منذ الصغر، والمنابر الإسلامیة تصدح بالقول بأن الإنجیل الذي بید المسیحیین محرّف، حتى أصبح ذلك القول من المسلّمات في
عقولنا رغم انعدام – ولیس افتقار- الدلیل على ذلك، وبالرغم من ھذا الطعن الجائر في حق العقیدة المسیحیة؛ لم نسمع یوما بأن
سفارة عربیة قد حرقھا المسیحیون في بلادھم ولم یقم أحد بتھدید شیوخ الإسلام على قولھم ھذا أو یتوّعد لھم بالقتل أو أن یفكّر
الغرب بمقاطعة المنتجات السعودیة أو المصریة أو التركیة مثلا،ً بالرغم من أن ذلك یعدُ طعنا في الدین لا یقبل تأویلا غیر ھذا،
وأن الضالون ھم المسیحیون والمغضوب علیھم ھم الیھود، فھل رأینا یوما مسیحیا یطالب الأمة الإسلامیة بالاعتذار كما یطالب
المسلمون الغرب دائما حینما تجرح مشاعر مقدساتھم، أولیس أي عقیدة أو فكرة لا تقبل للنقد غیر مطروحة لأن تعرض على
الناس لیأمنوا بھا، أولیس أن تقدم طرحاَ ما وتطالب العامة أن یأمنوا بھ لھم الحق في تقییم الفكرة أولا،ً أولیس التقییم مرادفا للنقد؟
فلماذا یعتقد المسلمون أن أي نقد لمعتقداتھم شتیمة ومؤامرة في حق القرآن أو النبي، فكیف یعقل أن یفكر ملایین المسلمین بأن
من یطعن في نبوّة محمد شاتم ومزدرٍ للدین الإسلامي، أي كأن یقول: محمد لیس نبیاّ فیعد ذلك شتیمة لنبیھّ، حسنا؛ إذا سلمنا بھذا
المنطق الأعوج، وبھذا الحق الذي لا أصل لھ؛ فالأجدر أیضا أن یعامَل المسلمون بالمثل تماما مع سائر الأدیان، فمن یقول بأن
عیسى نبیّا ولیس إلھ كما یعتقد المسیحیون؛ فھذه شتیمة في حق عیسى، وبما أن المسلمون مستعدون لقتل أي امرء یعتقد بأن
القرآن لیس كلام لله، فالأجدر أیضا على المسیحیون أن یتعاموا بالمثل مع من یقول بأن الإنجیل لیس كلام لله وإنما محرّف من
قبل أتباع یسوع، ھل تتخیلّون كیف سیصبح عالمنا لو أن المسیحیون یعاملون المسلمین بالمثل؟ ستظھر الدولة المسیحیة في
القسطنطینیة وروما أسوة بالدولة الدولة الإسلامیة في العراق والشام، وسنرى أشد أنواع التنكیل والمذابح في كافة الأقطار
الإسلامسحیة في حق رجال الدین كھنة وشیوخ وفي حق عامة المؤمنین، وعلیھ فقد تبیدُ أمّة الملیاري مسیحي أمّة الملیار ونصف
مسلم. لكن المسحیین بلا شك لن یتعاملوا ھكذا، فالدماء التي أزھقت على مر العصور؛ تعلمّوا منھا أن الدم الإنساني أثمن من أن
یقتل دفاعا عن فكرة أو معتقد، فالدین أتى لخدمة الإنسان، ولیس العكس.
كما على المسلمین في كافة الأقطار الإسلامیة أن یدركوا أمرا ملحا،ً وھو أن النقد الذي یقع على النصوص لیس شتما ولا استخفافا للأشخاص أو الأدیان، وبما أن الرموز الدینیة ھي شخصیات عامة وملك للجمیع؛ فلابد أن یتعرضوا للنقد في إطار تشریعاتھم
وتعالیمھم وحیاتھم الخاصة وممارساتھم الیومیة، فالعقائد یجب أن تبُْرز كل عیوبھا ومیزاتھا على العلن، وبعدھا یمك ن للمؤمنین
أن یقولوا فمن شاء منكم أن یؤمن ومن شاء فلیكفر، أما الوصایة على الفكر ومجابھة القلم بالرصاصة فإن ذلك سیحوّل النقد إلى
سخریة، ومن التعاطف ازدراءً، ویوسع من شكل العداء البشري وصدام الحضارات، وھو ما سیجعل المسلمون أیضا یقعون في
فخ التاریخ الأسود للأدیان كالكاثولیكیة في الحقبة القروسطیة، ولو شاء المسلمین أن یتعاملوا مع رأي أحد یخرج بأفكار جدیدة
بحد الردة والقتل؛ فھم بذلك یبرئون أھل قریش كلھم حینما عادوا نبیھم واضطھدوه لأنھ أتى بمعتقد جدید.
كما علیھم أیضا أن یجدوا مخرجا لحوادث الكیل بمكیالین والمعاییر المزدوجة التي یمارسونھا كالمبدأ السوفییتي القائل: ما لي
لي، وما لغیري فھو قابل للتفاوض، أو المقولة الشھیرة التي تصف المشھد الإسلامي بشكلٍ أدق: أنا ومن بعدي الطوفان، فقوانین
كازدراء الأدیان والمساس بالذات الإلھیة وإن كانت تجلب الاستقرار النفسي في قلوب المؤمنین، إلاّ أنھا تأسیس أولیجارشي
یقوده رجال الدین لقمع الحریات ومصادرتھا تحت مفھوم الوصایة والوكالة الإلھیة وباسم حراس الفضیلة، وإن شاء ھؤلاء أن
یطبقوا قوانین ازدراء الأدیان؛ فعلیھم أولا أن یخلوا منابرھم ویطھروھا من الخطابات العنصریة والتكفیریة والنرجسیة في حق
الأدیان الأخرى، وأن یدركوا أن فرض الاحترام لا یمارس باضطھاد وقتل ومحاكمات، بل كل أمرئ یستطیع أن یفرض احترام
العالم لھ بأسلوبھ وخلقھ وتسامحھ، فحینھا سیحترمونكم وھم صاغرون، ولو سألنا الغرب یوما:ً “لماذا یجب أن نحترم نبیكّم”، فإن
الإجابة لا یجب أن تكون تشارلي إیبدو، بل التسامح والموضوعیة والنقاش المثمر والاعتراف المتبادل؛ فالقتل الجماعي والإبادات
لمجموعة كتاب ومثقفین ورسامین وسینمائیین لن تحمي المقدسات؛ بل كل ممارسة وحشیة تنعكس على المعتقد ذاتھ، وھذا أشد
جرم یقدِمُ علیھ المؤمنون في حق معتقداتھم، والضعفاء والمتخلفون لا یریدون أن یسمعوا غیر المدیح والتدلیل، لانھم یخافون
النقد، یخافون النقد لأنھم یخافون التغییر لأنھ تعب ومعاناة وخطر، فالذي یقول أنا كامل ومنزه كأنما یقول: أنا لا أرید أن أتغیر
لأن التغییر إرھاق وخوف، والخوف من التغییر لیس فكرة بل عجز، والذین یرفضون أن ینقدوا أنفسھم أو یتغیرّوا لیسوا فضلاء
وانما ھم عاجزون ، فویل للمطففی ن.
القانون يحمي المغفلين
تتردّد على مسامعنا منذ الأزل مقولة مبتذلة تعرف ب “القانون لا یحمي المغفّلین”، وحقیقة
ھذه المقولة تاریخیا ھو أن فقیرا أمریكیا بعدما سئم من حیاة الفقر والتقشّف؛ أوجد لھ فكرة
احتیالیة كما صنّفھا المغرّر بھم بأن أنزل إعلانا بإحدى الصحف كتب فیھا: من یرید أن
یعرف السر في كیف أن تصبح غنیّا فلیرسل دولارا واحدا على عنوان بریدي. وبعدھا بأیام
معدودة أصبح الرجل غنیّا حتى قاربت ثروتھ إلى الملیون دولار، فأرسل للصحیفة إعلانا آخر یبیّن فیھ كیف أصبح غنیّا،ً الأمر الذي حدا بمن قاموا بإرسال دولار لھ برفع دعاوي
قضائیة حتى انتھت القصّة بنوع من الظرافة حینما قال القاضي للمدعین بأن القانون لا یحمي
المغفلّین.
في الحقیقة ھذه أكثر المقولات التي تتداول بین البشر في كافة الفئات حتى في بعض الأحیان
مع القضاة، وللدقة فإن القانون یحمي المغفّلین أكثر من غیرھم، فالقانون یحمي الجمیع:
مغفلون، معتوھون، مجانین أو غیرھم. بل أصبحت ھذه المقولة المتداولة وكأنھا تبریرا لأي
فعل خاطئ تجاه المغفلّ أو كما یراد أن یوصف، فإن اغتصبت فتاة أو تم التغریر بأحد في
معاملة تجاریة أم تم سرقة أحد في الشارع حاملاً مالا وفیرا،ً فإن أول ما یواجھ بھ ھو إلقاء
اللوم علیھ.
القانون یحمي الجمیع بدلیل وجود أحكام خاصة تحُدد متى یكون العقد باطلاً ومتى یكون قابلا للإبطال في حال وجود عیب یشوب الإرادة، وأحكام تنظم الوعد بالبیع والبیع بشرط المذاق
والبیع بشرط التجربة وأحكام خاصة بالغبُن والكثیر من الحالات التي تعُتبر شبھ خاصة لكن
القانون وقف علیھا ونظمھا.
بنظرة دقیقة إلى القوانین العمانیة المتمثلة في قانون الجزاء وقانون المعاملات المدنیة
والتجاریة ومؤخرا قانون مكافحة جرائم تقنیة المعلومات، سنجد عددا من فئات المجتمع:
مغفّل، سفیھ، قاصر، مجنون وسوي قد تم تنظیم العلاقة بینھم مع الآخر بتقنین واسع ودقیق.
أولاً: في السرقة:
2018 على ما / تنص المادة 335 من قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني 7
یلي: “یعاقب بالسجن المطلق كل من ارتكب جریمة سرقة اجتمعت فیھا الظروف التالیة: أن
تقع لیلاً، أن تقع من شخصین فأكثر، أن یكون أحد الجناة حاملا سلاحا،ً أن ترتكب في مكان
مسكون، أن تقع السرقة بطریق الإكراه أو التھدید باستعمال السلاح.”
ثانیا:ً في الاحتیال:
تنص المادة 349 من ذات القانون على “یعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 3 أشھر ولا تزید
عن سنتین وبغرامة لا تقل عن مائة ﷼ ولا تزید عن ثلا ثمائة ﷼ أو بإحدى ھاتین العقوبتین
كل من حصل من الغیر على نفع غیر مشروع لنفسھ أو للآخرین باستعمالھ أحد طرق
الاحتیال أو باتخاذ اسم كاذب أو صفة غیر صحیحة”. كما تنص المادة 350 من ذات القانون
على: “یعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاثة أشھر ولا تزید عن ثلاث سنوات كل من تصرف
في مال منقول أو عقار یعلم أنھ غیر مملوك لھ ولیس لھ الحق في التصرف فیھ”..
ثالثا:ً في إساءة الأمانة:
تنص المادة 360 من ذات القانون على “یعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاثة أشھر ولا تزید
عن ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثمائة ﷼ ولا تزید عن ألف ﷼ عماني أو بإحدى
ھاتین العقوبتین كل من سلم إلیھ نقد أو منقول أو أي منقول آخر على وجھ الإعارة أو الودیعة
أو الوكالة أو الإجارة أو الرھن أو أؤتمن علیھ بأي وجھ كان فأقدم على كتمھ أو إنكاره أو
اختلاسھ أو تبدیده.”
رابعا:ً في الغش في المعاملات:
تنص المادة 379 من ذات القانون على “یعاقب بالسجن مدة لا تقل عن شھر ولا تزید عن
ستة أشھر وبغرامة لا تقل عن مائة ﷼ عماني ولا تزید عن ألف ﷼ عماني أو بإحدى
ھاتین العقوبتین كل من استعمل أي میزان أو وحدة غیر صحیحة للوزن أو القیاس أو الكیل
أو تخالف الوحدة الحقیقیة مع علمھ بذلك”، وكذلك ھو الحال في المادة 380 من ذات القانون
المجرمة لحیازة مواد مختصة بغذاء الانسان أو الحیوان مغشوشة أو فاسدة أو سلعا فاسدة أو
مقلدة كما ھو في المادة 381 من ذات القانون أیض ا.ً
كما نظّمت المواد 98 إلى 113 من قانون المعاملات المدنیة والتجاریة العماني عددا من
التعاملات غیر المشروعة تحت باب عیوب الرضا والمتمثلة في:
أولا:ً الإكراه
تنص المادة 102 ب: “إذا أكره أحد الزوجین الآخر إكراھا بما یعتبر إكراھا في حقھ كان
تصرفھ باطلا.”
ثانیا:ً التغریر والغبن
تعرف المادة 103 التغریر ب : “ھو أن یخدع أحد المتعاقدین الآخر بوسائل احتیالیة
قولیة أو فعلیة تحملھ على إبرام عقد لم یكن لیبرمھ لولاھا. ویعد تغریرا تعمد السكوت
لإخفاء أمر إذا ثبت أن المغرور لو علم بھ ما كان لیبرم العقد”. كما تعرف المادة 106 الغبن
ب “عدم تعادل الحقوق التي یكتسبھا متعاقد بالعقد مع الالتزامات التي یحملھ إیاھا
“.
ثالثا:ً الغلط
تنص المادة 110 من ذات القانون على: إذا وقع الغلط في ماھیة العقد أو في شرط من
شروط الانعقاد أو في المحل بطل العقد.
رابعا:ً الضرر
تنص المادة 176 من ذات القانون على: “كل إضرار بالغیر یلزم فاعلھ ول و كان غیر ممیز
بالتعویض.”
خامسا:ً الاثراء بلا سبب
تنص المادة 201 من ذات القانون “لا یجوز لأحد أن یأخذ مال غیره بدون سبب مشروع
فإن أخذه وجب علیھ رده” كما تنص المادة 203 من ذات القانون أیضا على: “كل من
قبض ما لیس مستحقا لھ وجب علیھ رده إلى صاحبھ مع ما جناه من مكاسب أو منافع.”
سادسا:ً العیوب الخفیة
تنظم المادة 402 من قانون المعاملات المدنیة والتجاریة عددا من الحالات التي یضمن فیھا
القانون حق المشتري في حال وجود العیوب الخفیّة في عقود البیع، كما تعرّف المادة 432
كل تصرف قانوني یصدر من شخص في مرض الموت، ویكون مقصودا بھ التبرع، وتعدّه
[تصرفا مضافا إلى ما بعد الموت]
كما أن المادة 733 من ذات القانون تبطل معاملات المقامرة والرھان بما نصّھ: “یقع باطلا
كل اتفاق على مقامرة أو رھان.”
كما تنص المادة 18 من قانون مكافحة جرائم تقنیة المعلومات على: “یعاقب بالسجن مدة لا
تقل عن شھر ولا تزید على ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن ألف ریال عماني ولا تزید
على ثلاثة آلاف ریال عماني أو بإحدى ھاتین العقوبتین، كل من استخدم الشبكة المعلوماتیة
أو وسائل تقنیة المعلومات في تھدید شخص أو ابتزازه حملھ على القیام بفعل أو امتناع ولو
كان ھذا الفعل أو الامتناع عنھ مشروعا..” كما تعالج المادة 28 من ذات القانون جریمة
تزویر أو الاستیلاء على البطاقات المالیة دون وجھ حق.
القانون یحمي الجمیع في أي مركز قانونيّ كانوا، والدلیل على ذلك ما ورد في القوانین من
أحكام خاصة تھدف لحمایة فئات معینة من استغلال ضعفھم وحالتھم النفسیة، وتندرج ھذه
الفئات تحت موضوعات عوارض الأھلیة وعیوب الرضا، ولو عدنا إلى مصدر العبارة
المشؤومة لوجدنا أنھا وردت للمرة الأولى في القانون الروماني باللغة اللاتینیة
كما أوردھا جون بوفییر ( 1856 م) وتعني ”Ignorantia juris non excusat”
Law الجھلُ بالقانون لیس عُذرا،ً وقد ترُجمت بشكل غیر دقیق إلى الإنجلیزیة إلى عبارة
ولم أجد أي مصدر أو إحالة عن قضیة المحتال الأمریكي ،doesn’t protect fools
سوى في الأدب الساخر فقط.
ما یمیّز القضاء أیضا ھو الإجراءات التي تكفل حق المغفّل في استرجاع حقّھ، فلیس سبل
البطلان وحدھا ما تمكّنھ من استرداد حقّھ، وإنما مصیدة عبء الإثبات التي تقع على المدعى
علیھ متى ما أقرَّ بالمعاملة التي حدثت بینھم، فإقرار المدعى علیھ بوجود علاقة بیع على
سبیل المثال في حال الغبن أو العیب الخفي أو الغش أو التغریر أو الإكراه أو الدَّین؛ فإنھ
مُلزمٌ أن یثبت صحّة تعاملھ مع [المغفّل] وسببھ. كما أن قاضي الموضوع یتیح للمتخاصمین
إثبات الواقعة بكافة طرق الإثبات بما فیھا البینة وشھادة الشھود، ودعونا لا ننسى أن المادة
61 من قانون الإثبات في المعاملات المدنیة والتجاریة تتیح لكل من القاضي وطرفي النزاع
باستجواب الآخر، أو أن یحسم النزاع بالیمین الحاسمة وفقا للمادة 67 من ذات القانون.
بقي أن نسأل سؤالا ملحا بعد الاستطراد الطویل في متون القوانین الأربعة، أما زلت تعتقد
بأن القانون لا یحمي المغفّلین؟
العقد شريعة المتعاقدين
في القرن السادس عشر المیلادي، وفي منتصفھ تحدیدا،ً أبدع المسرحي البریطاني ولیمَ شكسبیر في كتابة مسرحیتھ الشھیرة
“تاجر البندقیة” والتي ناقشت عددا من قضایا ذلك العصر كالعنصریة وازدراء المختلف دینیا والتجارة والحب والربى. وفي عام
2004 أنتج/أخرج البریطاني مایكل رادفورد فیلما یحمل عنوان المسرحیة قام آل باتشینو بدور البطل الیھودي فیھا، تتمحور
المسرحیة حول شایلوك الیھودي والذي كان مرابیاّ یستدین التجار منھ في البندقیة مقابل فائدة فاحشة، وأنطونیو التاجر الذي یحب
صدیقھ باسانیو كثیرا،ً یتورّط الأخیر في قصة حبٍّ لفتاة غنیةّ یجبرَُ على إثرھا أن یلجأ لصدیقھ أنطونیو لیستدین منھ، لكن أنطونیو
لم یكن یملك المال، فقرّر أن یذھب للیھودي الذي طالما استحقره وبصق على رداءه الیھودي ونعتھ مرارا بالكلب وقام بركلھ،
شایلوك استغلَّ الفرصة للانتقام، فما كان منھ إلاّ أ ن یجبر أنطونیو على توقیع عقد یتیح لھ كدائن أن یقوم باقتطاع رطل من اللحم
من جسده إذا تأخّر أو فشل في السداد في المیعاد المتفق علیھ، وبقیةّ القصة معروفة. أما غرض الاستطراد الطویل فقد كان ملحّا بغیة الوصول إلى ھدف المقالة ھذه.
یدخل الأفراد في معاملات مدنیة أ و تجاریة، كالبیع أو الاستدانة، ولمّا كان الوعي القانوني قد أرتفع عند عامة الأفراد إلى الحد
الذي جعلھم یكتبون عقدا ثنائیا ببنود وشروط ومدّة قانونیة للتنفیذ أو الوفاء، مصداقا لقولھ تعالى: “یاَ أیَھَُّا الذَِّینَ آمَ نوُا إذِاَ تدََایَنتمُ
مى فَاكْتبُوُه “ُ بدَِیْنٍ إِلَىٰ أجََلٍ مُّسَ
إنَّ القواعد القانونیة التي تحكم ھذه العقود نجد أن الأصل فیھا أنھا تخضع لقواعد خاصة بھا، وبالتالي عندما لا یجِدُ القاضي في
ھذه القواعد قواعدا تتناسب والنزاع المعروض علیھ؛ یلجأ إلى القواعد العامة في العقد ما یسمى (نظریة العقد)، فإذا لم یجد أیضا ما یسعفھ في حل ھذه النزاعات من خلال نظریة العقد، یلجأ القاضي في ھذه الحالة إلى مصادر القانون الأخرى. وھو ما أكدت
علیھ المادة 68 من قانون المعاملات المدنیة العماني “تسري على العقود المسماة منھا وغیر المسماة القواعد العامة التي یشتمل
علیھا ھذا الفصل”، نفھم من المادة آنفة الذكر بأن الطبیعة القانونیة للقواعد القانونیة التي تحكم ھذه العقود كأصل أنھا قاعد مكمّلة،
یجوز لطرفي العقد الإتفاق على خلافھا، على أن لا یكون ھذا الإتفاق مخالفا للنظام العام أو الآداب العامة أو أنھ مناقضا لمقتضى
العقد. فالعقود ملزمة أن لا تخالف النظام العام وإن حوَت على قواعد خاصة، كما تنص المادة 116 من قانون المعاملات المدنیة
والتجاریة على:
یشترط أن یكون المحل قابلا لثبوت حكم العقد فیھ، ممكنا في ذاتھ، مقدورا على تسلیمھ، وألاّ یكون التعاملُ فیھ ممنوعا شرعا أو
قانوناً، وإلاّ كان العقد باطلا. كما تعرّف المادة 124 من ذات القانون العقد الفاسد على النحو التالي: “العقد الفاسد ھو العقد
المشروع بأصلھ لا بوصفھ ، فإذا زال سبب فساده صح، ولا یفید الملك في المعقود علیھ إلا بقبضھ، ولكل من عاقدیھ أو ورثتھما
حق فسخھ بعد إعذار العاقد الآخر، ولا یترتب علیھ أي أثر إلا في الحدود التي یقررھا القانون “، وتعرّف المادة 125 من ذات
القانون أیضا العقد الباطل: “العقد الباطل ھو العقد غیر المشروع لا بأصلھ ولا بوصفھ بأن اختل ركنھ أو محلھ أو الشكل الذي
فرضھ القانون لانعقاده”
یذكر الدكتور البریطاني سانفورد شاین في مؤلفھ اللغة والقانون الصادر بعام 2006 في الصفحة الخامسة ما نصّھ >بتصرفّ
وترجمة:<
“بمجرد ذكر اللغة القانونیة، یفھم في الأذھان على أنھا حشو، وغالبا ما تكون غیر مفھومة فضلا عن مصطلحاتھا ذات المفاھیم
الغامضة، ولتوضیح ظھور ھذه اللغة الخاصة واختلافاتھا عن اللغة العادیة: اختار الباحثون أن یتناولوا اللغة القانونیة على أنھا
ظاھرة لسانیة في حد ذاتھا، متابعین تطورھا وموضحین خصائص مفرداتھا، بل وأعطوا أھمیة بالغة لممیزاتھا النحویة وأسالیبھا
ومدلولاتھا الاجتماعیة والثقافیة؛ مبررین ذلك الغموض في اللغة الخاصة وصعوبة فھمھا لدى العامة كونھا لغة إسھاب وذات
مفردات متخصصة جدا وغالبا ما تكون طویلة ومعقدة تستخدم تراكیب غیر عادیة”. فقد ھدفت تلك اللغة إلى إزالة الغموض
وعدم اتاحة أي فرصة لقاضي الموضوع لتفسیر العقد عن منأى عن أطرافھ، بلا فسحة للتأویل أو التفسیر أو إخضاع النص
(العقد) لتأویل آخر غیر الذي أراده وفھمھ واستوعبھ واتفق علیھ الأطراف اثناء صیاغة العقد. علیھ فخلاصة الفكرة لدیھ بأن
العقد متى ما خضع للتفسیر أو التأویل فإنھ عقد ضعیف لم ینتج مفاعیلھ من الأساس أو ھدفھ الأول، وھو النأي بھ عن أي أشكالات
وسوء فھم. فالفرق كبیر بین لاغٍ وباطل، وبین غشٍّ واحتیال، وبین حرّر وانقعد، وبین الموافقة والمصادقة، وبین باطل وفاسد،
وبین سارٍ وصال ح.
تكثر في المحاكم مؤخرا عددا من القضایا التي یكون سندھا وقوام الدلیل فیھا ورقة عرفیة متثملة في صك دین أو عقد ثنائي أو
أكثر كالبیع أو الاستثمار أو التشغیل أو عقود التورید أو العمل أو الإیجار، وتبقى المعضلة الأساسیة عند نشوب أي نزاع في
تفسیر بنود العقد لدى سلطة المحكمة التقدیریة، ولكن التفسیر لیس المشكلة الأساسیة ربما والتي تحاول المقالة الالتفات نحوھا،
وإنّما العقود التي تخالف النظام العام أو الشریعة الاسلامیة والتي یمكن أن تقضي بخسارة الدعوى متى ما تبیّن بطلان أو فساد
العقد، والخسارة كنتیجة لفقدان الدلیل الوحید الذي یثبت وجودھا، ولیس نتیجة أو أثُرا لفساد أو بطلان العقد.
تقوم عدد من المكاتب الخدمیّة بالسلطنة بانشاء وصیاغة العقود كمكاتب سند على سبیل المثال، وھي مكاتب لیست مختصة في
ذلك، ومن یقوم بإنشاء العقود شخص في الغالب لیس قانونیا،ً فما یقدموه للأفراد – العقود – مجرّد دیباجة مستھلكة یراعى فیھا
تغییر اسماء الأطراف المتعاقدة والتواریخ وقلیل من المحتوى والمضمون، والخدمة المقدمة وإن كانت مخالف ة لقانون المحاماة
العماني الناص في مادتھ 69 ب ” یعاقب بالسجن من عشرة أیام إلى سنتین كل من انتحل صفة محام، كما یعاقب بغرامة لا تقل
عن مائة ﷼ ولا تزید عن خمسمائة ﷼ كل من زاول عملا من أعمال المحاماة دون أن یكون مقیدا بجداول المحامین المشتغلین
أو كان ممنوعا من مزاولة المھنة…إلخ” كما تعرّف المادة 3 فقرة ج من ذات القانون أعمال المحاماة ب” صیاغة العقود وتوقیقھا
واتخاذ الاجراءات القانونیة بشأنھا”، فھي وإن كانت مخالفة للقانون؛ إلاّ أن ذلك لا یوازي إیقاع الضرر على أحد أطرافھا وضیاع
حقوقھ.
جدیر بالذكر، أن المسرحیة في أول المقالة قد أنتھت بخسارة شایلوك لدعواه، فقد نص العقد على أخذ رطل من لحمھ، ولكنھ لم
ینص على إباحة أن یسال دم أنطونیو، فمن المحال أن یأخذ شایلوك رطلا من اللحم من جسد أنطونیو دون أن یسیل دمھ، ولما
كانت الشریعة في البندقیة تقضي تجریم أن یسال دم مسیحي أو تعریضھ للقتل من غیر المسیحي على وجھ التحدید؛ فإن شایلوك
لم یستطیع أن یأخذ الرطل من اللحم كما نص العقد، فخسر قضیتھ، ثم تمّت محاكمتھ وإدانتھ بالشروع في قتل مسیحي، فصودرت
كل ممتلكاتھ، لما كان لعقدھم مخالفة للنظام العام.
السجال العظيم بين قطبي الإيمان والإلحاد
ربما ھذا النوع من السجالات لن ینتھي حتىّ تقوم الساعة أو یفنى كلا القطبین أو أحدھما، لذا فإن كان ولابد من الاعتراف بحقھما
الأصیل في الوجود، فإنھ وجب تقدیم توجیھ بسیط حتىّ لا تعود مسلسلات الاضطھاد والتكفیر والكره المتبادل والإقصاء وتبادل
الشتائم.
لذا أقول للملحدین بأن الإلحاد لیس أمرا سیئا،ً لكنھ سیكون كذلك لو كان الدافع منھ الكراھیة والسخط، سواءً على الإلھ أو
التابوھات، إذ یجب أن یكون الدافع من كل ھذا ھو الوصول إلى الحقیقة المضنیة، والتصالح معھا فیما بعد، وأن لا یتعاملوا مع
الموجة الفكریة وكأنھا ثورة على السماء، تماما كما حدث مع الشیوعیة، بأن نصّبوا لھم إلھا أرضیا وھو “أسالیب الإنتاج” وأن
جعلوا الصراع صراعا بین طبقتین، البرولیتاریا والبرجوازیة، وھو ما یقوم بھ الملحدون الیوم، صراع بینھم وبین المؤمنین.
فھذه الحرب الصِفریة لا جدوى منھا، فكرة الملحدین ضد المؤمنین، أو العمال ضد البرجوازیین، كباقي الثنائیات في أوطاننا
العربیة: شیعة ضد السنة، العرب ضد الفرس، الأرثوذوكس ضد البروتستانت لن تجدي، نتیجتھا التطاحن أو الانقلاب الرادیكالي،
ولكم في عبدلله القصیمي آیة. وأن لا یقدّموا أنفسھم للناس بصفتھم فئة جدیدة مختلفة، أو أصحاب دین جدید، أو أنھم في تنافس
وصراع مع الأدیان المستوطنة، بل یجب أن یكونوا جزءا من المنظومة الإنسانیة في المجتمع العربي وأولى الناس باستزراع
بذور وقیم الحداثة والمعاصرة والمنھج العلمي، ففك الاشتباك بین الأرض والسماء زمنٌ ولّى. فما من أحد یملك أدلة تكفي لدحض
الآخر في المعتقد السماوي، ولھذا یجب علیھم التفكیر اسوة بأقرانھم المؤمنین في التركیز على كیفیة السیادة والنمو على الأرض
والاھتمام بالشأن الأرضي وترك السماء وشؤونھا للفرد وحده یفعل من غیر اجبار على المشاركة في المعتقد أو الوقوف في
وجھھ ورفضھ، فما یعرقل الأوطان العربیة الیوم ھو المنھجیة العلمیة الغائبة التي تم استبدالھا بالأدوات الغیبیة اللا-علمیة في
الحقول العلمی ة
كما على الملحدین الابتعاد عن ردات الفعل المعاكسة والتي تبیّن ابتعادھم عن المنھجیة أو الموضوعیة أو توضح بأنھم لیسوا
سوى مقاتلین شرسی ن یھدفون إلى اغتیال الأدیان وتحطیم أفولھا، بل یكفي أن یترك دینھ وحسب، أو یشارك في حوارات
ومناقشات عوضا عن الدور الھجومي والتسویقي والكیل بالشتائم والسباب للمتدینین، فإن كان المتدینون أقصائیون في ما مضى،
فلا استبعد بناءً على ظواھر الملحدین الیوم أن یكونوا أكثر أقصاءً وشجبا،ً وھو ما یتضح حینما یقوم أحدھم بالھجوم على امرأة
مسلمة منقبّة ووصفھا بأنھا سبایدر مان أو وصفھا بأنھا كیس قمامة، ومناداة كل من یسدل لحیتھ بأنھ إرھابي وشقیق ابن لادن،
ووصف كل مؤمن بأنھ غبي وأعمى وأنھم جزء من القطیع، دون أن یتعرفوا على أسماءھم حتى عوضا عن الاستماع إلیھم
ولأفكًارھم. لذا فمتى ما تركت دینك، فالأجدر بك ترك الآخرین ودینھم.
وأیضا أن لا یختاروا الإلحاد كبدیل لحالة القید الاجتماعي والدیني، لیتحولوا بعد ھذا إلى شخوص منفلتین أخلاقیا یبشرون بحریة
بلا قیود منضبطة عادة ما یكون محورھا ھ ي الحریة الجنسیة دون باقي الحریات الانسانیة الأخرى، وھو ما یحدث عند بعض
فئات الملحدین العرب الذین نراھم یمارسون نوعا من الشبق واللھف لاستبدال كافة القیم الثقافیة والاجتماعیة بشكل سریع وكنكایة
في الدین السابق، ولھذا فقد أفھم وأبرر موقف الدینیین الذین یحملو ن مخاوف وقلق تجاه ھؤلاء الملحدین. فھذا الرفض المطلق
لكل ما جاء من الأدیان غیر مقبول، فعلیھم أن لا ینسوا الإنجازات الثقافیة والاجتماعیة والمعماریة والاقتصادیة والقیم الاخلاقیة
التي نجحت فیھا المؤسسة الدینیة في ما مضى على مستوى الدولة والإنسان. فالإلحاد لیس منھجا أو دلیلا لطریق الكمال؛ بل
بشكل عام أو لله الدیني بشكل خاص، ولیس ھدفا سامیا على الجمیع قناعة مبنیة على أسس علمیة أو نفسیة على ترك الإیمان با
الوصول إلیھ، فدعنا نؤكد أن لو ألحد العالم بأكملھ فإن ذلك لن یلغي المشاكل التي یعاني منھا العالم الیوم من حروب واقتتال
ومجاعات وفقر واغتراب وكوار ث.
أحد الأخطاء التي یقع فیھا الملحدون ھي أنھم یظنّون أنھم ملحدین، بید أنھم لیسوا أكثر من مؤمنین یواجھون مشكلة في قبول
إیمان یحتوي على الخوارق والماورائیات، ولیس لھم مشكلة في وجود إلھ أو مصمم أو السبب الأول، ولھذا، فأن یصنفوا أنفسھم
بأنھم ملحدین خطأ شائك، فالمذھب الطبیعي القائل بأن كل شيء یمكن تفسیره بالقوانین والظواھر الطبیعیة دون الحاجة إلى
اللجوء إلى الماورائیات والمیتافیزیقیا لیس أنكارا للإلھ بالضرورة، بل ربما لصفات الإلھ المتدخل في الكون، بالتالي فالإلھ ھذا
یشبھ إلھ أینشتاین، فھنالك أرباب عدیدة عبر عنھا الفلاسفة، فإلھ اسبینوزا یرى أن سماتھ مبنیة على العدل والاحسان، وأن تكن
عادلا فأنت مؤمن، لأن لله یدعو إلى العدل، وبھذا تصبح مؤمنا وإن لم تصلي، وإلھ كانط حصره بعیدا عن تلك الأدیان التعبدیة
الملیئة بالطقوس، وأكتف ى أن یراه ألھا خُلقُیّا،ً أي إلھ یدعو إلى الأخلاق، والأخلاق ھي العبادة برأیھ، وقد فرق كانط بین الإنسان
الدیني الذي یكون الدافع من أخلاقھ ھو الخوف من العقاب وبین الإنسان الأخلاقي الذي یكون الدافع من أخلاقھ ھو ضمیره الحي،
أي أن أخلاقھ نابعة من داخل ھ.
كما عل ى الملحدین أن ینتبھوا إلى نقطة ھامة جدا،ً حیث نرى الكثیرون یقعون فیھذا الخلط، وھي مجرد عدم قبولھم للدین الإسلامي
– كمسلمین مثلا – لا یعني بالضرورة أنھ یجب علیم أن ینكروا وجود لله، بل المنطق السلیم یقول أن ترفض الأطروحة، أو
وإن تجلّى في الأدیان، فھو كیان مختلف ومنفصل عنھا، فالأدیان – إن تحصر الرفض في النقطة التي تراھا غیر مقبولة، فا
صحّتْ – فھي للبشر، فھم الأحوج لھا لا لله، ومن ھذا المنطلق، ففكرة إنكار لله لوجود البعض في خلفیة ثقافیة إسلامیة أو
مسیحیة لا یخول لھ إنكار لله بقدر رفض المعتقد وحس ب.
وأمّا ما أود أن أقولھ للمؤمنین في خضم الصراع الأبدي ھذا وباعتبارھم السواد الأعظم؛ بأن یقدموا الحجج الإیمانیة للجمیع،
ولیس للمؤمنین وحدھم، وما أقصده بتقدیمھا للجمیع لیس بتوفیرھا لھم وحسب، بل مناقشتھ الجمیع فیھا المؤمنون والملحدون
على حدٍ سواء، فبلا شك تلك الحجج لا تشكل فارقا في إیمان المؤمن، فھي لیست سببا في إیمانھ من الأساس، فالإیمان في الإسلام
یسبق التثبت منھ، ولھذا فقد یتفق معي البعض في أن إیمان نسبة كثیرة من المسلمین بناءً على قناعات شخصیة مدفوعة بتراث
فكري وحسب، فحجج أثبات وجود لله لا دافع لھا سوى محاولة برھنة أن الدین والعقل لا یتعارضان ولیست لإثبات وجود لله،
والدلیل على ذلك أنھا مقدمة على جمھور من المؤمنین، فما ھي إلاّ محاولة توفیقیة، لا لإثبات ما لم یتم إثباتھ في عقل غیر
المؤمنین. وخیر دلیل على ذلك أنھ لو حدث تفنید أو بعض الحجج تم دحضا وأثبتت خطأھا فإن ذلك لن یغیر من إیمان المسلم،
لأنھ ا – الحجج – لیست السبب في إیمانھ، ولك أن تسأل ھل من أحد أصبح ملحدا في الأوطان العربیة بعد أن ثبت خطأ فكرة أن
الأرض لیست منبسطة، بالطبع لا أحد، وھو ما یفسر أن الإیمان لم یكن بناءً على تلك الحجج التي تم دحضھا وتفنیدھا، أو حتى
تلك التي لم یحدث مساسا بھا بعد. وعلیھ فلا یجب على المؤمنین أن یرون الإلحاد مجرد موقف إیماني مثل الدین، وإن فعلوا
ذلك، فلیس من حقھم إذن نقد الموقف الإلحادي، لأن كلاھما موقف إیماني یقرُّ بأن الحجة العلمیة لیست أساس الاعتقاد، وفي حین
أن الدلیل القاطع لا یتوفر في أغلبیة معتقداتنا؛ فإننا نقر بأن الدلیل والبرھان لیس سببا وجیھا أیضا لأن نعلقّ كل اعتقاداتنا في
ظل غیاب الأدلة القاطع ة
.
ختاما؛ً ھنالك من یعد تواتر القصص الخلقیة والعقابیة وتشابھ المعجزات وشخصیات الأنبیاء وتعدد أسماء الرب من حضارة إلى
حضارة ومن دی ن إلى دین خیر دلیلٍ على أن فكرة الإلھ موجودة منذ القدم یثبت – التواتر – قطعیة وجوده، ولكن ھنالك في
المقابل من یعتقد أن تلك السقطات ھي دلیل على سرقة الشعوب والحضارات لتراث الحضارات الأخرى ونسبھا لھا مع تغییرات
طفیفة وبالتالي فإن ذلك دلیلاً قاطعاً على عدم مصداقیتّھا. في الأخیر ھذا التدافع یجب أن یكون تحت إطار الحوار، لا الإلغاء ولا
الشجب ھو الحل، بل الحوار المشترك والإقرار بحق الأطیاف بكافة أشكالھا وألوانھا ودینھا ودیدنھا في التعبیر والنقد، فقد أكتفى
المشھد الإسلامي من حوادث التكفیر والتصفیة والاغتیالات التي شھدھا منذ الإسلام الخلافي وحتى القرن الواحد والعشرین
والذي یحاكم فیھ رجلا لادعائھ بأن لله لیس ھنُا أو ھناك، وكأن ذلك سیشكل فارق ا!ً
الدوغمائية وثقافة الآحاد
حتى نھایة ثورات الربیع العربي، كان ھنالك من یردد شعار الإسلام ھو الحل، ورغم فشل الإخوان المسلمین بسبب سوء تدبیرھم
الساسي أو ربما مؤامرة خارجیة كما یدّعي البعض؛ إلاّ أنّھ إلى یومنا ھذا لم یفُصح أحدٌ ما كیف یكون الإسلام ھو الحل لكل
المشاكل؛ لمشاكل الفقر في العالم والبطالة والجوع والإرھاب والمعترك السیاسي والاقتصادي، فأغلب من یتشدّق بھذا الشعار لا
یعلم الآلیة التي یجبُ أن تتبّع، بل یكتفي بالسكوت والھروب من مسؤولیة الإجابة. ولكن ما الذي یجعل ھؤلاء معتقدین بشدّة أن
الإسلام ھو الحل السحري لكل شيء؟
ینشأ الإنسان في بیئة معینّة ذات عقیدة معینّة وعادات متبّعة ومقدسة، وفي أولى باكورتھ یرى ما یقوم بھ والدیھ وأھل بیتھ وأقرانھ
في المجتمع، فینمو عقلھ على ھذا الاعتقاد ویصبح قالبا لا یستطیع التفكیر إلاّ في حدوده، وبھذا یصبح فردا بعقیدة دوغمائیة غیر
قابلة للشك أو المساءلة، بل واثقا بصحة ما یؤمن بھ، ثم تتغلغلُ ھذه العادات والأعراف والقوانین في المجتمع لتسیطر علیھ،
وتصبح قوانین بحكم قائد المجتمع، وجزءً من حیاة الأفراد، وتصل القوة إلى أقصى مداھا بحیث لا یمكنُ تغییرھا بسھولة أو حتىّ
السیطرة على الجانب السلبي منھا وتصبح في الأخیر سمة من سِمات المجتمع تخلّفُ الدوغمائیة في المجتمعات المنغلقة ذات
العقیدة المنغلقة وتصبح عائقا أمام تقدّم الحیاة العصریة، وتبقى العقلیة الدوغمائیة تدافع عنھا وتبررھا بالرغم من كونھا عدوّا للتطور والتقدّم.
الدوغمائیة رائجة بشكل ملفت في المجتمعات العربیة نتیجة الجھل بالظواھر العلمیة العولبة، والمحصلة عدم تقبل أفكار مختلفة
أو رأي مخالف، وھو ما استغلھ رجال الدین على مر العصور في التحكم بأمور العامة وسیر حیاتھم الاجتماعیة وولائھم الدیني
والسیاسي والقبلي. وقبل الخوض في صلب الموضوع، یحتم علینا طرح سؤ ال ضروري؛ كیف ورث المسلمون ھذه الثقافة
الدوغمائیة؟
1المركزیة الذكوریة )
ولأنھ لا یوجد نساءُ دین في دیانات الأرض كلھا؛ كان للإسلام نصیب من ھذه الذكوریة التي استغُِلّت نتیجة الفھم الخاطئ أو
التأویل المتعمّد من قبل المسلمین في الخطاب القرآني. فالقرآن یحسب لھ أنّھ ساوى بین الرجل والمرأة في الإسلام، والمساواة
تشكّلت في وجھتین؛ أصل الخلق والتكالیف الدینیة، فكما ھو مبیّن في الآیة (یَا أیَُّھَا النَّاسُ اتقَّوُا رَبَّكُمُ الَّذِي خَل قَكمُ مِّن نفَّسٍْ وَاحِدةَ)ٍ
أما المساواة في التكالیف الدینیة فقد بینّھا القرآن ف ي الآیة (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أوَْ أنُْثىَ وَھُوَ مُؤْمِنٌ فَأوُلئَِكَ یدَْخُلوُنَ الْجَنَّةَ
یرُْزَقوُنَ فیِھَا بِغیَْرِ حِسَابٍ) ثم تكررت تلك المساواة في التكالیف الدینیة والجزاء والعقاب في عدّة آیات من سورة النساء و غافر
وآل عمران والتوبة. بید أن تلك المساواة لم تستمر نتیجة للنزاعات القبیلة والموروثات القرشیة المستمدة من الثقافة البدویة الجلفة
التي دائما ما ترفض أي تساوٍ مع الأنثى، حیث أصّر القریشیون أنفسھم بشكل ضمني على ذكوریة القرآن وذلك من خلال فھمھم
وتفسیرھم للآیات من سورة النجم (أفََرَ أیَْتمُُ اللاتَ وَالْعزَُّى، أفََرَأیَْتمُُ اللَّاتَ وَالْعزَُّىٰ، وَمَنَاة الثاَّلِثةََ الْأخُْرَىٰ، ألََكُمُ الذَّكَرُ وَ لَھُ الْأنُثىَٰ)
والآیة (إنَِّ الذَِّینَ لا یؤُْمِنوُنَ باِلآخِرَة لیَسَُمُّونَ الْمَلائكَِة تسَْمِیةَ الأنُثىَ) والتي استنتج منھا المسلمین في القرون الخاویة بأن ذلك
إقرارا مباشرا من لله باحتقاره الأنثى وتصریح واضح بدونیة المرأة باستنادھم إلى المفھوم الظاھر بأن لله قد نفى تھمة التأنیث
وحسب، ولیس الألوھیة، أي أن القرآن قد وصفھا “قسمة ضیزى” وحسب ولم یرفض القسمة من الأساس.
ثم بعد ذلك، نزلت الآیة الأخرى في ظل تلك المعركة السجالیة التي یستنكر فیھا الرب اشراك اھل قریش بھ واصطفاءه البنات
وجعلھن ملائكة لھ في الآیة (أفَأَصَْفاَكمُْ رَبكُّمُْ باِلْبنَیِنَ وَاتخََّذ مِنَ الْمَلاَئكَِةِ إنِاَثاً إنِكَّمُْ لتَقَ ولوُنَ قوَْلاً عَظِیمًا) وربما لكون النفي القرآني
ھنا لم یكن بالشكل الجلي، أي أن أھل قریش والمسلمون فیما بعد أتضح لھم أن النفي وقع على عدم أتخاذ لله ملائكة إناثا وحسب،
بید أن السجال لم یكن حول الإناث ولا الذكور، بل نفي مطلق لكون الملائكة لیسوا إناثا ولا ذكورا، كذلك الآیة (إِن یدَْ عونَ مِن
دُونِھِ إلِاَّ إنَِاثاً وَإِن یَدْعُونَ إلِاَّ شَیْطَانًا مَّرِیدًا) والتي تعمّد المسلمون في قراءتھا كدلالة على تفضیل الرب الذكورة واستھجانھ للأنثى
من خلال النفي المستمیت للتھمة .
أحد الأسباب الأخرى التي أساء المسلمون فھمھا نتیجة التأویل والتفسیر الخاطئ للنص القرآني والتي ولدّت فیما بعد ذكوریة
سلطویة مستبدة ھي الآیة ( زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّھَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبنَیِنَ وَالْقنََاطِیرِ الْمُقنَْطَرَةِ مِ نَ الذھََّبِ وَالْفِضَّةِ) والتي تضع
المرأة على قدم المساواة بجانب ھذه الجمادات علا وة على كونھا – كما یظنون – بھجة ومتعة للنفس. الأمر الآخر الذي تسبب
في تحقیر المرأة في الجانب الاجتماعي والعملي ھو التأویل الخاطئ للآیة (فقَلُْنَا یَا آدَمُ إِنَّ ھَٰذَا عَدُوٌّ لكََّ وَلِزَوْجِ ك فلاََ یخُرْجِنَكَّمُ ا
مِنَ الْجَنَّةِ فتَشَْقَىٰ)، وبعیدا عن المفھوم المیثولوجي السائد لھذه الآیة، استغل المسلمون مفھوم الشقاء والمحدد في الآیة “تشقى”
كخطاب لفرد لا مثنّى، درج مفھوم الشقاء عند العرب لكونھ امر ذكوري وحسب، مما استعسر على كل الدعاة والحقوقیین
الناشطین لحقوق المرأة أن یغیرّوا ھذا المفھوم في ظل وجود تفسیر خاطئ، والأنكى من كل ھذا أن المرأة نفسھا متشبثة في ھذا
التفسیر الذي یمنعھا من ممارسة حقھا في میادین الحیاة الأخرى تاركة المجال للرجل بلا منافسة، في حین أن لله یقر بلسان
ھدھد سلیمان بامرأة تحكم قومھا (إنِِّي وَجَدتُّ امْرَأةَ تمَْلِكُھُمْ وَأوُتِیَتْ مِ ن كُلِّ شَيْءٍ وَلَھَا عَرْشٌ عَظِیمٌ ). الأمر الأخیر ھي الآیة
(وَقَرْنَ فِي بیُُوتِكُنَّ) والتي نزلت خصیصا لزوجات النبي، والتي لا تجعل مكانا للشك حینما بیّن القرآن حصریّة الآیة بقولھ ( لَسْتُنَّ
كَأحََدٍ مِّنَ النِّسَاءِ) والتي تعامل معھا المسلمون بشكل قسري ھي الأخرى من خلال اجبار المرأة على المكوث في البیت عفافا لھا، ولو اضطر الأمر لاضطھادھا.
لقد ذكر القرآن عشرون شخصیة نسائیة فیھ، بعضھم صراحة وبعضھم ضمنا، وقد وردت لفظة النساء 38 مرة، وذكرت مریم
في أثنى عشر سورة ونعتھا لله بالصدّیقة، وقد أوحى لله لأم موسى، وقد ورد ذكر النساء والرجال في القرآن بالتساو 24 مرة،
فما من مركزیة ذكوریة في الخطاب القرآني بلا شك، فقد خاطب كل الأجناس بجملة یا أیھا الناس مرارا وتكرارا وفي آیات
عدیدة عوضا عن التحدید والحصر، وإن كان لابد من والقبول والاعتراف تلك الذكوریة، فلأي نص ما ظروفھ البیئیة التي تؤثر
في نشأتھ نتیجة للعوامل الثقافیة والاجتماعیة السائدة، فالنص القرآني محكوم بالبیئة التي انتجتھ وخاضع لھا ولمعطیاتھا ویتحرك
وفقا لمقتضیات العصر، ومن یدعي كونھ متغیرّ ومتعدد ومتنوع ودینامیكي من عبدة النصوص الزاعمین بأن النص القرآني
یتجاوز الزمان والمكان لیصل ویخاطب ویدیر شؤون الناس في العصر القادمة فھو بذلك یرسم نھایة للتاریخ ویأسر المؤمنین
في سیناریو القرن السابع المیلادي مما یجعلھ عقبة أمام تطوّر المجتمع وعائقا أمام التغییر
.
فكون النص القرآني یخاطب ویوجھ الذكور قبل الإناث في غالب آیاتھ (إِنَّ الْمُسْلِمِینَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنیِنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِینَ
وَالْقَانتِاَتِ وَالصَّادِقِینَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِینَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِینَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتصََدِّ قیِنَ وَالْمُتصََدِّقَاتِ وَالصَّ ائمِِینَ
َ كَثیِرًا وَالذَّاكِرَاتِ) لا یمكن اعتباره دعوة على تقدیم الذكر على الأنثى وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِینَ فرُُوجَھُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِینَ َّ
ولا على تفوّقھ أو أحقیتّھ في شيء، بل لذلك العصر مفاھیم عصت على التبلور والتماشي مع الرسالة الإلھیة إلاّ بخطاب أھل
قریش مع الأخذ بعین الاعتبار لمفاھیمھم وثوابتھم. بل حتىّ الخطاب الوحید الذي یقدِّم فیھ ذِكْرُ الأنثى على الذكر في الآیة
(والزاني والزانیة) لا تعدوا أكثر من كونھا عظة إلھیة تھدف إلى الوصول إلى وجدانھم قبل عقولھم، فلا یمكن القول أن القرآن
أیضا أتھّم المرأة وحمّلھا المسؤولیة الأساسیة في الزنا كون أن الرجل یقع ضحیةّ لفتنتھا، كذلك الآیة التي تنھى النساء عن ضرب
الخمار لا تؤكد على المعنى السائد الیوم، وخیر دلیل على ذلك ھو تلك الإحصائیات التي تشیر إلى أن نسبة التحرش الجنسي
تفوق 90 % التي یك ون خلفھا الرجل لا المرأة. فدلالات الآیات لا تعدو أكثر من كونھا قراءات تراثیة لنسق اجتماعي قبل القرن
السابع المیلادي، إذ یؤكد القرآن على تلك المسؤولیة المشتركة في خطابھ للذكر والأنثى معا في الآیة (قلُ لِّلْمُؤْمِنیِنَ یَغضُُّ وا م ن َ خَبیِرٌ بِمَا یصَْنَعوُنَ وَقلُ لِّلْمُؤْمِنَاتِ یَغْضُضْنَ مِنْ أبَْصَارِھِ نَّ وَیحَْفظَنَْ فرُُوجَھنَُّ أبصَْاَرھِمِ ویَحَفْظَو ا فرُُوجَھُمْ ذَلِكَ أزَْكَى لَھُمْ إِنَّ َّ
وَلاَ یبُْدِینَ زِینتَھَُنَّ إلِاَّ مَا ظَھَرَ مِنْھَا). ولعل واحد من أھم الأسباب التي كرس الطغیان الذكوري في العلاقة الزوجیة في الإسلام
من خلال تعسّف المسلمین في استخدام الآیات التي تدُیر العلاقة الزوجیة والتي كوّنت مفھوم استبدادي لدى الزوج بكونھ صاحب
المركزیة في الزواج، في حین أن المسؤولیة وقعت على عاتق الجمیع، وھي تكلیف أكثر من كونھا تشریف، فالآیة ( ولَا جُنَاحَ
عَلیَْكُمْ فیِمَا عَرَّضْتمُ بِھِ) والآیة (أسَْكِنوُھُنَّ مِنْ حَیْثُ سَكَنْتمُْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تضَُارُّوھُنَّ لِتضَُ یقِّوُا عَلیَْھِنَّ) لا تعني دكتاتوریة بتزكیةٍ
إلھیة، ولا تؤكدُ على كون المحور الرئیسي في العلاقة الزوجیة ھو الذكر لمكانتھ السامیة وكونھ الھرم في العلاقة الزوجیة، فكون
النص القرآني حدّد بشكل حصري من یمسك ومن یطلّق ومن یخرج ومن یسكن ومن یعاشر ومن یضرب لا یعني أن دفّة القیادة
ذكوریة، وھو ما یروّج لھ الكثیر من رجال الدین الیوم والذي جعل من الضرب عقابا مشروعا لعصیان المرأة لزوجھا؛ الأمر
الذي جعل المرأة في مواجھة القوامة الذكوریة من خلال الإطاحة بالمعنى والغرض والغایة من تلك النصوص القرآنیة وبمباركة
الدین والتشریعا ت.
ھنالك خیار وحید للتخلص من ھذه الذكوریة، وھي ضرورة ھجر القرآن باعتباره منظومة متكاملة تنظم كل نواحي الحیاة،
وضرورة التأكید على تاریخیة النص، والتعامل معھ بوصفھ تراثا تعبدیّا ومصدرا للإلھام الروحي والوجداني وحسب، مع إصدار
تشریعات تنظّم العلاقة بین الجنسین وإزالة كل أشكال التمییز والتفرقة بین الرجل والمرأة في كل الجوان ب.
2أعداء الفكر والنقد )
واحد من أھم الأسباب التي جعلت المجتمع العربي ذو ثقافة أحادیة منغلقة ومنعزلة وقسریة وساھمت في تخلفّھا وتقدم الدول
الغربیة ھو العداء الأزلي للفكر، فبعودة إلى الحضارات السابقة؛ نستطیع أن نفھم لماذا بعض الحضارات تقدّمت على الأخرى
كالحضارة الأوروبیة التي ھي الیوم امتدادا لحضارة أجدادھم الإغریق. انتشار المدارس الفكریة في أثینا والتي من شأنھا فیما
بعد جعلت التلمیذ یتفوّق على معلمّھ من خلال نقد أفكارھم والإتیان بأفكار جدیدة تضاھي أفكار المعلمین ھي السبب الرئیسي في
انبلاج عصر تتنوّع فیھ الانشقاقات الفكریة حتىّ في المدرسة الواحدة، الأمر الذي أجبر المجتمع الإغریقي حینھا على تجربة
متغیرّات عظیمة في التقالید المجتمعیة لم تكن في یوم من الأیام متوقعة أو مقبولة، ھذه التیارات التي انتھجت نھجا جدیدا في
عالم الفكر، وكانت الحجر الأساس في تقدم الحضارة الاغریقیة عن باقي الأمم، وھي السبب الأول في ظھور الفلسفات النقدیة
والشكیة والجدلیة بعد قرون طویلة في أوروبا، بعد اندثار أفول الحضارة الإغریقیة غرقت أوروبا في أزمات عدیدة؛ السیطرة
الباباویة، وصكوك الغفران، الحروب الإقلیمیة، الطاعون والجوع لقرون عدیدة، حتى نھضت مجددا واستمرت في النھوض
لیومنا ھذا من خلال النبش في تاریخ الأجداد؛ الحضارة الاغریقیة. فبدأوا ینھلون من المعارف الیونانیة، وظھر من جدید في
عقولھم شعلة التفكیر والنقد وحتمّ ذلك بأنولاد عصر تنویري یسدل الستار على قرون الظلام الغابرة، الأمر الذي أتاح لھم احراز
التقدم في كل النواحي الدینیة والاجتماعیة والاقتصادیة، فتحرروا من أغلال الكنیسة، وظھرت مدرسة نقدیة في وجھ البابا نفسھ
بقیادة لوثر كینج وعدد من الإصلاحیین، ونشبت حروب عدیدة ضد الأرستقراطیین والطبقات البرجوازیة المھیمنة، وأصبحت
لدیھم قاعدة أن التغییر أمرا محمودا والاختلاف أمرا مرحبا بھ في وسطھم، وانتھى عصر المجتمعات الساكنة الراكدة والجامدة
المنغلقة، وخرجت أوروبا بأكملھا من الصندوق الخشبي الذي عتمّ على عقولھم لقرون طویلة، وأصبح دعاة الفكر والنقد المحرك
الأول للمجتمعات، فحضوا باحترامٍ وتقدیر حتى من أعداءھم بعدما كانوا یواجھون أي حراك في ماء الفكر الساكن بالمقصلة
والزندقة والنف ي .
ما تعانیھ المجتمعات الشرق أوسطیة الیوم مشابھ جدا لما عانوه الأوروبیین في القرون الوسطى، إذ أن النقد لیس أمرا مرحبا بھ،
ویرجع ذلك لكون المجتمعات العربیة تؤمن بثقة الشرف للحفاظ على الموروثات الدینیة العرفیة بعیدا عن متناول العابثین والناقدین
والحاقدین والناقمین – كما یظنون – لكون ذلك تعدٍ مباشر وصریح على شرف مقدساتھم عوضا عن كونھ فرصة للتعلمّ. وھذا
العداء تجاه الفكر والنقد لیس ولید ظھور الإسلام، بل لكونھ یمثل تقالید عربیة بدویة ترفض النقد بكافةِ أنواعھ، وربما التراث
الاسلامي ساھم بشكل مباشر في خلق ھذا النفور والعداء تجاه المنھج النقدي والفكر بشكل واسع، فالحدیث النبوي (من بدّل دینھ
فاقتلوه) لھو وسیلة استخدمھا المسلمون للنیل من أي فكرٍ مخالف، والتاریخ الاسلامي حافل بأمثلة كثیرة في عھد الردّة والخلفاء
والأمراء فالجعد بن درھم راح ضحیة لفكرة وحسب لا لشيء سوى لنفي الصفات، والجھم بن صفوان كان لھ توجھا آخر غیر
ما أتى بھ الأئمة الأربعة، وما زال حتىّ یومنا ھذا في بعض الدول الثیوقراطیة من یقوم بكل ھذا، وقد یدّعي البعض بأن ما ھذا
إلاّ ممارسات قدیمة في عھد أنتھى وولى، بید أن السؤال الذي یقابلھ؛ ھل تستطیع أنت أن تنقد التابوھات نقدا موضوعیاّ الیوم؟
أولیس قبل أعوام قلیلة فقط رحل نصر حامد أبوزید وفرج فودة وناھض حتر ضحیة لھذا الجمود والعنف؟ ھل أنت على استعداد
لمواجھة ما واجھھ نجیب محفوظ أو تسلیما نسرین أو آیان ھارسي؟
المسلمون ارتكبوا خطأ فادحا في التعامل مع ھذا الشأن، وارتكبوا خطأ آخر في مسألة ایمان الفرد المسلم، فلا تشكیك ولا أفكار
معارضة ولو على سبیل التجربة الایمانیة الھادفة إلى الوصول إلى إیمان حقیقي رزین، فھناك ستّ سورٍ ابتدأت باستفھام، فكیف
یحاربون السؤال والنقد، وما مارسھ المسلمون من تكمیم للأفواه وإحباط أي محاولة جادة لنقد فكري ھو ما جعل مسلمي الیوم
أمام خیارین لا ثالث لھما: الدوغمائیة وثقافة الآحاد أم سیاسة الاضطھاد، والمسلمون بإمكانھم تجنب الخطأ الذي ارتكبھ المسیحیون
قبل ستة قرون؛ بأن احتاجوا إلى خمسة عشر قرنا لیقوموا بإعادة الھدم والھیكلة والتشیید للإرث الكنسي العنید، فمصیر أي دین
ھو التغییر والتطوّر، والتطوّر لا یستلزم القضاء على عادات أو تقالید أو تعالیم أي دین بأكملھا، بل یكفي أن تخُلقَ فسحة غیر
محظورة لممارسة النقد والفكر الحر. فما النقد سوى محاولات جادة لإیجاد قناعات شخصیة من خلال التحلیل والاستدلال والتقییم
والخروج باستنتاجات خاصة بعیدة ومتجاوزة ما استنتجھ الآخرون، بمعطیات خاصة وبلا ثوابت ومسلما ت.
ھنالك من یحاول التمسّك بالنقد اللاذع للمقدسات رغبة منھ في الحفاظ على عدم المساس بھا أو التعرض لھا من خلال أحاطتھا
بقوانین كقوانین ازدراء الأدیان أو التجدیف أو اثارة الفتن أو النیل من الذات الإلھیة، واستشھدوا بذلك من العملیات النقدیة والفكر
الحر الذي كفلتھ في المقابل الدساتیر الأوروبیة لأفرادھا، والاكتفاء بالانعزال وتجنب السجالات التي قد یؤمن بعضھم أن بعضا
من جرعات النقد التي یقوم بھا المستشرقون قد تزلزل كیان أفكارھم السائدة، والبعض الآخر تذرّع بنظریة المؤامرة على الدین
الاسلامي لیتجنّب المساءلة الشعبیة لھ فیما لو طرح الغرب تساؤلات وفرضیات لا یستطیع الفكر الاسلامي الاجابة علیھا. الغرب
لا یحملوا كراھیة وحقدا على الدین الاسلامي، فھذا كلھ لیس صحیحا؛ إذ لا یجب أن نحسب كل صیحةٍ علینا كالمنافقین في عصر
النبي، فالمجتمعات الغربیة أغلبھا مجتمعات علمانیة ولیبرالیة تكفل انتشار المعتقدات وممارسة الشعائر في بلدانھا طالما أنھا لا
تشكل خطرا على الأمن العام. ومن یدعي أن النقد یطال الاسلام وحده ھو خاط ئ، فالغرب قاموا بنقد العھدین القدیم والجدید
وقاموا بنقد كل الانبیاء المشار إلیھم في كتبھم المقدسة، بل حتى یسوع نفسھ لم یسلم من النقد، والكتاب المقدس یذكر عقوبة لله
لنبیّھ موسى بحرمانھ من الدخول إلى أرض المیعاد بعدما كسر لوحي الشریعة، والكتاب المقدس یذكر خطیئة داوود وسلیمان
وابنتي لوط، وكما أن التوراة والانجیل ھو جزء من العقیدة المسیحیة، فقد ابدع المسیحیون في نقدھا مرارا حتى وصل الأمر
وفي مرات عدة إلى التجریح الصارخ، ولعل الفیلم الذي حاكى روایة شیفرة دافنشي للكاتب دان براون أو الملھاة الإلھیة لداني
إلیجیري أو الفردوس المفقود لجون ملتون أمثلة جیدة لكمیة النقد الجارح للعقیدة المسیحیة، إیمانا من المسحیین بأھمیة حریة
التعبیر وعدم مصادرة الفكر واحترام النقد من جھة، وقوة عقیدتھم التي لا یمكن أن تسقطھا أقلام ساخرة من جھة أخرى. فالحقیقة
تستمد قوتھا من ذاتھا، لا ترھقھا كلمات باطلة أو ألاعیب لغویة، والنقد والفكر الحر قد یكون سببا یساھم في تقویة أسُسِ العقیدة،
فالشك أولُ إشارات الإیمان إن لم یكن طریقا لھ، وبكل تأكید؛ ظھور المدارس الفكریة ستكون العامل الرئیسي في استقرار
المنطقة وانتشار التعددیة الثقافیة والتعایش السلمي مع شتى الحضارات والأدیان فالنقد فرض عین لا كفایة، كما یجب على
المسلمین الیوم أن یدركوا أن مسؤولیة التكفیر تقع على لله وحده، فھو قاضي القضاة، ومن المحزن أن یتنابز المسلمون الیوم
بمصطلحات التفكیر في كل اتجاه، وقد نادى لله الكفار مرة واحدة في القرآن وكانت في یوم القیامة لیؤكد للمؤمنین أنھ الوحید
المخوّل بھذا الحق في إطلاق الأحكام، بید أن رجال الدین المسلمین ینادون الناس بالكفار في كل مجلس وفي كل مناسبة.
ولا یمكننا في ھذا الصدد سوى القول بأن الغرب قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم یكن یعلم عن الاسلام شيء، فالولایات
المتحدة وأوروبا حینھا كانت تحاول استعادة أنفاسھا بعد الحروب الطویلة التي أرھقت كیانھما في الحربین العالمیتین وفیتنام
وكوبا، واستعادة التوازن والھیمنة الاقتصادیة على السوق العالمي، وحتى الیوم ومع انتشار الاسلاموفوبیا في الأقطار الغربیة
كنتیجة محتملة وطبیعیة ھما الأخرى لا یمكننا أن نعدّھا تمییزا أو حقدا أو مؤامرة، فنقد الاسلام في السنوات العشرین الماضیة
كان یھدف إلى فھم ماھیة الاسلام وكیفیة التعامل معھ وفھم الدوافع التي جعلت من المسلمون یمارسون إرھابا بشكل منظم ومبرر
ومبارك في الاوساط الاسلامیة ولیس بغرض استحقاره أو ازدراءه أو حتى تشویھھ.
الجماعات الدینیة تسھم في خلقِ الفكر الدوغمائي عند منتسبیھا، إذ تملك منظومة محكمة یتم من خلالھا شل الفكر عند الفرد عن
طریق عدة وسائل كالمحاضرات والنشاطات الدینیة والمخیّمات والمراكز الصیفیة التي یعزل فیھا المؤمن عن المجتمع لتلقِىّ
تعالیم معلّبة تسھم في خلق دوغمائیة صلبة لا تتأثر حتى في السجالات الفكریة الملیئة بالحجج العلمیة الدامغة، إذ تغُْرَسُ في الفر د
عدة أفكاره تھیمن على ملكة تفكیره وتجعلھ أسیرا لأفكار الجماعة، حتى یؤمن بأن العالم عبارة عن “نحن” و “ھم”، وأن ما
دونھم مخطئین وھم الوحیدون على صواب. یتم غرس الدوغمائیة الدینیة في الفرد من خلال ممارسة مستمرة كتقدیس قائد
الجماعة وأوھامھ بأنھ صاحب رسالة إلھیة مقدّسة ومعصومة، وتستخدم الجماعة لغة حماسیة دائمة لتأجیج المشاعر ولأثارة
المؤمنین، كما تركز على عقدة الذنب التي من خلالھا تجعل الفرد المنتسب یشعر بالذنب والخطیئة طوال الوقت ویكثر الاستغفار
بھدف تطھیر النفس، ولو سألت مؤمنا عن كثرة استغفاره لتعجبّت من الإجابة؛ إذ أن المستغفر في الحقیقة لا یملك خطیئة أو فعل
جرمي قام باقترافھ في حیاتھ من الأساس، بید أنھ یشعر دائما بأنھ على وشك أن یرمى في الجحیم لكثرة خطایاه وذنوبھ. الأمر
الذي یجعل المؤمن یقر بأنھ كان ضالعا في المفاسد والفجور وأن الجماعة قامت بإنقاذه من النیران والحریق الكبیر، وھنا یعلن
استسلامھ وخضوعھ وخنوعھ وقبولھ لأي تعالیم یستقبلھا منھم، وتصبح العقیدة أھم من الأنسان، أي أن الأنسان وحیاتھ وحیاة
أقاربھ لا قیمة لھا، ولھذا فلا عجب أن ترى متطرفین یھجرون عائلاتھم وأطفالھم في سبیل الجماعة والدین، ثم تتولد لدیھم قناعة
خطیرة جدا عن الأخرین وھي أما أن تكون معنا أو ضدنا، أما أن تنظم إلینا أو مصیرك الفناء. ھذا الإقصاء یتشكل في عدة
أشكال أقلھا خطورة ھي الدوغمائیة وثقافة الشجب والتھمیش والأقصاء، وأكثرھا خطورة ھي الأقصاء المادي من خلال عملیات
إرھابیة تھدف إلى فناء وقتل المخالف، وفي أحسن الأحوال تتشكل على ھیئة تبریر لكل الأفعال التي یقدم علیھا المؤمنین المنتسبین
لھم، كأن یقوم فردٌ ما بتبریر فعل أودى بحیاة أبریاء، فیقوم أقرانھ بالدفاع عن ھذا الفعل، تماما كما حدث في العالم الاسلامي قبل
قرابة العقدین، حینما قتلت القاعدة أكثر من ثلاثة ألاف مدني بريء في أحداث أبراج مانھاتن؛ وكانت أغلبیّة المسلمین في حالة
بھجة وسرور
.
ما من حدود لحریة التفكیر، وإن كثرت المصائد والمقاصل وحبال المشنقة وأدوات التنكیل والتعذیب، فمن فكَّر لوھلة بأنھ لا
وجود للإلھ، فقد فكَّر وأنتھى من التفكیر في ھذا الموضوع، أي أنھ لو كانت ھنالك حدود للتفكیر لتوقف العقل عن الوصول إلى
ھذه الخلاصة أو المرحلة، ثم أن تلك الحدود التي وضعھا المؤمنین – متمثلا في السلطات الدینیة – لا تغیّر من الأمر شيء،
فھي لیست أكثر من ردة فعل على أمرٍ حدث، أي أنھا لا یمكنھا أن تكون أكثر من مؤسسة تقوم بتدابیر احترازیة لمجابھة الفكر
الشاذ، فمن فكر ثم نفى أن الأرض لیست منبسطة بل كرویة، لا یجعل الأرض لیست كرویة ولو اجتمع العالم كلھ على تغییر
الحقیقة، ولو اجبرت الكنیسة أي أحد في التفكیر في أن الشمس تدور حول الأرض لن یغیر حقیقة أن الأرض تدور حول الشمس
ولیس العكس، فحجب الأفكار وإن ھدفت إلى الإبقاء على سلطة وھیمنة الدین؛ إلاّ أن الفكرة تبقى عابرة لا یمكن إیقافھا. وعلى
مر العصور، حاولت السلطة الدینیة محاربة الفكر والتعبیر والنقد، لیس حبا للدین، بل للإبقاء على سلطتھم وھیمنتھم ومراكزھم
ومصدر رزقھم. فماذا سیخسر – مادی ا –ً فردا ما لو أصبح ملحدا،ً في المقابل ماذا سیخسر رجل الدین لو أصبح العالم كلھ ملحدا،ً
بكل تأكید سیخسر المفتي والبابا والمرشد وبقیة رجال الدین وظائفھم ومصدر عیشھم وسلطتھم ومناصبھم وكراسیھم المقدسة،
ولھذا كان لزاما عبر التاریخ على رجال الدین أن یحاربوا الفكر، ویبثوا الخوف في نفوس المؤمنین من خلال طرق نواقیس
الخطیئة والجحیم والخلاص، حتى لا تعرّى الحقیقة للملأ بأن المؤمن لیس بحاجة إلى رجال دین وفتاوي وصكوك غفران، إذ
یكفي للمرء أن یصل إلى الخلاص أو الفلاح باجتھاده ومحبتھ وعبادتھ وحسب، فكان لزاما علیھم أن یحاربوا ویقتلوا وینكلّوا
ویحرقوا ویسحلوا كل من یحمل أفكارا قد تزلزل مكانتھم، وجاؤوا بفكرة الخطابات المشحونة والعاطفیة التي یخاطبوا فیھا العامة
لتخویفھم وترھیبھم واستعبادھم من خلال الأساطیر والخرافات والأقاویل، وبأنھم وحدھم، لیس لسبب وجیھ، فقط وحدھم ولا أحد
غیرھم من العامة من یسمع أصواتا ویرى أشباحا – ملائكة – یخاطبونھ ویأمرونھ وینھونھ، وبأنھ متصل إلى الرب بشكل مباشر
وبأنھ یرى الأنبیاء في منامھ. والمحصلة الاستیلاء على السلطة واستھداف العقل. ودعونا لا ننسى أنھ حینما تطفّلت الجماعات
الإسلامیة على الطب ظھرت خزعبلات حبة البركة وبول البعیر والحجامة، وعندما تطفّلت في القوانین ظھرت العقوبات الوحشیة
كالرجم وقطع الید وفقأ العین والحرق والسحل والرمي من على الشواھق، وعندما تطفلّوا في السیاسة خرج لنا البغدادي
والزرقاوي والظواھري وابن لادن وحزب لله وجبھة النصرة وداعش، فمتى ما ھیمن ھؤلاء على مجالات الحیاة؛ سنجد الجھل
والتخریب، ولا ینتھي كل ھذا إلا بإزالة كافة الرواسب القدیمة وإعطاء الفرصة لجیل ناقد ومفكّر بلا سلطة ولا وصایة سوى
عقلھ. وما یحدث الآن من افتعال لقضایا سجالیة تافھة یھُْدَفُ منھا حجب قضایا الواقع المریر، كأن یحاول ھؤلاء المحترفین في
صرفِ الانتباه إلى أشغال العامة بأمور غیر مجدیة لینصرف وعیھم عن تلك اللحظة الحرجة من خلال افتعال مواضیع ھامشیة
وملفقة من أجل العبث بالأولویات، بمھاجمة فیلما سینمائیا أو مسلسلا أو روایة أو كتاب، وبالرغم من أن ھذه الأنشطة لھا نقادھا
وحكامھا، كما أن لھا معاییرھا الخاصة، فھي لیست نقلا فوتوغرافیا للواقع بل رسالة بمضامین وأھداف معینّة. لھو خیر دلیلٍ
على الممارسات الھادفة إلى حجب المشاھد الدامیة والواقع المریر الذي یعیشھ الفرد العربي الیوم. أنھم یكرھون حریّة التعبیر
لدرجة أننّا ظننّا أن وأدھا جزءٌ من العبادة.
3الجھل وعقدة الاضطھاد )
لعل عقدة الاضطھاد یمكن أدراجھا كأحد النتائج المترتبة على الدوغمائیة الدینیة، بید أنھا أصلح لأن تكون سببا لھا، فعقدة
الاضطھاد ملازمة للمؤمن والمسلمین بشكل خاص منذ الباكورة الأولى من الاسلام، فبعد الخلافة الراشدة أصبح جلیّا أن ھنالك
محاولة فاشلة ھدفت إلى تأسیس أسرة حاكمة، والمحصلة بعد سنوات قلیلة فقط؛ إسلام خاوٍ من أي قیم روحانیة، وبلا قیم أخلاقیة
في التعامل مع الغیر، وعلى المستوى الإنساني؛ فكان التنظیم بین بني البشر في المملكة الاسلامیة ینظر على أسس طبقیة كالعبد
والسید، والأمیر والرعیة، وأھل الجنّة وأھل النار، وكامل العقل وناقصة العقل .
في الحقیقة، ھذه العقدة لیست ولیدة العقود القلیلة الماضیة كما یروّج لھا دكتاتوري العرب الذین یرمون كامل فشلھم للمؤامرات
التي تحاك ضد دینھم ودویلاتھم، بل ھي نتیجة الاستیلاء الأول على السلطة والاخلال بمیثاق النبي محمد وتعالیمھ التي لم تورّث
السلطة لابن أو لابنة أو ابن عم، وھو ما یفسر الی وم السبب الكامن في قیام المسلمین بإلحاق الأذى بالأخرین نتیجة الزینوفوبیا
ولاعتقادھم المسبق والدفین بأنھم أفضل منھم وبأنھم ینافسونھم ویضطھدونھم في كل نواحي الحیاة، وإلاّ ما الذي یجعل إنسانا سویّا یسخر ویشمت لحدوث إعصار أو زلزال یخلفّ ضحایا في بلادٍ متقدمة غیر مسلمة.
كما أنھ آن الأوان لیتوقّف رجال الدین عن ممارسة دورھم الروتیني ومھنتھم الاعتیادیة، آن الأوان لیقوموا بالدور الحقیقي،
والتحدي الحقیقي، وھو مواجھة المستشرقین، فطروحاتھم قد تؤدي إلى الإطاحة بالدین بأكملھ، الوعظ الدیني والمقاربات المذھبیة
ومحاولات التقریب وإیجاد التوافق بین الدین والأدیان الشرقیة الأخرى لم یعد أمرا ملحّا،ً فقد أكتفت ساحة النقد التراثي من
موروثات عقدین مضت، الیوم یجب على ھؤلاء – إن صدقوا في ما عاھدوا لله فیھ- أن یفتتَحِوا مراكز بحوث ودراسات تجیب
على المستشرقین في كافة أطروحاتھم، فإل ى الیوم، لا نجد سوى إجابة انموذجیة یرددھا ببغاوات رجال الدین في ما طرحھ أبو
موسى الحریري في كتابھ عالم المعجزات حینما أدّعى أن اللوح المحفوظ – كمفردة ومضمو ن- في القرآن ھو كتابُ موسى.
تقاعس ھؤلاء على الرد بشكل أكادیمي یفھم قبولا وإذعان من المسلمین عامة وخاصة، ویجبر المؤمنین بالنزوح عن بوتقة الدین
والإیمان، ویجعل العقلیات العنیدة تتمسّكُ بأفكارھا الكلاسیكیة دون رغبة في مناقشة الغرب الذي یراه مجرد ناقمٍ وحاقد ومتآمر.
كما أن المسلمین لم یجیبوا حتى الآن إلى أراء الباحثة الدنماركیة باتریشیا كرون التي تعتقد بأنھ لا یوجد أي دلیل على أن القرآن
موجود قبل نھایة القرن السابع المیلادي في كتابھا الھاجریون. ھنالك أمر آخر على المسلمین أن یتصدّوا لھ بالحجة وھو الكتاب
الذي قدمھ أبي داود السجستاني تحت عنوان “المصحف تحت باب ما غیر الحجاج” الذي یفترضُ وجود تغییرات قامھا بھا
الحجاج في القرآن. كما أن الحجج التي حاولت الإطاحة برأي جون ونزربو الذي یدعي أن القرآن تطور في القرن الثامن والتاسع
ولیس في عصر الخلافة الدعویة ھي الأخرى لم تكن ردودا تستحق القراءة، فقد كانت الردود عبارة عن آیات قرآنیة تدعم حفظ
القرآن كالآیة (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لھ لحافظون). فالمشرقون یقدمون فرضیات بأدلة أركیولوجیة مادیة، في حین أن المسلمون
یردون علیھم بنص آیة. أیضا المخطوطة القرآنیة التي وجدت في صنعاء مؤخرا والتي كانت بید الألماني جیرد بوین، والذي
خرج ھو الآخر باستنتاجات لا تدعم الروایات الإسلامیة حول القرآن، في قطعیة الثبوت، بید أنھ لا یوجد من یجیب وكأن
المسلمون غضوا ابصارھم والأمر برمتھ لا یعنیھم.
ھنالك عدة باحثین متخصصین في الدراسات الإسلامیة، جمیعھم یقدّمون أراءً مثیرة للجدل، وخطیرة بلا شك إن ثبتُتْ صحتھا
وأصبحت حقیقة بعد نموّھا كفرضیة، وقد سبق للمسیحیین أن ردوا على المتخصصین في الدراسات المسیحیة بآراء منھجیة
توافق ما أتى مع كتابھم المقدس وتدحض الآراء المخالفة. فمتى یتعلمّ المسلمون الرد على أطروحات ودراسات تمس كیان دینھم
وثوابت إیمانھم واعتقاداتھم عوضا عن الاكتفاء بوصفھا مؤامرة وحس ب.
یمكننا الیوم الاستدلال على انتشار الدوغمائیة كظاھرة من خلال القیام بإحصائیة سریعة؛ كم عدد المسلمین غیر المتحدثین اللغة
العربیة في العالم؟ ربما یتجاوز التسعین بالمائة نظرا لوجود مسلمین في أندونیسیا وباكستان وأفغانستان بالملایین وأكثر بكثیر
من العالم العربي، ھذه النسبة المسلمة غیر المتحدثة للعربیة تؤمن بقناعة تامة بأنھا على حق ولھذا فھم یرددون التعالیم الدینیة
تردید الببغاء لعدم قدرتھم على قراءة القرآن أو التراث الإسلامي واستیعابھ، وذلك ما یحرمھم من فرصة الدخول في جدال أو
نقاش مع أقرانھم، أو حتى التفكیر والتمحیص في التعالیم الاسلامیة الرادیكالیة التي تھیمن علیھا قنوات الأعلام العربي الیوم،
بالتالي فمصیر ھؤلاء ھو الإذعان والقبول اللامشروط دون جدال أو سجال أو مماحكة فكریة نقدیة أو حتى نقاش للوصول إلى
الغایة من ھذا أو ذاك، وبطبیعة الحال ذلك ما یجعلھم یقعون في فخ الدوغمائیة طوعا لتصدیقھم أمرا لا یملكون حقا في رفضھ،
ولھذا فقد تجد مسلما في مجتمع علماني كمالیزیا أو تركیا ما زال یؤمن بدونیة المرأة ودورھا الثانوي وبأنھا ضلع أعوج لن
یستقیم وناقصة عقل ودین حتىّ وإن كانت رئیسة وزراء بلاده أو طبیبتھ الخاصة أو مدیرتھ في العمل لا لسبب إلاّ لجھلھ.
إن العدو الحقیقي ھو لیس شخصیة الشیطان، وإنما الجھل والباطل، وإن ردّاتِ فعلٍ من قبل المسلمین على خلفیة رسم صورة
ساخرة للنبي لن تصلح الأمر؛ بل تجعلھ اسوء، فقد تجاوز الغرب الخطوط الحمراء والتابوھات والطوطم بعد ثورات جعلت من
العواصم الأوروبیة أنھارا من دماء، فما من ثمن یمكن تقدیمھ لعدم النیل من شخصیة ما، ولھذا فالتشظي الدیني ھو حجر الزاویة
لكل تلك الانفعالات والتصرفات الدفاعیة التي تؤجج المشاعر وتزعزع العلاقات التاریخیة بین الأدیان، وقد تخلق مفھوما ثابتا بمصداقیة شماعة المؤامرة التي تحاك ضد المسلمی ن، والتي ستكون بلا شك عثرة أمام أي مشروع سلام عالمي أو حوار ومقاربات
بین الدیانات المختلفة. فالاعتراف بالجھل فضیلة أیضا،ً وللخروج من الدوغمائیة ھذه؛ یجب على المؤمنین أن یفكروا بجدیّة
التخلي عن الجزء السلبي من الدین، ورفض التقالید والعادات القدیمة التي تسھم في تأجیج الصراعات، ووضع منھجیة ثقافیة
وقانونیة للحد من سیاسة الكراھیة والعنصریة، والتصدي بید من حدید للإرھاب الدیني الفكري والمادي، والتخلي عن مفاھیم
الشرف والنزاعات الطائفیة وتبني الانسانیة العالمیة وحریة الفكر ونبذ سیاسة التكفیر، والمساواة أمام القانون وتفعیل دور لجان
حقوق الإنسان والمجتمعات المدنیة والتصدیق على المعاھدات الدولیة التي تكفل سیر فكر المختلف لا رأسھ.
كما یجب على المسلمین التخلي عن الشماعة القدیمة التي یعزو إلیھا كل قیادات الدول العربیة في تفسیر وتبریر فشلھم، إلا وھي
المؤامرة، وإعطاءھا حجمھا الحقیقي، إذ لا یمكن لأحد أن ینكر وجود مؤامرات حدثت على مر التاریخ للأوطان العربیة
والاسلامیة كسایكس بیكو ووعد بلفور وغزو العراق التي لا أجد وصفا لھا غیر ھذا، ولكن من جھة أخرى لا یمكننا تقبلُّ أن كل
شيء یحدث لنا نتیجة لذلك، ووحده العلم والفكر من یمكنھ التخلص من ھذا النمط من التفكیر الذي ساد في الأوساط العربیة لعقود
طویلة، ووحده العلم والفكر من یستطیع أن یتخلص من خمول التفكیر وواقعھ المأساوي.
الدجل الديني والتجديف على العقول
یمر غالبیة البشر بتوجیھ فكري منذ الصغر، یتلقوا فیھا وعلى فترات طویلة مجموعة من الأفكار المعینّة والتي یھدف فیھا الموجِّھ
إلى تمھید الطریق للمتلقي لمواجھة الحیاة من خلال أتباع خطواتھ وتبني أفكاره ومعتقداتھ، وعادة ما یكون الدور الأكبر للأدلجة
للوالدین، وذلك من خلال تعلیم الطفل وإجباره على أتباع طقوس معیّنة وتبدأ الأدلجة منذ الباكورة الأولى، كالتعمید في المسیحیة،
أو صدح الأذان للطفل حدیث الولادة كما ھو في الإسلام، أو الإحتفال بختان الطفل في الیوم الثامن كما ھو عند الیھود، وكدلالة
على إقرار الوالدین بأن الطفل أعتنق أفكارھم ومقدساتھم. ومن ثم ینطلق الطفل في حیاتھ بناءا على الخطط والمسارات المرسومة
لھ من الأیام الأولى من حیاتھ سلفا والتي لم یشارك في رسمھا أو یعطى الخیار في قبولھا من عدمھ، لیكمل بقیةّ حیاتھ مدافعا عن
التابوات والمقدسات والقیم والأفكار التي لقّن بھا.
یتعلّم المؤمن الكثیر من التعالیم الدینیة منذ الصغر، تلك التعالیم التي تناقش أكثر القضایا أھمیّة وتعقیدا،ً كقضیة الخلق والنشأة
الأولى، والعدید من الروایات والتعالیم التي تتحدث عن المعجزات الخارقة لقوانین الطبیعة المألوفة، وعن رجالٍ خارقی ن وقصص
سحر عدیدة وحیاة یوتیوبیة أخرى بتفاصیلھا الدقیقة. ومصدره الوحید لكل ھذا ھو التراث الدیني الذي ینتمي إلیھ، ثم یواجھ فیما
بعد وبعد ظھور الحقائق العلمیة مأزقا حادا وحرجا كبیر، فلا یرى أمامھ سوى ثلاثة خیارات أمام كل ھذا الزخم الھائل من
المفاجئات العلمیة، فأمّا أن یترك تعالیم وروایات دینھ ویصدق العلم، أو أن یسخر على العلم ویتمسك بالحقائق العلمیة في دینھ،
أو أن یعیش مزدوجا وكائلا بمكیالین في حیاتھ، أي أن یؤمن بقصة سفر التكوین المتعلقة بالخلق والنشأة الأولى للكون والإنسان،
وأن یؤمن في الوقت ذاتھ بنظریة الإنفجار العظیم ونظریة التطوّر.
فبعد ظھور الحقائق العلمیة، وقع المؤمنون في صراع نفسي، بین ما یدور في عقلھم وعاطفتھم، مما خلقت تلك الأزمة مجالا لرجال الدین في كل الأدیان إلى أختلاق وابتداع أقوال وتفاسیر في كتبھم المقدسة توفِّقُ بین العلم والدین، أي أنھم لا یفسرون تلك
النصوص، بل یقدمون شروحات ومفاھیم جدیدة بناءًا على ما أكتشفھ العلم الحدیث، كالآیة (خَلقََ السَّمَاوَاتِ وَالْأرَْضَ باِلْحَ ق مى ألَاَ ھُوَ الْعَزِیزُ الْغفََّارُ) والتي یكَُوِّرُ اللیَّْلَ عَلَى النَّھَارِ وَیكَُوِّرُ النَّھَارَ عَلَى اللیَّْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقمََرَ كُلٌّ یَجْرِي لِأجََلٍ مُّسَ
أجزم فیھا بعض رجال الدین المسلمین بأن ذلك إقرارا سابقا العالم كلّھ في كرویّة الأرض؛ بید أن الآیة تقول خلاف ذلك، إذ أنَّ
من وقع علیھ التكویر ھو اللیل ولیس القمر، وھكذا استطاع رجال الدین المسلمین من استخدام آیة جدیدة تثبت كرویة الأرض
بعدما أثبتوا في ما مضى وبآیة أخرى أن الأرض منبسطة، وبھذا یضمن المسلمون أن مسلسل الترقیع لن ینتھي، بإصرار تام
على وجود إعجاز علم ي.
مثال آخر لأزمة التفاسیر الحدیثة والزاعمة بأعجاز علمي عند المسلمین ھي الآیة ( فَلْینَظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ.
یخَْرُجُ مِن بیَْنِ الصُّلْبِ وَالترََّائبِِ) وكما ھو معلوم من تفسیر الآیات السابقة؛ بأن الصلب ھو الظھر، والترائب ھي عظام الصدر،
فھل ھنالك من یستطیع الیوم أن یجزم بالقول بأن الحیوانات المنویة للرجل لا تخرج من الخصیة، وإنّما من الظھر والصدر،
استنادا أیضا إلى تفسیر الآیة (وَإِذْ أخََذَ رَبُّكَ مِن بنَِي آدَمَ مِن ظُھُورِھِمْ ذُرِّیتَّھَُمْ وَأشَْھَدَھُمْ عَلَىٰ أنَفسُھِمِ ألَسَتُْ برَِبكِّمُ قاَلوُا بلَىَٰ شَھِدْنَا أَن تَقُولُوا یَوْمَ الْقِیَامَةِ إنَِّا كُنَّا عَنْ ھَٰذَا غَافِلِینَ) التي تؤكد كما یعتقد المسلمون أن الخلق البشري ینشأ من ظھر الإنسان
ولیس محظ أستعارة رمزیة أو محسنات بدیعیة وحس ب.
إن أصر المؤمنین والمسلمین على وجھ الخصوص، على وجود دلال وحقائق وإعجازات علمیة للخلق البشري وغیره، فھم بذلك
یجعلون كتبھم المقدسة في مأزق، ووضعھم العلمي والفكري في مأزق أكبر من خلال الإیمان بخزعبلات یثبت العلم أنّھا خاطئة
كل یوم مع كل تلسكوب ومجھر وخلیةّ ومختبر، وھم یحسبون بذلك أنھم یسدون صنیعا لدینھم والمؤمنین بھا، بید أن على العكس
تماما،ً فالمسلم ون على سبیل المثال، المؤمنین بالإعجاز العلمي للقرآن بإدعاءاتھم بوجود أعجاز علمي في قرآنھم، ھم بذلك
یقولون لنا بأن أما أن لله فشل في توضیح الفكرة التي أحتاجت أكثر من أربعة قرون لتكتشف، أو یطعنون في بلاغة وبیان
وفصاحة القرآن، أو یصفون نفسھم ومن سبقھم من نبي وصحابة بالجھل لوجود حقائق في كتبھم طوال تلك السنین بید أنھم لم
یستطیعوا الفھم، وأنھ لولا العلم الحدیث لظل المسلمون في غیّھم وجھلھم یعمھون بتفاسیرھم السابقة.
تلك التفاسیر الدینیة العجیبة، جعلت الدین في مأزق حقا،ً فھي أما تنسف الدین بأكملھ، أو تجعل المؤمنین بھ مضطربین نفسیین
لعدم مقدرتھم على الإفصاح أو التكذیب أو التشكیك أو المساءلة فیھا، ولو أن المسلمین على وجھ الخصوص، تنازلوا وتجاوزوا
فكرة الإعجاز العلمي ھذا، لأسدوا لدینھم صنیعا عظیما،ً وبذلك سیكون الإسلام ھو الدین الوحید من الأدیان الإبراھیمیة الذي
یقدّس العلم ویقدّم العقل على النقل، على غرار المسیحیة والیھودیة التي تتشاركان مع الإسلام في ھذا، ولنا أن نتخیّل ماذا لو
توقّف البایولوجیین المسیحیین من البحث في جسد الإنسان وسبر أغواره وأكتشاف تفاصیلھ، فھل كنّا سنحضى بفرص التلقیح
والعلاج، وھل كان سیحضى من یواجھ مشاكل جنسیة فرصة بطفل أنابیب أو أجنةّ، أو كناّ نعلم شیئا عن الھندسة الوراثیة
والحمض النووي والخلایا الجذعیة.
وعلى ضوء ھذا الإعجاز المزعوم أیضا،ً أصبح التداوي بالكتب المقدسة من خلال التعویذات والرقى الشرعیة أمرا ملفتا،َ إذ أن
تلك الممارسات في البلدان الإ سلامیة على سبیل المثال، أصبحت أكثر من مجرد ظاھرة وحسب، بل أصبح لھا مراكز وعیادات
تصادق علیھا الحكومات في بعض الأحیان، وطال الأمر الإعلام أیضا،ً إذ أصبح لكل مركز أو معالج قناة فضائیة خاصة بھ،
وأعلانات تجاریة تدّعي علاج الكثیر من الأمراض المزمنة والمستعصیة حتى على الطب الحدیث، وأرى ضرورة الإلتفات إلى
أمرٍ مھم في ھذا السیاق، وھو أنني لا أقوم بإنكار القدرات التي یتمتع بھا أي نص مقدس أمام علاج مرضى مؤمنین بھ، فھنالك
حالات عجز الطب الحدیث عن علاجھا، ولكن تلك الحالات لا تطال الجانب البایولوجي، بل السایكولوجي وحسب، وفي حالات
معیّنة، فھنالك العدید من الأمراض لم تشفى بالقرآن، وھنالك شیوخ یعالجون الناس بالقرآن ویسافرون للخارج للعلاج بعد فشل
العلاج القرآني، وربما أفضل مثال على ھذا ھو ما انتجھ المخرج الألماني دانییل ستام في فیلمھ الشھیر ” طرد الأرواح الشریرة”
والذي یظھر فیھ المعالج بأن المریض یمكن أن یستجیب للعلاج وإن كان كلھ كذب، حیث قام بتركیب أصوات مخیفة وأجھزة
تخرج الدخان من أجل إقناع المریض بأنھ یخاطب الأرواح الشریرة التي بداخلھ ومن ثم تنتھي مرحلة العلاج بنجاح ملفت،
ورضى تام من المریض.
ما یمارسھ الكثیر من الدجالین وا لمشعوذین في الأوطان الإسلامیة عند مرضاھم المعتقدین بأنھم مصابین بمس شیطاني أو حسد
أو سحر وعلاج بالنصوص المقدسة ھو فعّالٌ سیكولوجیّا،ً متى ما توھّم المریض بالمرض الروحي ومتى ما استطاع المعالج
أثبات أن المرض قد أنتھ ى.
أحد السبل التي یقوم بھا الأطباء الیوم في بعض الدول الغربیة كألمانیا لأستعادة التوازن العقلي في مرضى الجلطات الدماغیة
مثلا ھي مرحلة إعادة التأھیل والتي یقوم فیھا الطبیب بعدة طرق لعل أبرزھا ھي مرحلة العلاج بالموسیقى، وكما ھو معروف
فإن الموسیقى تساعد على تنشیط الأندروفینات التي ترتبط بالأحساس العاطفي والعصبي، وھو ما یثبت أن العلاج بالنصوص
المقدسة لا یعود سببھ إلى التأثیر السحري للألفاظ وإنما إلى الوضع السیكولوجي للمریض نفسھ، فقراءة سورة الناس لن تستطیع
أن تزیح عنك الرھبة من الظلام طالما أنك تعاني منھا.
بالعودة إلى الآیة (وَننَُزِّل مِنْ الْقرُْآن مَ ا ھُوَ شِفَاء وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِینَ) ، والآیة (یَا أیَُّھَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ
لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَھدًُى وَرَحْمَة لِّلْمُؤْمِنیِنَ) والآیة (قلُْ ھُوَ لِلذَِّینَ آمَنوُا ھدًُى وَشِفَاءٌ ) واللاتي یستند علیھا الكثیر من مدّعي الشفاء
بالقرآن وبأعجازه؛ فإن ابن كثیر في تفسیره للآیة الأولى یخالف المفھوم السائد والمعتاد للمسلمین، أي أنھ یرى أن القرآن یذھب
ما في الصدور من شك ونفاق وشرك وزیغ ومیل، وھو صحیح إذا ما ربطنا الآیة بسبب نزولھا، وكذلك ھو الحال عند الطبر ي
الذي یفسر الآیة الثانیة بخلاف ما یظنھ الكثیر من المؤمنین أیضا،ً أي أنھ یرى أن شفاء ما في الصدور ھو الشفاء من الجھل.
كما أن الآیة الأخیرة یمكننا فھمھا بالشكل الصحیح وبیسر لو أن المعالجین لا یوھمون الناس ویقتطعون الآیات لتكون دعایة
للعلاج، إذ أن ھذا الجزء من الآیة “قلُْ ھُوَ لِلذَِّینَ آمَنوُا ھدًُى وَشِفَاءٌ ” جملة معطوفة الفھم على ما ھو قبلھا، أي أنھا تتحدث عن
قضیة مختلفة؛ وھي ما لو كان القرآن عربیأّ أم أعجمیاّ،ً وتبینّ مدى بیان الآیات وحسب، ولیس شفاءًا للامراض كما یدعي
الكثیرو ن.
ھذا الدجل لیس ولیدا أ و حصرا على الإسلام من بین كل المؤمنین بالأدیان، بل ھو مشترك في كل مكان في العالم عند أولئك
المدعین بأمتلاكم الخوارق والشفاء الروحي والتخاطر الذھني من خلال ألاعیب سحریة وحیل مدروسة، ولعل المبشر الأمریكي
بیتر بوبوف ھو أكثر الشخصیات شھرة والتي أدعت ذلك في ثمانینات القرن الماضي، حتى وصل بھ الامر إلى قیامھ بعروض
مباشرة أمام الجمھور یثبت فیھا صحة ما یدّعیھ من تخاطر وعلاج نفسي وروحاني حال، ومعرفتھ بالضحیة التي أمامھ، حتى
أكتشفت ألاعیبھ وحیلھ فیما بعد وأتضح أنھ كان یستعین بزوجتھ الموجودة بین الحضور والتي كانت تقوم بتزویده ببیانات
وتفاصیل عن المریض الذي أمامھ من خلال جھاز خاص وسماعات لاسلكیة مخفیّة في أذنھ، في حین أنھ كان یتظاھر طوال
الوقت وأمام الملأ بأنھ یستحضر المعلومات بمساعدة قوى روحانیة. ھؤلاء الدجالین وإن كانوا یریحون الناس نفسیا من خلال
الإدعاء بأنھم تعالجوا من ما یظنون أنھم یعانون منھ؛ إلا أنھ بكل تأكید لیسوا سوى مخادعین لھم یضیعّون أوقاتھم وفرصھم في
الحصول على علاج حقیقي لمشاكلھم من خلال أبتزازھم مالیا ومطالباتھم المجنونة والتي تصل في بعض الأحیان إلى الضرب
أو التحرش الجنسي، العلاج بالكذب فعّال جدا لمن یعاني من حالة نفسیة، ولھذا یلجأ بعض الأطباء عندما یواجھون مراجعا لھم
یظن نفسھ بأنھ مریض، یلجؤون إلى أعطاءه حقنة لا تحتوي إلاّ على الماء وحسب، ویخرج المریض مرتاحا نفسیّا وشاكرا ومادحا للطبیب. قلیلٌ من العقل یكف ي.
فعندما یظھر في التلفاز أحد المشایخ متحدثا عن الإعجاز العلمي في القرآن ویتحدثون بثقة مفرطة ملیئة بالجزم القاطع وأدوات
التحدي والمبارزة، نقف في حیرة من أمرھم، فھناك مشكلة جوھریة في ھذا الطرح المثقوب، سوآءا أكان أعجازا علمیا أو عددیا
أو أي نوعٍ آخر، فھذا الطرح لا یرقى أن یكون دلیلا على وجود لله أ و صحة دیانة ما. فأي باحثٍ في ھذا الأمر- الإعجاز- یقوم
بالنظر إلى نص القرآن ثم یبحث في أحد الظواھر الطبیعیة ومتى ما كان مطابقا لھ أو مشابھا في الشكل أو المضمون قال أنھ
الدلیل!
بقي أن نسأل سؤالا أخیر: لماذا لا یتحدث ھؤلاء في برامجھم ومقابلاتھم مع العقلاني أو الملحد أو على أقل تقدیر مع معتزلي؟
السبب بسیط جدا برأیي؛ وھو أن لغة المشاعر والعواطف والمغالطات الكلامیة والمماحكات وكمیة العطب في حدیثھم، علاوة
على ذلك، أسالیب التأویل وألاعیب اللغة كلھا ألعاب بھلوانیة صبیانیة لا مجال لاستخدامھا مع ھؤلاء! فھم بكل بساطة یتحدثون
من المؤمن [الأنموذجي] حتى لا یخسروا لقمة عیشھم، فالتجارة بالجھل والدجل تجارتھم ومصدر رزقھم.
الدجل الدیني یظھر في شكلٍ آخر أیضا،ً إذ یزعم البعض أنّك لو أدعیتَ بعدم أعجاز القرآن – لغویاّ – بأدواتٍ علمیّة ووضع
القرآن في كفة، والتراث العربي الآخر ف ي كفة أخرى؛ بأنّك تخرج عن بوتقة الدین، وبالرغم من المحاججات البشعة التي
یستخدمھا المؤمن كالمغالطات المنطقیة والمحاججة بالجھل، إلاّ أنھم یقعون ضحیّة لإشكالیة أخرى، إذ أن المعتزلة قد سلّموا بذلك
منذ قرون خلت، بل سلّموا بأن الأعجاز القرآني یتشكّل في استحالة تألیف مثلھ، وقد سموه “الصرفة” لا كونھِ معجزا،ً رغم أن
رأي القبانجي في كون أن القرآن معجزة وجدانیّة وحسب أكثر قبولا،ً حتى لا یقع في حرجٍ ومأزق كالذي وقع فیھ مفسرو القرآن
في ما مضى، خصوصا من أدعى بالإعجاز العلمي، ظناّ منھم أنھم یسدون للإسلام صنیعا؛ً وفي الحقیقة أنھم یفتحونُ أبوابا من
التساؤلات البدیھیّة أھمّھا: ھل أوجد لله القرآن كشفرة لا یفكھا المسلمون إلاّ عبر قرون عدیدة وعلى دفعات؟ ھل مرَّ القرآن على
النبي وأصًحابھ دون فھم منھم؟ ھل أصًبح المسلمون یرددون القرآن تردید الببغاء؟ أسئلة مشروعة وبدیھیةّ لا مناص من الھروب
منھا إن سلّمنا بإعجاز القرآن العلمي واللغوي.
المعتزلة یستحون الإحترام في موقفھم ھذا، لأمانتھم قبل كل شيء، ومن جھة أخرى، فإن الإدعاء بإعجاز القرآن البلاغي، ولا
أحد یختلف على بلاغتھ، أدعاء لا یصح لحجیتّھ الضعیفة جدا،ً فالمسلمون یدّعون بأن العرب لم تأتي بمثلھ، وذلك ما لا یمكن
أثباتھ، أي أن التاریخ سطّره المسلمون، فما من منھجیة أو موضوعیّة في الشھادة بتلك الحجة، علاوة على ذلك، فأن المسلمون
أیضا یستخدمون دیالكتیكا قذرا ومماحكة لا طائل منھا في رمي الحجة، إذ یرمون عبء الإثبات على المتلقي، في حین أن القاعدة
الأصولیّة تقول: أن البیّنة على من أدعى، فھم یستخدمون ھذا النوع البشع من المحاججة في كثیر من الأمور العقائدیة فقط
للھروب من الإجابة والمساءلة، فمثلا یحاول أن یرّجح كفة الحوار بقولھِ: لله موجود فأثبت أنھ غیر موجود، الرسول عرج إلى
السماء فأثبت أنھ لم یعرج..إل خ.
القرآن نصٌّ أبداعي، تلك حجّة مقبولة، فما من شيء یطابق النص القرآني، كما أنّھ لا شيء یطابق شعر أبو نواس أو إلیاذة
ھومیروس، فالنصوص تختلف، ویختلف مستوى أبداعھا اللغوي والبلاغي والشعري والموسیقي والوجداني، والمدارس الإسلامیة
التجدیدیة لحسن الحظ دحضت كل تلك الخزعبلات التي أتوا بھا الأولین، فالإدعاء بتلك الإعجازات لھُو تحجیم للقرآن وتقوّلا علیھ.
الأديان بين النقد والسخرية
كثیرا ما نرى صورا لجمع غفیر من المسلمین وھم یحرقون مبنى صحیفة أو سفارة أو یعادون ویتوعّدون صحفي أو كاتب أو
رسام أو یقاطعون بلادا بأكملھا لتعبیرھم عن استیاءھم لفعل ما بدر منھم كإھانة لمقدساتھم مدّعین باستھداف ملیار ونصف مسلم
من خلال تلك الأفعال كرسمة كاریكاتور مثلا،ً ولكن وجب قبل كل شيء تعریف ماذا یقصد المسلمون بإھانة المقدسات؟ فإھانة
المقدسات عند المسلمین ھي أن یقوم فرد ما باحتقار طقوسھم وشتم شخصیات دینھم والسخریة من ملابسھم ومعتقداتھم، وكل
ھذا أما بمقال نقدي لاذع أو رسمة كاریكاتوریة ساخرة توصف مشھدا ما بشكل مستفز، أو التصریح بحقائق أو أراء تسيء
لدینھم، ولكن؛ ھل یكیل المسلمون في ھذا الدلو بمكیالین، أم أنھم لا یسیئون في الحقیقة لأیة أدیان أخرى تتبّعھا شعوب العالم.
المسلمون یصفون الیھود بالقردة والخنازیر، ویدّعون بأن التوراة والإنجیل محرفان، وأنھما یدعوان للانحلال الأخلاقي والفجور
والرذیلة، المسلمون یسخرون من عابدي البقر، ویزدرون عبدة الأوثان في الدیانات الوضعیة كما یسمونھا، ولا یعترفون بأي
مقدسات للأخرین، بل یستمتعون بإقصائھا واستحقارھا واستھجان المنتمین لھا. أما حریة التعبیر لدیھم، فھي أن تتحدّث وتنتقد
كل شيء إلا مقدساتھم، فحریة التعبیر لا تطال دینھم، ولو حدث لأعتبر ذلك مساسا بمقدساتھم وثوابتھم، فحریة التعبیر لدیھ تكفل
لھ التعبیر بما یشاء بمعتقدات الآخرین، أما العبث بدینھ فھو أمرٌ یعدّه من قبیل السخریة والاستھداف والمؤامرة، ولھذا فلا عجب
أن نرى ملایین النشرات الرسومیة التي تنتقد تعالیم الإنجیل في الغرب والذي تكفّلت الدساتیر بحمایتھا، ونرى جمعا غفیرا من
المسلمین في الشوارع لو أن ورقة واحدة سقطت سھوا من قبل رسام غیر معروف ومن قبل صحیفة لا یعرفھا أحد ویتحوّل إلى
أحد أكبر المشاھیر في عشیّة وضحاھا نتیجة لمشاعر مجروحة انتشرت في العواصم الإسلامیة
تصادر الدول الإسلامیة حریات الأجانب في عواصمھا وتمنعھم من استخدام بعض الشوارع وتنھاھم عن لبس بعض الملابس
وتحرم علیھم دخول بعض المباني وتمنعھم من الاحتفال بأعیادھم ونشر معتقداتھم وكتبھم في الأراضي الإسلامیة، أ ولیس المسلم
في الحقیقة لا یعلم أي شيء عن حقوق الإنسان إلا في جوانتانامو ولا یطالب بحریة الاعتقاد إلاّ إذا عمل في بلاد الكفر طالبا من
جھة عملھ أن تمنحھ إجازة العید.
تتذرّع السلطات في الأوطان الإسلامیة بإقصاء أي نشاط ساخر من خلال التحجّج بالخطوط الحمراء القیم والتقالید والمقدسات
والسیادة الوطنیة، وبالتالي فأي نقد موجّھ لھا تعتبره انتقاص لتلك الرموز والمساس بھیبة وسیادة الدولة والمواطنة والمقدّس،
وبالتالي فقیام الدولة بالھجوم على المنتقد من خلال تشویھ صورتھ وأھدافھ من النقد كالادعاء بأنھ یخل بأن الدولة والمجتمع
ویدعو للانحلال وینتھك القیم والأعراف، باستخدام مصطلحات فضفاضة ومائعة كخدش الحیاء العام أو الإخلال بالنظام العام أو
النیل من ھیبة الدولة، أو قذف الذات الإلھیة أو الإساءة للمقدسا ت.
وعلیھ فإننا لو صادقنا للحكومات العربیة والاسلامیة في مثل ھذه التذرعات؛ فإنھ على الناقد والساخر أن یقوم باستفتاء في أي
موضوع یود كتابتھ أو رسمة یود رسمھا أو مسرحیة یود إخراجھا من أجل التأكد من انطباعات الأفراد ورأیھم في ھذا الأمر،
ثم التأكد ما إذا كان ھذا الموضوع یسيء لھ بشكل شخصي أو یجرح مقدساتھ ومعتقده، وعلیھ فأن الكاتب علیھ أن یخاطب كافة
الشعب فردا فردا قبل أي نقد، ولھذا فما دام الكاتب یجب علیھ أن یراعي مشاعر الناس عند أي نقد؛ فأعتقد أن النقد یفقد فاعلیتّھ
وغیر مثمر، فالمقدّس المتخبئ خلف غیره في المعركة سیظھر بمظھر العاجز عن الدفاع والذود عن نفسھ، من خلال قوانین
المنع والمصادرة.
إن تھمة الإساءة للمقدسات وازدراء الأدیان تھمة لا وجود لھا الیوم في كافة دساتیر العالم الغربي سوى العالم الإسلامي، وتلك
الممارسات لیست ولیدة الدولة الحدیثة، بل ھي إرھاصات الدولة الإسلامیة الخلافیة، إذ قامت الخلافة الراشدة والعباسیة والأمویة
بعدة إعدامات ومشانق ورجم وسجن وسحل للعدید من ناقدي الإسلام أو حتى من یحمل فكرا مخالفا في التفسیر أو التأویل السائد
حینھا.
ما من أحد یثیره تجاوز تلك الحدود الحمراء التي صنعھا بنفسھ أكثر من المتدینّین، ویرجع ذلك إلى النرجسیة وحب الذات، فھو
كالطفل المدلل الذي لا یرغب أ ن ینقد في شيء فھم كمثل القائل: أضع معك عھدا یجعل كل غرم علیك وكل غنم لي، وأراعي
ھذا العھد ما راقني وتراعیھ ما راقني ، في حین أن المسلمین أنفسھم ینتقدون بعضھم نقدا ساخرا وغیر موضوعي؛ فالشیعي
یسخر من فتاوي السنّي كفتوى إرضاع الكبیر التي أطلقھا علماء الأزھر وجھاد النكاح الذي انتشرت في المنابر الإسلامیة بعد
الربیع العربي، ومن جھة أخرى فالسنّة یسخرون من الشیعي ومن فكرة العصمة والخمس والإمام المتخفي في السرداب والتطبیر
وزواج المتعة، بید أن ھذا النقد یراه المسلمون فیما بینھم، لذا لا یثیر غضبھم كما لو قام یھودي بالسخریة من تعالیم دینھم، وھنا
تكمن النرجسیات القاتلة
أولم یقل لله في القرآن (ولله یستھزئ بھم) أولیس القرآن مليء بالأوصاف التي تصف المسیحیین والیھود بالقردة والخنازیر
والأنعام والحمیر والكلاب، أوما قال لله على لسان محمد في القرآن أیضا (إنما أنا بشر مثلكم)، فإن كان النبي محمّد بشر
وشخصیة عامة، فھل یوجد في العالم الیوم شخصیة عامة لیست محل نقد أو سخریة أو تجریح، بالمقابل، ھل سیخسر المسلمون
شیئا لو كان النقد مجرد نقدٍ ساخر لا ھدف منھ إلا التقلیل والازدراء، وأما النقد الساخر فھو یصب في مصلحة المسلمین نظرا لانعدام بیئة نقدیة في فضاء الإسلام، فالفكرة كفیلة بالدفاع عن نفسھا، تستمد قوتھا من كثرة المنتمین لھا وطول صمودھا، ولھذا
فلا نرى من یتشنّج نظیر نقدٍ طال غاندي أو صلعتھ أو نظارتھ أو ملابسھ، كذلك ھو الحال عند ماركس مؤسس الماركسیة، فلا
یعقل أن یستاء الماركسیین إذا ما سخر أحدھم من لحیة ماركس، فھذا الجنون عینھ.
الحقیقة أن السیل الجارف من الغضب الذي نراه في العواصم الإسلامیة نتیجة رسمة ساخرة أو فیلم یسيء إلى الإسلام أو أحد
رموزه ما ھو إلاّ انفعال وغضب زائف، فالنكتة الدینیة ھي أكثر النكات رواجا واستجلابا للضحك، والتي تنتشر عادة بین الشباب
المسلمین، ولا نرى أي انفعالات ضد من قالھا، ولا نرى غضب من قبل المستمعین إلیھا، وھو ما یفسر زیف كل تلك الانفعالات،
وھو ما یؤكد أیضا أن تلك الشوارع الغاضبة والمخرّبة والمتوعّدة ما ھي إلاّ فرصة یستغلھا المتشددون لتوظیفھا في معركتھم
ضد الفكر
.
بسّام علي
الأخلاق بين التشريع الإلهي والإنساني – الجزء الرابع
عودة إلى سؤال أخیر؛ ھل یحتاج الإنسان إلى تعالیم الدین لیكونَ ذو أخلاقٍ رفیعة؟ الإجابة على السؤال (بالإیجاب) تفرِضُ علینا
القول: أن العالم ما زال ملیئا بكل أنواع الجرائم التي لیست مرشحة للإنتھاء في ظل وجود 84 % من العالم متدینّین ، والأمر لا
یختلف كثیرا،ً فذھابنا للسجون وطرح الأسئلة للمساجین سیتضح أن النسبة الساحقة من المساجین مؤمنین. لا بد من وجود مشكلة
ما.
الأدیان بشكلٍ عام، وقیمھا الأخلاقیة بالتحدید، توشك على الإنقراض، لسببین رئیسیین، الأول كونھا غیر قابلة للتطور، والأمر
الآخر، التحدیات والبدائل التي تھدد وجودھا، ولنأخذ مفھوم الأنتخاب الطبیعي كمثال حي وعملیة البقاء للأصلح كفھوم سسیولوجي
ولیس بیولوجي، إذ نجد أن الأدیان الباقیة حتى الآن، ھي مارست نوعا من الأصطفاء الطبیعي، فالمسیحیةّ مثلا رفضت بعض
الممارسات التي كانت تمارسھا الوثیةّ في ما مضى كالأضاحي والقرابین؛ مما جعلھا مستمرّة إلى الآن لقبولھا من منتسبیھا، وھو
الأمر أیضا عند الإسلام حینما أنكر العبودیة التي مارستھا المسیحیّة والیھودیة، مما جعل فرصتھا للبقاء أكثر من غیرھا، ولنا
في الدیانات القدیمة عبرة في أنقراضھ ا
الدیانات تمارس ھذا النوع من الأصطفاء الطبیعي من خلال تبني بعض المفاھیم الجدیدة، فلو أنَّ الدیانتین المسیحیةّ والیھودیة لم
تتخطى مفاھیم العبودیة التي نظّمھا العھد القدیم والجدید، لكانت فرصتھا للبقاء أقل من الآن ولھذا فھي – المسیحیةّ – أكثر دیانة
متبّعة في العالم. وھو ما سیحدث لباقي الدیانات إذا ما رفضت التغییر وفقا لمقتضیات العصر الأمر الذي سیھدد بقاءھا كنتیجة
حتمیة.
وبما أنَّ المجتمعات تتطور، فمن البداھة أن تتغیر المعاییر الأخلاقیة من حین وآخر، فما كان مقبولا في ما مضى ومن وجود
النص؛ سیصبح مذموما في المستقبل، فالمجتمع كفیلٍ في مكافأة أي دینٍ ما عن طریق بقاءه أو أقصاءه من المجموعة بناءا على
الممارسات الدینیة التي یراھا المجتمع أنّھا لا تتناسب معھ، مع ضرورة الإلتفات إلى أمرٍ معیّن: وھو أن العنصریة التي غالبا ما
یمكن القول أنھا جاءت والیھودیة؛ ھي أمر مستحدث على الطبیعة ذاتھا، فما من كائنات تمارس العنصریّة غیر الإنسان الذي
أراد بطریقة ما أن ینصّف ویمیّز نفسھ عن غیره؛ مع أن الحقیقة أن البشر متطابقون في كلَّ شيء، الأسود والأبیض على حدٍّ
سواء، والسبب یمكن في كون الأدیان لا تقدّم نظاما مرنا یتغیرّ بشكلٍ تناسبي مع التطور الحضاري؛ بل أخذت قیم ا أخلاقیةّ
وأدعت أنھا تناسب كل الأزمة والأمكنة، بید أننّا لا یمكننا الجزم في كون أن یھودي تل أبیب في القرن الواحد والعشرین ھو
یھودي موسى في العھد القدیم سیما أن الوصایا العشر في ذاتھا تخالف كل ما یتمیزّ فیھ الیھود الیوم من تقدّم عمراني وتكنولوجي
وعلمي وفلكي، فدعونا لا ننسى أن الوصیة الثانیة تنھى عن إنشاء التماثیل والنحوتات والصور، علاوة على أنھا تنھى الیھود
من أخذ صورة فوتوغرافیة للسما ء.
11:2 ) من سفر الخروج سبب العنف الذي یمارسھ الیھود في العالم كلھ على من یعادي بني ملتّھم، حیث – ربما تفسّر الآیة ( 12
یذكر العھد القدیم واقعة تجعل من الیھود فخورین بأي عمل عدواني تجاه الغیر، إذ تنصَّ الآیة: ” وحدث في تلك الأیام لما كبر
موسى أنّھ خرج إلى أخوتھ لینظر في أثقالھم، فرأى رجلا مصریّا یضرب رجلا عبرانیّا من أخوتھ. فألتفت إلى ھنا وھناك ورأى
أن لیس أحد فقتل المصري وطمر ه في الرمل”. والأمر لا یختلف كثیرا في سبب العنصریةّ الیھودیة تجاه شعوب الأدیان الأخرى،
3:یذكر على لسان یھوه ” واضرب مصر بكل عجائبي التي أصنع فیھا وبعد ذلك یطلقكم” ) 18- فسفر التكوین في الآیات ( 22
ویختم بقولھ: “وتسلبون المصریین”. ثم دعونا لا ننسى أن العھد القدیم یذكر أیضا وقائع عدیدة في سفر الخروج تسرد فیھا وقوف
یھوه كالمحارب لبني اسرائیل من خلال قتل الإبن البكر للفرعون ومن خلال آیات الدمامل والبثور والبرد والنار والجراد ثم في
الأخیر المجزرة النھائیة وھي عبور الموت على أبواب أتباع یھوه بسلام وقتلھ للمصریین وأنتھى الأمر بعد الإبادة الجماعیة بأن
یذكر بأن الیھود سلبوا المصریین الأمتعة والذھب والثیاب ، ولا یمكن انكار أن تلك النصوص جعلت من تلك الممارسات أفعال
مقبولة طالما قام بھا یھوه بنفسھ لإنقاذ شعبھ؛ الأمر الذي یفسر الیوم قیام الیھود بنفس الممارسات والإنتھاكات للشعوب الأخرى.
كما أنَّ سفر التثنیة لا یخلو من الآیات التي تأمر الیھود بحرق تماثیل الشعوب الأخرى وطردھم وقتل كل من یزعم أنّھ نبي أو
أي أحد یتبّع إلھ غیر یھوه ، والرجم حتى الموت واحتلال بیت إیل وتخریب المدینة . بل أنَّ یھوه یظھر في العھد القدیم كإلھٍ
غاضب یأمرھم بأن لا یقطعوا عھدا مع سكان الأرض وھدم مذابحھم.
في الاخیر، یھمنا لفت الإنتباء إلى أمرٍ ھام أیضا،ً فالنص الیھودي قد أعتدى على حریّة الرأي والإعتقاد كما ھو مبیّن في سفر
العدد، وھو أیضا – السفر ذاتھ – من أمَرَ الناس برجم من یقوم بالعمل في یوم السبت ولا یحترم قدسیّتھ، والأمر الملفت للنظر؛
أن الیھود تخطّوا الوصیّة الرابعة التي تنھاھم عن العمل بیوم السبت؛ لدواعٍ أقتصادیّة بلا شك، وفي المقابل، فھم شددوا على تلك
التعالیم (الوقائع) الآنفة الذكر التي من شأنھا أن توسّع أستیطانھم واحتلالھم لأراض الغیر؛ بمبارك ة ربانیةّ كما یدّعون، والأمر
الأكثر إدھاشا أنھّم أیضا یستخدمون الآیات في العھد القدیم الیوم والتي تذكر معاناتھم واضطھادھم في ما مضى لتبریر كل فعلٍ
مستقبلي مشابھٍ تجاه الغیر. فمن السھل جدّا أن ترى یھودیّا یبكي على وقائع مرَّت علیھا عقود قدیمة لتبریر أفعالھ والخروج من
موقف الإدانة إلى موقف التعاطفٍ الدولي. فلا أحد یفھم كیف یحق للیھود الیوم مقاضاة الشعب الألماني على جریمة لم یرتبكھا
الجیل الحالي ولم تلطخ أیدیھم بدماء الیھود ولم تكن – الجریمة – حتىّ من نتاج مخیّلتھم، تماما كشعور المسلمین في الأقطار
الشیعیة بالذنب في دم الحسین. المقارنة لا یمكن انكارھا بلا شك.
بالأخیر، جرّب أن تقول لصدیقك أنني سأخرج من المنزل لقتل شخص ما، ولاحظ ردات فعلھ واستنكاره للموقف وتجریمھ
ووصفھ بأنھ عمل جنوني، في المقابل جرّب أن تضیف جملة: أنني أقوم بھذا لأنھ قام بشتم یسوع أو العذراء أو لأنھ مرتدٌ أو لأنھ
لم یحفظ قدسیّة یوم السبت؛ سترى بكل تأكید التغییر في الملامح والموقف؛ فمن موقف استنكار إلى موقف القبول والتبریر وربما
التشجیع. فوضع تلك الإستثناءات ومبدأ “الضرورات تبیح المحظورات” ھي ما یجعل كسر القیم الأخلاقیة مبررا ومفھوما،ً وإلاّ
فكیف نفسر قتل رجلٍ شتم شخصیة تاریخیة مقدسة أنتھت من الوجود ویصبح القتل عدالة مطلقة، بلا شك أنَّ أكثر الناس إلتزاما بالتعالیم الدینیة ھم أكثرھم تجاوزا للقیم الأخلاقیة السائدة الیوم، فالمؤمن تھّمھ الغایة بغض النظر على الوسیلة المیكافیلیة، فموقف
المؤمن تجاه أھداف دینھ ھو تماما كالوصف الذي وصفھ موتنسیكیو للطاغیة: أن تقطع الشجرة من أجل أن تقطف ثمارھا
.
التشابه بين الأطراف المتصارعة
تاريخ الأديان التوحيدية مليء بالصراعات، بين بعضها أو مع غيرها ممّن يقعون خارج التقليد الإبراهيمي، هناك يقف المتتّبع أمام أمرين: إمّا تأكيد الفجوة من خلال التركيز على اختلاف المضامين والمحتويات، فيلخّص المشهد من خلال تبيان المسافة اللاهوتية بينهما، أو الآخر: ذلك الذي يحاول تجسير الهوّة من خلال البحث داخل الأديان الثلاثة عن نقطة التقاء ومواضع تشابه في الغاية الوجودية مع القريب الآخر. فالتشابه بين الأطراف المتصارعة دليلاً على عمق الاتفاق بينهما، والخلاف الظاهر ما هو إلّا محاولة يائسة – ودؤوبة في الوقت ذاته – لإخفاء حجم التشابه في مستوى البنية الفكرية العميقة. وربما أيضاً منهجية التفكير. فالجميع يتمسّك بخيريّته المطلقة، وامتلاكه للحقيقة، ويدّعي بأن العنف في كلا أشكاله: رمزيّاً أم ماديّاً ما هو إلّا أداة لفرض هذه الحقيقة.
الإيمان والعقل
حينما يقولُ لك القرآن بأن موسى قد فلق البحر حقّاً أو أن إبراهيم وعيسى قد نجَيَا من موتٍ وشيك أو أنَّ نوح قد حدَثَ وأنقذ الجنس البشري بطريقة ما؛ فإنّك تسّلم بالأمر – كمؤمن – وكأنّك تستطيع أن تثبت ذلك علميّاً، ولكنك لن تستطيع، في المقابل؛ فلو أن الحديث النبوي أخبركَ بأنَّ موسى قد لطم ملك الموت وفقأ عينه أو أن آدم قد وهب داوود ستين عاماً في عمره، أو أن عيسى سيعود ويقتل الخنزير ويكسر الصليب فإنك تبقى ما بين مصدّق ومشكّك.
ففي الحالة الأولى، لا يتطلّب الأمر منك سوى التسليم، أن تؤمن أو لا تؤمن، فالإيمان في الحالة الأولى كالإيمان بالله وملائكته ورسله، وفي الحالة الثانية لن يضيرك لو لم تؤمن به. فالإيمان بقتل الخنزير أو كسر الصليب لا يتساوى كحكم الصلاة أو الزكاة، وأن أي محاولة لحشر آية: “وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوه” في تنفيذ الأحاديث لهو محاولة جائرة بحق المشرّع الأوحد، إذ لا يُمكن اسقاطها على العموم، فلا أحد يستطيع أن يقول أن الآية الأخيرة لا تملك سوى معنىً واحد نزلت من أجله ولا يمكن أن تمتدَّ إلى كل شيء، فالآية قصدت: الفيء والغنائم.
قبل أعوام، قال لي صديق: عمر بن الخطاب هو أكثر الصحابة فهماً للقرآن ومقاصد التشريع. وقد أدركت حقيقة ذلك في ما بعد، فمن يُعطّل حداً من حدود الله بجرأة وإنسانية واسعة في الفهم والتطبيق والتجاهل في حالات أخرى لهو رجلٌ أقل ما يقال عنه أنه رجل حكيم، فأحكام الميراث مثلاً، أو كتأويل واسع للآية: يحفظونه من أمر الله، أو كتعطيلٍ للآية: فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن، أو كآيات الرق والعبيد والجواري والتي غلب (الحس الإنساني) في تعطيلها على (الأمر التشريعي).
من شكّل هذا التديّن السائد الذي نعيشه الآن والذي غلب عليه التفسير الظاهري (السلفيّة) هو من جعل المسلمين اليوم يعايشون الإغتراب الإيماني، والجفاف الروحاني، فقضية الإيمان بالنص القرآني قضية أن تؤمن أو لا، وخير دليل على ذلك هو أنّك مهما ضاقت بك السبل في تصديق واقعة ذكرها القرآن وحاولت عقلنتها؛ فإنه في الأخير يسّلم بها قلبك ويطمئن لها.
تذكر الروايات الإسلامية قصّة عظيمة في هذا النوع من التسليم، ففي واقعة بدر سأل ابن اسحاق الرسول: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا في أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فأجاب الرسول: بل هو الحرب والمكيدة، فقال ابن اسحاق: فأنهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال الرسول: لقد أشرت بالرأي.
الواقعة تثبت إدراكاً لماهيّة محمّد وموقعه في الإسلام، فالصحابة يدركون بأن ما محمّدٍ إلا رسول يبلّغ الرسالة، والرسالة هي الوحي القرآني، وهم يدركون أنَّ ما دون ذلك ليس سوى محمّد القائد والزوج والقاضي والبائع والرجل، فهو يخطئ ويصيب، مصداقاً للآية القرآنية : قل إنّما أنا بشر مثلكم. ولهذا فقد استأذن ابن اسحق الرسول في أن يوضح له ما إذا كان هذا رأي الله أو رأيه، وحينما أقر الرسول بأن ذلك رأيه، اشار عليه بأنه ليس على صواب فتجاوزه.
فالتصديق والإيمان لا يمكن إسقاطه على العقل في النص القرآني، إذ لا يمكن مساءلة القرآن ووضعه على كرسي التحقيق العلمي، فما من أحد يملك دليلاً على إيمانه سوى أن يؤمن بما يشاء ويطمئن إليه قلبه، أمّا ما دون ذلك؛ فقد سائل الصحابة النبي في فترة النبوّة والوحي والروح الأمين والمعجزات.
يحاول البعض أن يستغلَّ بعض الأحاديث النبويّة دونما تفريق بأن بعضها قيلَ لا ليكون حكماً وإنّما فتوى تقضي واقعة ما في زمن الرسول قد عرضت عليه، اليوم تتكاثر هذه الفئة لتتجاوز مقاصد التشريع والغاية من الأحاديث النبويّة والتي خرجت من إطارها الإنساني المحض لتصبح وبالاً على الإنسانية والدين، فالإفتاء في جوهره نوعاً من التألّه، أي أن المفتي يحاول أن يوهمنا بأنّه يعلم مزاج الله ويعلم ما يرضيه وما يغضبه وأنّه وحده دون غيره متصلٍ بشكل مباشر مع ربّه يعلمُهُ بأن ثلاجة في نهار رمضان يجب أن تغلق في وجه إنسانٍ ضعيف ينتّشُلُ قمامة أقرانه ولا ينتمي إلى دينه، احتراماً لطقوس رمضان واستبداداً في الإنسان. ثم أوجز عُمر: أمشناة كمشناة أهل الكتاب.
