؛ فلیس
الجمیع على مقدرة بإقتناء الكتب، أمّا الیوم، فالشبكة العنكبوتیة وحدھا قد تكفلت بحلحلة ھذه المشكلة كأن لم تكن، إذ أصبحت
تحوي على المرادف والنقیض في آن واحد. ولإختلاف منطق كل ھؤلاء واتسامھم بالدونكیشوتیة والدوغمائیة والتعبئة والذي
خلق فیھم ولاءًا وأنغماسا في ما ینتمون إلیھ، وأصًبح للعلم المزیف متحدثین ومدافعین عنھ، فلیس الأحداث التاریخیة وحدھا محل
نقاش وسجال دائم، كما كان المسلمون فیما مضى منقسمین بین بردة علي وشعرة معاویة، أو رایات العباسیین السود أو الرایات
البیض لأبناء عمومتھم؛ لا، فقد طالت ھذه الخلافات والسجالات العلم؛ مما جعلھ أمام خطر محدق على أجیال قادمة، فالإختلاف
في الأحداث التاریخیة أقل خطورة بكثیر من أدعاءات علمیة مزیفة؛ أي أن أحقیة معاویة أو علي في الخلافة لا تسمن ولا تغني
الیوم من أن الواقع العربي یقع تحت نخبویة دكتاتوریة مستبدة.
لا أھدف في ھذا الحدیث إلى التطرّق إلى أثبات أحداث تاریخیة أو أنكارھا، أو حتى مناقشتھا من الأساس، لتاریخیتّھا أولا،ً
ولإنعدام المنھجیة الأكادیمیة في أثبات صحة أحداث تاریخیة كتبت أغلبھا بید المتخاصمین، فكیف نتنبئ للمؤرخ في صفوف
تنظیم الدولة الإسلامیة في العراق والشام أن یكتب تاریخ خلفاءه وأمراءه، والذي سیقرأه أحفادنا بعد قرون من الیوم.
كما أنني لا أود أن أشیر إلى علم ما وأقوم بتزكیتھ، ولا أن أنكر علوما على أخرى فللمرء عقلٌ وكفى بھ دلیلا، إذ أكتفي بوضع
قاعدة أراھا الأنسب لتبیان الفیصل بین العلوم الحقیقیة والعلوم المزیفّة.
فالعلوم الحقیقة ھي تلك العلوم التي تتبع الأدلة والإستنتاجات وتكون محل شك طوال وجودھا على عكس العلوم الكاذبة والتي
دائما ما تبدأ بالنتیجة ثم تبحث عن أدلةّ تطابقھا، أي أن الباحث في العلوم الحقیقیة یواجھون القضایا العلمیة بشجاعة تامة وحیادیة
وقبول للنتائج مھما كانت.
كما أن العلوم الحقیقیة تقبل النقد العلمي وترحب بھ، فالعالم یھدف إلى الوصول إلى الحقیقة، ولھذا فإنھ یقبل أي نقدٍ تجاه القضایا
الجوھریة والشائكة لإیمانھ بأن ذلك سیقوده إلى تصحیح الأخطاء والمفاھیم – إن وجدت – ولھذا فإننا نرى البیولوجیین
والفیزیائیین أكثر العلماء قبولا للنقد وأكثرھم مرونة وتقبلأ لإنعقاد الندوات والإجتماعات التي خصصت لتنتقد أفكارھم ونظریاتھم،
بینما العلوم الكاذبة ھي تلك التي تواجھ أي نقد بعدوانیة وبآذان صمّاء؛ وربما التاریخ الإسلامي حافل بكثیر من الشواھد في ھذا
الشأن مع الكثیر من علماءه كأبن سینا والمعري وابن رشد وعباس بن فرناس والرازي والحسن بن ھیثم ونصر حامد أبو زید
والقائمة تطول ولا تنضب، فالعلوم الكاذبة تنظر في أي محاولة لنقدھا بعین نرجسیة وبفكر حاد ونفس حقودة، أي أن كل نقد
تجاھھا إنما وراءه الغیرة أو المؤامر ة.
العلوم الحقیقیة ھي تلك العلوم التي تتغیرّ معطیاتھا ومفاھیمھا بتغیر الأدلة والنتائج، فنظریة التطور أو النظریة النسبیة لإنشتاین
أو نظریة كل شيء لستیفن ھوكینز والتصمیم العظیم أو الثقوب السوداء بالرغم من كل الأدلة التي ترجح صحّتھا؛ إلاّ أن العلماء
في لقاء مستمر لنقد ھذه المسلّمات الفیزیائیة، على غرار العلوم الكاذبة والتي دائما ما تكون دوغمائیة وجامدة وعنیدة متشبثة
بنتائجھا مھما كانت الأدلة ضدھا، فمبرھنة بطلیموس حول مركزیة الكون قد تم أسقاطھا مع أول تلسكوب، ولكن النظریات
المتعلقة بالكون والخلق، المستمدة من كتب التراث؛ صمدت كما ھي بالرغم من مرور أعوام على أثبات زیف أدعاءاتھا أو سوء
فھمھا في أحسن الأحوال.
العلوم الحقیقیة تصلك بالتفكیر العقلاني الممنھج، وتجعلك تحاول العثور على الحقیقة مھما كان، وتجنبك الخرافات وضیق الأفق
والعناد الدائم والجمود، وتجعلك أسیرا للفكرة وحسب ولیس الشخوص الذین أتوا بھا وقدموھا. فالعلوم الحقیقیة تخبرك دائما بأن
الحقیقة لیست دائما حقیقة، وأنھا لیست مسلم ومفروغ منھا، وأنھا قابلة لأن تكون خاطئة ولا تجعلك قابعا إلى تقدیرك الشخصي
بل داخل المنھج المعرفي والحجج العلمیة والإنتقادا ت.
العلم والمعرفة عند العالم المتدیّن تقف عند خطوطھا الحمراء التي ترسمھا السلطات؛ خوفا على المصالح والھویة والثقافة
والعادات والتقالید والموروث الدیني، بید أن المعرفة ما ھي إلاّ حالة تمرّدٍ أبدي على كل الحقائق والبدیھیات، فھي تقف متجردة
من الخوف من الإجابات والحقائق الكبرى، لا یھمھا ما إذا كانت نتائج كشفھا ستردي المجتمع إلى حالة عدمیة أو عبثیة أو شك
دائم بكل الوجود والقیم والأخلاق، فالعالم الحقیقي تھمھ الوقائع والحقائق ولا یكترث لعاقبة النتائج وإن كانت وخیمة على البنیة
الاجتماعیة والدینیة، غیر آبھٍ بالعواطف الجمعیة أو الیقینات التي قد تصبح أوھاما نتیجة الفضح والتعریة. فالعالم الحقیقي مسلحا بالعقل والمنطق والنقد والمنھجیة والموضوعیة بلا مسلمات ولا بدیھیات، وبمقدرة على الثبات والتغییر متى ما تبیّن الخطأ. كما
أن العلوم الحقیقیة تخبرك أن العالم ینطلق ویتحرك بناءًا على قوانین حتمیة وینفي إمكانیة وجود إیدٍ خفیةّ أو كائنات سماویة
تتدخّل لتغیّر مجرى المعادلا ت
.

Design a site like this with WordPress.com
Get started