نقد الأديان بين البداهة والفطرة

لطالما اعتقد المؤمنون وعلى مر العصور ببديهيات بعض الأمور وفطرية بعض الأشياء التي لا يستدعي التثبت منها أو حتى نقدها، ولهذا كان محروما على الناس إعادة التفكير فيها، بل أن إعادة التفكير فيها يستدعي الضحك والسخرية في بعض الأحيان، فأن يقول عالم أركيولوجي بأن عمر الحضارة يتجاوز عشرة آلاف عام فإن الخبر مضحك ومدعاة للسخرية في ما مضى، وأن يقول عالم كزمولوجي بأن عمر الكون يتجاوز ملايين السنوات فإن تلك دعابة هستيرية للبعض، أما في أسوء الأحوال؛ فإن تلك التصريحات قد تؤدي إلى قتله وهلاكه كما حدث في القرون الوسطى في أوروبا قبيل عصر النهضة يوم أن أزاح نيوتن وكوبرنيكوس وجاليليو ورفاقهم اللثام عن عدة مفاهيم وأكاذيب كانت في ما مضى بديهيات وهو ما يؤكد لنا اليوم بأن عصر المسلمات والبديهيات والفطرة مجرد دعاية يقدمها البعض في خطاباتهم أما عن حسن نية كالاحتجاج بالجهل أو من أجل توظيفها لتحقيق أهدافهم كالتحكم في البشرية، فدعونا لا ننسى أن العديد من العلماء حينها قد تم قتلهم وسحلهم وحرقهم ونفيهم في أحسن الأحوال نتيجة لما اكتشفوه ووجدوه مخالفاً لبديهيات العقل الكنيسي، واليوم تنظر الكنيسة إلى أولئك بعين الاحترام والتقدير بالرغم من فشل أجدادهم في ما مضى في تقديرهم واحترام معرفتهم ونجاحهم في اضطهادهم بشتى الوسائل. وهو الأمر الذي جعل أوروبا تستفيد منه اليوم ولا ترغب في تكرار نفس الخطأ، فقد تعلّم الأوروبيين درساً مهما من محاكم التفتيش التي أدت إلى قتل علماء عصرهم ومن الذين ساهموا في خدمة البشرية وصنع الحضارة، ولهذا فمن يتحدث اليوم في ندوة أو نقاش مستخدماَ مفردات كالبديهة أو الفطرة الإنسانية أصبح لا يؤخذ على محمل الجد، فقد كفرت أوروبا بكل البديهيات حتى تخضعها لمناهج البحث والتقصي والتمحيص والنقد وإعادة النقد، ولم يعد اي أمر تحت حماية ما يسمى بالمسلّمات، بل الأدلة والبراهين والمنطق السليم، أما تلك الشعارات والحوارات الرنانة والخطابات الدفاعية والحماسية المليئة بلغة الوكالة الإلهية أو “ماذا رأيتم من شرع الله ولم يعجبكم” أمر لم يعد مقبولاً، بل كل شيء يخضع للتفكيك والتحليل وفقا للمناهج العلمية الحديثة، وتقشع عنه سحابة القدسية ويعرّى أمام الملأ وتفضح النزعات الذاتية وتعلن قزميتها وتكون خاطئة إلى أن تثبت صحتها، نعم لم يعد شيء بديهي وفطري، فكل ما كان بديهيا وفطريا في ما مضى أصبح اليوم في القرن الواحد والعشرين مدعاة للسخرية، ولا يحتاج أن نكرر ما آمنت به البشرية يوماً ما كمركزية الأرض وانبساطها، فالأمور والوقائع والفرضيات والنظريات كلها أموراً نسبية وحسب، والاحتجاج بالفطرة والبديهية لسد العجز المعرفي والفراغ العلمي ليس مقبولاً، بل هو ممارسة فاحشة للاستبداد المعرفي والفجور العلمي وزناً منطقي وإرهابا متطرف على الآخرين، كما أن ما يدعيه المسلمون مثلاً بأنه أمر بديهي وفطري يحدث أن يدّعي الهندوس بأن نقيضه أمرٌ بديهي وفطري، وعلى هذا المقياس، فالفطرة والبديهيات أمر يتفرّق فيه البشر أيضاً، فإلهٌ برأس فيل أمر فطري عند الهندوس، وإله متجّلٍ في ثلاثة أمر فطري عند المسيحيين، وإله متخفّي أمر فطري عند المسلمين، فهل ما زلنا نستطيع الاحتجاج بالفطرة؟

لقد مارست السلطات الدينية على مر البشرية سياسة الكذب والتزوير، ووظفوا كل طاقاتهم من أجلها لتخويف البشر وترهيبهم والتحكّم في حياتهم وآخرتهم، باستخدام اسلحة المكر والخبث والصكوك والسلاسل لدعم وتعزيز معتقداتهم وتكريس خطاباتهم وغرسها في نفوس المؤمنين، ولهذا فإن ما يعتبره البعض بداهة هو في الحقيقة نتيجة للممارسات والوصايا التي ترعرعوا على كنفها وكبروا عليها حتى ترسخت في أذهانهم بأنها بداهة وفطرة، فالحقيقة شيء والقناعات شيء آخر، ولهذا فمن يمارس تلك الأفعال كمحاربة النقد في البديهيات والهروب من الامتحانات والفحوص والادعاء بأن ذلك انتقاصاً وانتهاكاً للمقدسات ودعوة للانحلال والفجور لهو في الواقع يهين البشرية ويعرقل تقدّمها ويجرّها للخلف باستخدام أحدث وسائل القرن الواحد والعشرين؛ كالسجن أو الجلد أو النفي أو الإعدام، وكما أخّر أباء الكنيسة في ما مضى تقدّم البشرية من خلال إعدام الفلاسفة والمفكرين والمبدعين وحرق علومهم وكتبهم، وكما حدث تماماً في الضفة الأخرى حينما كفّر واضطهد شيوخ الاسلام كل علماءهم وأدّى ذلك إلى تأخر البشرية لقرون عديدة، فإن السلطة الدينية حتى اليوم لم تتعلم من الدروس السابقة.

المعركة بين الكاهن واللاهوت والعلم والعقل من جهة والدين من جهة أخرى لن تنتهي إلّا بانتصار أحدهم على الآخر أو بكفالة حق الأثنين وتقليم أظافر السلطوية التي يملكها الأول ولا يملكها الثاني، والاعتراف بحق الأثنين في التعبير عن رأيهم دون فرضه على المؤمنون أو المواطنون، وهو ما يضمن بقاء الأثنين وإعطاء الإنسان حق الاختيار في ما يراه وهما أو حقيقة، علماً أو خرافة، أو أن يعترف رجال الدين بأن دينهم قائم على التسليم بالقلب، أي أن الإيمان ليس ذو قواعد مبنية على الفحص أو المشاهدة أو التجربة وعليه فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد كان العرب في الماضي أميل إلى التجريب والفحص من الإغريق، وبخاصة في الكيمياء ، ومن أجل أن تستعيد السلطة الدينية أمجاد الماضي والعيش في حاضر متقدّم عليها الإقرار بأن خضوع كل شيء للتجربة والفحص لن يحط من شأنها، بل يجعل الفريق المنافس يقدّم إقراراً هو الآخر على أن كل ما سيقدّمه من حقائق وجب أن يرفقها بأدلتها وقرائنها وأن تقبل خضوعها للمناهج العلمية واقرار وتزكية العلماء والمختصين، وبهذا سيحسب للدين يوماً بأنه لم يقف حجراً عاثراً أمام تقدم الحضارة الإنسانية، بل أقرَّ بالعلم وأشاد بالعلماء واشترط عليهم تقديم الأدلة في كل معارفهم ليجنب البشر العلوم الزائفة، عوضاً عن حرب ضروس اشتعلت منذ القرون الأولى من نشأة الدين الإسلامي وأدت إلى مقتل المتصوف والفيلسوف المعروف بالحلّاج بعد اتهام الفقهاء له بالكفر والزندقة، وعوضاً عن خسارة فيلسوفٍ كالسهروردي الذي تركه رجال الدين محبوساً في أحد قلاع مدينة حلب بلا طعام أو شراب لاتهامه بالكفر والزندقة، أو التوقّف عن توزيع شهادات الكفر على المفكرين والفلاسفة كما حدث حينما كفّر الغزالي في تهافته ابن سينا والفارابي، وليتذكر المسلمون أنه في الوقت الذي كانت تنهال فيه أوروبا من فلسفة ابن قرطبة وقاضي القضاة ابن رشد؛ كان الخليفة في الأندلس المنصور قد اصدر قراراً بتحريم الفلسفة وحرق كتبه وطرده من قرطبة واتهامه بالكفر والزندقة، وفي الوقت الذي ترجمت أعماله إلى العبرانية واللاتينية كان العالم العربي قد فقد كل نسخٍ عربية من كتبه، فقد كان ابن رشد فيلسوفاً وقاضياً للقضاة وعالماً بالطب، لم ينقطع عن القراءة والتأليف إلّا ليلة وفاة أبيه وليلة زواجه ، والتي استبدلوها المسلمين من خلال رفضهم لفلسفته العقلانية إلى فلسفة الغزالي والذي خاصم الفلاسفة العقلانيين كلهم قائلاً: لابد من اعتبار هؤلاء الفلاسفة أنفسهم، وكل من يتّبعهم من الفلاسفة المسلمين المتناقلين لفلسفة أرسطو مثل ابن سينا والفارابي وغيرهم من عداد الملحدين . فعلى المسلمين أن يتعلّموا الدرس جيّداً من أقرانهم في رفوف الحضارات السابقة، فحينما اضطهدت الوثنية فيلسوفها انكساجوراس الذي نطق بالحقيقة وأخبرهم بأن الشمس والقمر ليسا إلهين وإنما أجرام سماوية، كان ذلك حينها بديهيّاً، وحينما اضطهدت أثينا أبو الفلاسفة سقراط الذي أتهم بالكفر والإلحاد بالإلهة كان الإيمان بالأوثان حينها بديهياً، وحينما خسرت مصر ممثلة في الكنيسة المرقسية واحدة من كبار فلاسفتها كهيباتيا التي احرقت وسحلت وعذبت وقشط جلدها بسبب طغيان الكنيسة كانت تعاليم الكنيسة كلها بديهية، وحينما اضطهدت الكنيسة القبطية أورجانيوس كان عكس ما قاله بديهيّاً، وحينما خسرت الوثنية الرومانية أرخميدس الذي يدين له العالم بقواعده كان عكس تعاليمه بديهياً، وحينما خسر المسلمون واحد من كبار مفكريهم في مصر برصاصة غادرة كان الإفتاء وتبرير قتله وردّته عن الإسلام أمراً بديهيا حينما رأى محمد الغزالي الذي أفتى وبرّر قتل فرج فودة، وحينما فرّق نصر حامد ابو زيد عن زوجته وحوكم سيد القمني وأفتى المرشد في إيران بإهدار دم سلمان رشدي وحينما قتل ناهض حتر كل هذا كان أمراً مقبولاً لعدم أدراكهم ببديهيات المسلمين، فهل من متسع في عقولنا لأمرٍ بديهي آخر؟

لقد خسرت أوروبا في العصور الوسطى فرصة التغيير من خلال قتلها واضطهادها لكل علماءها وفلاسفتها، وندمها الشديد على ما فعلته في القرون الخاوية لا يسمن ولا يغني اليوم، بل صدقها في أن لا يتكرر هذا يكفي، ولكي لا تتكرّر المآسي، على المسلمين أيضاً الاستفادة من منجزات البشرية ومحاولة اللحاق بها عوضاً عن جر العقل العربي إلى الوراء، فالحرب بين العلم واللاهوت كادت أن تنتهي، ولكن هذا لم يمنع من اندلاع المناوشات بين حين وآخر في المناطق الواقعة على الأطراف، وحتّى أن المسيحيون يعترفون أن دينهم أصبح أحسن حالاً بعد انتهاء هذه الحرب تقريباً، فتطهرت المسيحية من عناصرها غير الجوهرية الموروثة من عصر البربرية كما أنها تطهرت من الرغبة في اضطهاد المخالفين لها.

إن من يخشى كسر التابوهات ويعدهُ أمراً مخيفاً سيؤدي إلى انهيار المجتمع، عليه أن يخبرنا قبل كل شيء من أين أتت تلك التابوهات والتي حرم الدخول في نقاشها أو انتقادها، أوليس مجتمعاً تكثر فيه التابوهات مجتمعاً فاشلاً بامتياز، فإضفاء صبغة المقدس على كل شيء دليل على ضعفه، وتقييد الفكر الإنساني وفرض الوصاية على العقول دليل على مهابة التابوهات لعقل البشري، فالأفكار تدافع عن نفسها وتثبت نفسها وتكسب الاحترام بنفسها دون الحاجة إلى وصاية أو حماية أو تنكيل أو تكفير، فالأسيجة المحيطة بالمقدسات تظهر كم هي ضعيفة أمام عاصفة الفكر، ومن مات في سبيل الكلمة؛ فهو شهيد، وبدوري هذا لا أمارس دور الكنيسة الكاثوليكية فيما مضى، ولا أزكّي على أحدٍ، بل أقول شهيد لكل من صاح بفكره وبقلمه، فما أقسى أن نرى في البلدان العربية حكومات تحاكم مفكراً على أفكاره السلميّة وتترك في المنابر والمساجد من يحرّضون على الكراهية والقتل والعنصرية والعنف يسرحون ويمرحون، وما أقسى أن تختزل مفهوم كلمة الشهيد لمن فجّر نفسه في سبيل نكاح حور العين، وتشوّه كلمة لطالما عبّرت على تضحية نبيلة من إنسان في خدمة قضيّة بشرية.

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started