لعل أول من صرَّح بموقفه السلبي من الدين في القرن العشرين في أوطاننا العربية كان المفكر المصري اسماعيل أدهم الذي كتب رسالة “لماذا أنا ملحد” والتي كانت على وزن رسالة برتراند راسل “لماذا لست مسيحياً”، بل ربما اسماعيل أدهم كان أكثر صراحة وجرأة، فقد أعلن إلحاده بشكل مباشر عوضاً عن إنكار انتماءه لدين معين كما فعل راسل. كان اسماعيل متديّنا وحافظاً للقرآن وملتزماً بالفروض الإسلامية من صلاة وصيام التي تلقاها قهراً من زوج عمته – كما يقول – وأن نقد اسبينوزا وشكوك هيوم وأفكار داروين وأوغست كونت وسبنسر في تفسير الوجود كانت أقرب له من القرآن وكتب السيرة، مصرّحاً ما نصّه: “أني وجدت نفسي أسعد حالاً وأكثر اطمئنانا من حالتي حينما كنت أغالب نفسي للاحتفاظ بمعتقد ديني”. ورأى أنه ما من برهان يقطع بوجود إله على النحو الذي تحدثت عنه التوراة والإنجيل. بيد أن إلحاد اسماعيل أدهم من الناحية الموضوعية يشوبه نوع من الفساد، فهو يدّعي بأنه تلقى تعاليم الدين الإسلامي من زوج عمته المتعصب بعد وفاة أمه البروتستانتية، ثم يقر بأنه عانى اليتم، فتارة يقول بأنه أطلع على تعاليم الفلاسفة واللاهوتيين وعلماء المنطق والرياضيات والعلوم الطبيعية، وتارة يدّعي أنه عانى اضطهاداً طويلاً، وبالرغم من كل هذا، فأنني لا استطيع أن أخفي إعجابي الشديد بالمجتمع المصري حينها، فقد كان التراشق حول هذا الموضوع الجدلي والحسّاس بحجارة الثقافة والعلم، فحينما ألقى المفكر أحمد زكي أبو شادي محاضرة بعنوان “عقيدة الألوهية” رد عليه اسماعيل أدهم بصفحات قصيرة من كابه “لماذا أنا ملحد” ثم أجابه أحمد زكي أبو شادي برسالة “لماذا أنا مؤمن”. تلك السجالات الثقافية تعبّر عن بيئة مصرية مليئة بالاحترام والتسامح وحرية التعبير.
الإيمان بالخرافات ليست جريمة، ولكنّها كذلك لو أصبغت بصيغة الجبر والقوّة، كأن تصبح الدولة في موقف التشريع وصياغة كل ما يناقض هيئة وشكل الدولة الحديثة، فأن تؤمن بما تريد ليست مشكلة ولا جريمة، فهو حق أصيل للإنسان كما جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادتيه الثامنة عشر والتاسعة عشر اللتان تكفل حق الإنسان في التعبير والاعتقاد بما يريد، ولكن الجريمة الحقيقية أن تفرض الدولة شكلاً ومعتقداً ولباساَ ولوناً موحداَ لها، وأن تسخّر رجال الدين في خدمتها وقبول تشريعاتها، فدعونا نستذكر أن الدولة العلمانية لا تفرض على المقيمين في أراضيها التخلي عن دينهم، فلماذا يخشى المؤمنين من علمنة الأنظمة إذا كانت كل الدول العلمانية لا تقصي المؤمنين ولا تفرض عليهم لونا أو شكلاً كما تفعل الدول الثيوقراطية التي تمنع الأكل والشرب في شهر معين وتفرضه على الجميع دون استثناء أكان مسلماً أو لا، أو كأن تمنع بعض المقيمين من استخدام بعض المرافق والطرقات أو كأن تمنعهم من دخول بعض المباني، فالدول العلمانية كبريطانيا مثلاً لم تمنع الهندوس من بناء واحد من أكبر المعابد في العالم في أرضها، ولم تمنع المسلمين من بناء المساجد أيضاً أسوة بباقي الشرائع والأديان، كما أنها لم تمنعهم من الاحتفال بأعيادهم أو ممارسة طقوسهم أو أجبرتهم بالتخلي عن الحجاب أو منعتهم من لبس اللباس القصير للرجل أو إطلاق اللحية، بل حتى النقاب ليس من وراء منعه سبباً عنصرياً أو دينياً، بل هي الحيطة والتدابير الاحترازية وحسب، كما أننا لو قبلنا الأخذ بالمفهوم السائد للعلمانية على أنها “فصل الدين عن الدولة” فإن ذلك سيبرئ العلمانيين أو المنادين بعلمنة الدول في الأوطان الإسلامية من كل التهم التي أطلقها عليهم شيوخ الدين، فالتعريف وإن كان مهترئاً وناقضاً ومائعاً، إلّا أنه جاء على هيئة “فصل” وليس “إلغاء”، ولك أن تتخيّل لو أن الدول الغربية ليست علمانية، لأجبر المسلمون المقيمين فيها على الاحتفال بميلاد المسيح وعيد الفصح وضرورة شراء شجرة الميلاد وأكل الديك الرومي وصدح الأقداح على مائدة العشاء، كما أن مصطلح الدولة الإسلامية هو الآخر مصطلحاً خاطئ إلى أبعد الحدود، فالدولة هي تعريف علماني لبقعة جغرافية تملك حدوداً وشعباً وسلطة، بينما الإسلام هو أمّة، ودولة الإسلام تقتضي منح الأفراد حق المواطنة بناءً على نطق الشهادة وحسب، بينما للدولة الحديثة شروطاً وأشكالاً مختلفة، علاوة على أنه لا يوجد شيء في عهد الدولة الإسلامية ما يسمى اليوم بالجنسية، ولهذا كان لزاماً على الدول الإسلامية أن تذكر في دساتيرها بأن غالبية مواطنيها مسلمين وليس أنها دولة إسلامية، فالإسلام إيمان لا يعقل أن يلتصق بكيان الدولة، فلم نسمع يوماً أن دولة اعتنقت الإسلام، بل الأفراد من يعتنقون الديانات، كما أن هذه المفردة يجب أن تكون في الدساتير على سبيل الإحصاء وليس التشريع، أي كأن تقول الدساتير بأن الدولة (س) غالبية أفرادها مسلمون، أو كل أفرادها مسلمون، أو ينقسم الأفراد فيها بين مسلمين بنسبة كذا ومسيحيين بنسبة كذا، عوضاً عن صبغ الدولة بدين فرضه الإله للإنسان، ولنا أن نتخيّل لو أن دستور الولايات المتحدة الأمريكية يحمل بنداً ينص على أن المسيحية دين الدولة، والبروتستانتية مذهبها، ولك أن تتخيل كيف سيكون حال الهندوس والسيخ واليهود والصابئة والكاثوليك والأرثوذوكس والمسلمين في ظل استبدادٍ بروتستانتي، وقواعد قانونية تفرض على الجميع اعتناق المذهب الواحد، وتجرّم من يخالفه.
على الإيرانيون أن يتباكوا على حضارة أجدادهم الفارسية، تلك الحضارة الممتدة لآلاف السنين والتي حكمت جزءًا كبيراً من العالم، واحرجت اسبارطة ومعاقل الروم والإغريق واستوطنت بلاد الرافدين والجزيرة العربية، والتي كان علماؤها عصب الأمة الإسلامية في ما مضى، عليهم أن يبكوا كثيراً لتأبين جثمانها، وطمس معالمها وأطلالها، فحضارة فارس أو دولة إيران قبل الثورة والتي وبعد نجاح ثورة الخميني وتخلي الفرس عن حضارتهم وتاريخها ومجدها مقابل الالتصاق بالحضارة العربية وجعل إيران حمام دماء لحروب دينية وطائفية وبطالة ومقاطعة للعالم لسنوات وفقر مدقع وتصدير للثورة والإرهاب من خلال دعم المليشيات في الإقليم وتأجيج الصراع الديني والطائفي جعلها جمهورية إسلامية مستبدّة، فأنصار تطبيق الشريعة الإسلامية يداعبهم حلم وردي رائع، ولكن مشكلتهم أنهم لا يبذلون أي جهد لترجمة هذا الحلم إلى لغة الواقع، وهذه الترجمة تحتاج إلى استيعاب كافة دروس الماضي والحاضر واستخلاص دلالاتها، وتحتاج إلى ألوف التفاصيل الدقيقة والضوابط المحكمة بحيث لا يسمح للمنحرفين باستغلال مرونة العموميات في تحقيق مآربهم الخاصة، والتفكير بجديّة في مدى ملاءمة هذه الدعوة للحظة الزمنية الحاضرة ، فهل يعقل أن يحمل اليوم جندي إيراني سلاحاً في القرن الواحد والعشرين لقضية صراع حدث في القرن السابع الميلادي ولشعار كزينب لن تسبى مرتين؟ أوليس تمسّك إيران بعداءها الدائم للكفار هلاكاً لها، ومن ثم فإن أتفاقها الأخير مع الدول العظمى الكافرة خير دليل على أن “الجمهورية الإسلامية” لا يمكن أن تخدم المصالح الاقتصادية الإيرانية، فصناديق الاقتراع والحكومات المنتخبة كحكومة طالبان وغيرها تؤكد على أنّه حتى الديموقراطية يمكن أن تحمل في طيّاتها بذور الطغيان والتعصب والظلم إذا لم تقدها القوانين العادلة والحكيمة، فالقوانين العادلة لا يمكن أن تدين البريء وتبريء المجرم الحقيقي.
