..وعلى الرغمِ من إعجابي الشديدِ بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ؛ إلّا أنّني أتفقُ مع أحمد خريس في ترجمتهِ وقراءتهِ لمُقاربة فوكو للإسلام بأن لمْ تتّسمْ بذلكَ البُعد الأكاديمي ، بل بالضّحالةِ والسطحية ، وإذ أنّني لا أستغرِبُ ذلك ، وقد أجِدُني أبررُ الفشلَ أو عدَمِ الرّضى في مقاربتِهِ للإسلام ؛ فشوبنهور أيضاً لم يوفّق في غوصِهِ لتجربةِ الاستشراقِ هذه ، ويكمِنُ الخللُ في أنَّ هنالكَ ثمةُ معوقاتٍ تعترضُ مقاربة فوكو للإسلامِ كما اعترضتْ غيرهُ ، إنطلاقاً من السياقاتِ النصيةِ والتاريخية لقراءةٍ إسلاميةٍ شاملةٍ لمفهومِ فلسفةِ الإسلام ، لكنَّ التساؤلَ الذي وُجِبَ أن يُطرَح على الطاولةِ حولَ ماهيةِ تلكَ المعوقاتِ التي تواجهُ أي مستشرقٍ ومنظّر وقارئ للإسلام من منهجٍ جُغرافي مختلفٍ تماماً عمّا كان فيه ؟
وإذا ما أقمنا دراسة الحِوار الذي قدمهُ فوكو وتتبعهُ من خِلالِ الثورةِ الإيرانيةِ واعتِبارها وَميضاً للحداثة بمُعطىً شُمولي ، وأقمّنا حُجّة التشخيصِ والتقييم والتقدير ؛ لوَجدّنا أنَّ أولُ تلكَ المعوقاتِ هو كونُ الإسلامِ يمثلُ آخرية خارجية أو مُطْلقة بالنسبةِ إلى الثقافةِ الغربية ، على خِلافِ ما عرفتهُ الأخيرة من آخريةٍ داخلية ؛ فإن أُقصِيَ المجنونُ أو المريض العقلي أو المجرم جغرافياً ، وزجَّ بهم في مستشفى المجانين والمصحّاتِ العقليةِ وربما السجن ، فالغايةُ من ذلكَ هو إعادة هيكلتهمْ ليندّمِجوا ثقافيا ً واجتماعياً أو على الأقلّ للحدّ من آخريتهم.
أمّا ثاني تلكَ المعوقات فكَما أشارَ إليهِ إدوارد سَعيد في كونِ الحديثِ عن الّشرقِ لابُدّ وأنْ يفضي إلى مُماحكةِ المؤسَسة الإستشراقية التي يُوحي التفريقُ الذي أقامتهُ بينَ الشرقِ والغرب بتلكَ الثنائيات القائمة بينَ الخير والشر ، وبينَ المرْكزِ والهامش بصورةٍ تبدُو فيها هامشيةُ الهامشِ سبباً في التمكينِ لمركزيةِ المركز.
ويُمثّلُ ثالثُ المُعوقاتِ في كونِ مادة فوكو الوثائقية حولَ الإسلام بسيطةٌ جداً ومن جهةٍ أُخرى ؛ فإنَّ أكثرَ ما كان يُعيب الكاتب هو شوفينيّتهُ المُفرطة تِجاه المنْهج والمراجع الأكاديمية ، فعَلى الرّغمِ من غِنى مادتهِ الأكاديمية إلّا أنّها غَلُبتْ عليها المصادرُ الفرنسية الّتي جَعَلها الرَّكيزةَ الأساسية في بُحوثهِ وفي مقاربَتهِ للإسلامِ بشكلٍ خاص.
كما يُمثّلُ مفهوم ترادف السُلطة في الفكرِ الفرنسي الحديث رابعُ تلك المعوّقات ، فعَلى الرّغمِ من كونِ السُلطة لدى فوكو أكثرَ تعقيداً من المزاوجةِ بينها وبين الشر ، إلّا أنني أستغربُ أن ظلَّ شغوفاً بأنموذجِ الإنسانِ المنبوذِ الذي يُقلقُ الوحدةَ السَعيدة للدولةِ ويقضُّ من مضجَعِها ليلاً من خلالِ تلكَ النشاطاتِ اليساريةِ الثورية ، فحينَما يعجَبُ فوكو بالثورة الإيرانية ويجعَلُه السَبَبُ الأسَمى من إعجابهِ بالإسلام ، فإنَّ ذلكَ لخيرُ دليلٍ على ضحالةِ المنظورِ الأكاديمي لمفهومِ السُلطة والشر ، ولا يجوزُ أن تُجعَل مِعياراً أو مرْجَعاً كونياً .
تمتازُ دراسة ستوث بمحاولةِ الرَبطِ بينَ انشغالِ فوكو بالثورةِ الإسلاميةِ في إيران ونظريتهِ السياسيةِ كما ظهرت في كتابهِ “المراقبة والمعاقبة” ، إلّا أنهُ من المتوجبِ تبنّي منظورٌ أكثرَ ديناميّة في تثمينِ تأويلاتِ الإسلامِ غيرَ ذلكَ الجُهدِ الذي قامَ بهِ فوكو من خِلالِ إرسالهِ لتلكَ التقاريرِ الصَحَفيةِ من إيران كشاهدِ عَيان ، حيثُ أنَّ عملاً كهذا أخرج فوكو من سِياقِ النُصوصِ الفلسفيةِ المألوفةِ وتحوّلَ إلى عملٍ يثيرُ الفضولَ والتساؤل. تلكَ الخِطاباتِ والمُراسلاتِ الصَحَفيةِ الفلسفية ليستْ مُلحقاً صَحفياً وحسب ، وإنّما نتاجٌ لخطابٍ فلسفي عبْرَ الصَحافةِ تفرَّدَ بها فوكو تَماماً كتلكَ النصوص التي قدّمها لدراستهِ لنصّ كانط في كتابهِ “ما هو التنوير”
ما هو واضحٌ أبانَ الثورةِ الإيرانيةِ أنَّ فوكو رغمَ إعجابِهِ الشَّديدِ بِها إلَّا أنّهُ بَدى متردّداً في تثمينهِ للدورِ الذي لعبهُ الإسلام في إنبعاثِ الروحيةِ السياسيةِ رغمَ إيمانِهِ بأنَّ الإسلام قدْ شكَّلَ ذاتيةٍ متفرّدَةٍ خلّاقةٍ على خِلافِ النظرةِ التقليديةِ للاستشراق الكلاسيكي. إلّا أنَّ السُؤال الذي كانَ يُطرحُ دوماً من المستشرقين التقليديين أبّان الثورةِ الإيرانية – على سبيلِ المثال – :هل كانَ الإسلامُ يمثلُ تقليداً راسِخاً في مقاومتهِ للطغُيان ، أم أنهُ مصدرٌ ليوتيوبيا حازمة ومُتطلعة؟ فوكو كانَ حذراً جداً من إثارة سؤال كهَذا عبرَ ثنائية الحداثةِ والتقليد ، وما يستدعيهِ ذلكَ بديهيّاً من إحتدامٍ وتوترٍ سياسي
قد يكونُ منطقياً جداً إن رأى فوكو وميضاً للحداثةِ من خلالِ الثورةِ الإيرانيةِ خُصوصاً بتعريفهِ المتعاطفِ للثورةِ بشكلٍ عام يحتّمُ على كونِهِ قد أعْجِبَ بِما يدورُ في طياتها مُتجاهلاً جانباً آخرَ مُظلم ، فتعريفهِ للثورةِ بأنَّها ” نُهوض أمةٍ بأكملها ضد أي سُلطة تضطهدها” لهوَ تعريفٌ كلاسيكي لا يتماشى مع نصوصهِ الحداثيّة بتاتاً ، كما أن شغفهُ بالثورةِ قد جعلهُ يتجاهل واقعاً مأساوياً لا يمدُّ للحداثةِ وللثورةِ وللديموقراطيةِ بصلةٍ على الإطلاق ، فحِينما يُبذِلُ فوكو جُهداً كبيراً في تغطيةِ الثورةِ ويُظهرُ مدى إعجابهُ بها متجاهلاً أن ثورةٍ كتلكْ لم تَكن تُطيحُ بنظامٍ وإنَّما هي مرحلةُ تناقلِ شخوصٍ فقط ، فالهيئة المحيّرة للزَعيم الرُوحي الموقَّر وهوَ يتوسّطُ المنصّة ، والجُموع تهْتِفُ بإسمهِ بإعتبارهِ مُحررها وحامي حماها ، في حين أنهُ كانَ قابعاً لأكثر من عقدٍ في مُحيطهِ الباريسي وشعبهِ يُعوّلُ عليهِ في تأسيسِ إمبراطوريةِ كسْرى بمُقوّماتٍ إسلامية
لم يكُن فوكو ليفهَمَ الدور الذي لعبهُ الإسلام في يقظةِ الروح هذه ، فجّل إعجابهُ كانَ من منظورٍ حداثي في كونِ شعبٍ قدْ ثارَ ضدَّ الطغيان ، إلَّا أنهُ قدْ أنصَفَ الثورة الإيرانية من توجّهٍ حداثي مُختلف تماماً عن السِياق الإسلامي لمقاربتهِ ، نقرأ : “نشأتْ بِلادُ الفُرسِ من فجرِ التاريخ ، ثمَّ أستودَعت الإسلامُ مناهجَها الخاصةِ ، وعمَلَ إداريّوها كوادراً للخلافةِ الإسلامية ، ومِن الإسلامِ نفسهِ أستخلصتْ ديناً مَنَحَ مُعتنقيهِ مواردَ غامضةٍ لمقاومةِ سلطةِ الدولة ، فهلْ يتوجبُ علينا أن نرى عبرَ نشدانِ حكومةٍ إسلاميةٍ تصالحاً أو تناقضاً أم أننا على أعتابِ تحديث ما؟”
