شيزوفرينيا المؤمن

غالبیةّ المؤمنین مصابون بأمراض عدّة، ولكن ما من مرض یعاني منھ أي مؤمن ما كالفصام الحاد، وھو نتیجة حتمیة وطبیعیة
متى ما توفّرت العوامل، فالمؤمن التقلیدي الأصولي یتذمر بصوتٍ منخفض وبموجاتٍ من دماغھ أو فاھھ، والسبب في ذلك ھو
رغبتھ في التمسك بآخر قشّة تنقذه من أمواج الفكر المعاصر، فلا تھمھ الحقائق بقدر ما تھمّھ الطمأنینة، وھو الأمر نفسھ عند
المؤمن المعتدل، وأقصد بالمؤمن المعتدل ھو ذلك الذي یندرج تحت مسمیّات عدة أما ناقدا للتراث أو ذو فكر حدیث أو ذلك الذي
لا یأخذ تعالیم دینھ بمحمل الجد، أو بعبارة أخرى؛ ینتقي تراثھ ویقوم بتعدیلھ بما یتناسب مع مدلولات العصر وما یحملھ من فكرٍ
وھو الآخر مصاب بالمرض ذاتھ؛ إذ یتمیّز الأخیر عن التقلیدي كونھ یقبل كمبدأ عامٍ النقد الحاد للفكرة، لكن یعاب علیھ بھروبھ
من المسؤولیة تجاه العدید من القضایا الوجودیة العالقة، فھو فیزیائ ي في المختبر العلمي فقط، وخارج ذلك؛ یكون كما یملي علیھ
إیمانھ، ویعود السبب في ذلك أمّا الخوف من المواجھة أو الرغبة في الإحتفاظ بآخر قشة نجاةٍ من إیمانھ، والمحصلة الأخیرة ھي
شیزوفرینیا حادة وأضطرابات نفسیة ودوغمائیة وثقافة أحادیة كتوصیف لكلا الحالتین، وتعود تلك الآثار لسببین مھمین: التعلیم
متمثلا في تصادم التعالیم الدینیة مع العلم الحدیث، والدجل الدیني في المنابر الدینیة والأعلامیة والثقافیة.
شیزوفرینیا المؤمن یمكن تعریفھا كالتالي: مرضٌ معدٍ، یصیب الخلایا الإنسانیة وھو أحد الأوجھ السلبیة في الدین، ولھ أسبا ب
عدیدة أھمھا الدجل الدیني والعلم الغیبي والتجریبي، وآثاره تتشكل على شكل فردٍ مغیبٍّ تماما مصابا بأضطرابات نفسیة وفصام
حادٍ وأزدواجیة ودوغمائیة وثقافة أحادیة.
مؤمن الیوم، لا تملك منظومتھ الدینیة أي فلسفة إنسانیةّ تحثھّ وتشجعھ على الإنتاج أو الإسھام في الحضارة البشریة، وإن وجدت؛
فھي لا تتسّع إلى بلورة تلك المفاھیم المعاصرة وإدراجھا كركن من أركان دینھ ، فھو لیس أكثر من من فرد مؤمن بتعالیم غیبیة
عن عالم آخر لا یراه وینعت عالمھ الحالي بالعالم الفاني والحضیض ودار متاع، ویرفض الإستمتاع المشروط فیھ لكونھ محطة
عبور، ولإنعدام فلسفة وجودیة في محصلتھ التعبدیةّ، ولھذا فھو یزدري كل من یرتبط بالحیاة الأولى، ساعیا بكل جھد دؤوب
تأمین حیاتھ بعد الموت دون الإلتفات إلى الحیاة القیمّة التي بین یدیھ
ھذا النوع من الفصام الحاد الذي یعاني منھ أغلبیة المؤمنین الیوم: والذي لا یدركھ أكثرھم لكونھم یعیشون في مجتمع واحد
ویعانون من نفس المشكلة؛ مما یصعّب علیھم إمكانیة إدراك وتمییز ھذه الظاھرة، ولك أن تسأل لماذا تفجیر سوق شعبي یردي
مئتي قتیل في بغداد أو دمشق لم یعد أمرا ملفتا للعالم بأسره، بل أصبح فصل روتیني یعرض على شاشة الأخبار في آ خر النشرة
وكأنھ نشرة جویّة، علاوة على كونھ جنوني لا یخرج إلاّ من مجانین. فزجُّ العقیدة في الحیاة بكافة نواحیھا وبمنظور “مقدس”
ولیس “فلسفي” سیكون سببا بلا شك في التخلف والفشل التام في كل النواحي، وبالرغم أن المؤمنین بشكل عام، والمسلمون بشكل
خاص یدركون بأنھم في حالة شلل حضاري تام أمام باقي الأمم؛ لكونھم في قمة الھرم الإستھلاكي، ومتذیلین القوائم العلمیة،
وفاشلین سیاسیاّ وأقتصادیاّ،َ إلاّ أنھم یتذرعون في سبب كل ھذا بعدم فھمھم للدین، نعم، ھم بكل تأكید لم یفھموا الدین، ولكن لیس
بالطریقة التي یظنونھا ھم، فالدین لفتة إلھیة لبشر ما، في حقبة ما، من أجل قضیة ما، ومھما أمتاز بالمرونة والحیاكة المتقنة
والبنود المتزّنة، إلاّ أن تاریخیتّھ أمرٌ لابد من الإعتراف بھ من أجل الإستمرار على ھذا الكوكب. كیف ذلك؟
یدّعي المؤمنون، بأن عقیدتھم أكثر من مجرّد عقیدة ربانیةّ إیمانیة، فھ ي فلسفة بكافة أركانھا ولكن بشكل ثیولوجي مقدّس، ولكن
ھل حقّا الأدیان یمكن الإعتماد علیھا في إدارة شؤون البلاد والبشر، ھي یمكن القول أنَّ الدین مصدرا من مصادر المعرفة، اي
أنَّ الأدیان تتبنّى نظریّة المعرفة بشكلھا السلیم، ھل وفقّت الأدیان في تفسیر المیتافیزیقیا وفلسفة الجمال والسیاسة ؟
نظریّة المعرفة في مفھومھا الفلسفي ھي تلك المعرفة التي تأتي عن طریق البحث العلمي والتقصّي والإستدلال المنطقي وھي
معرفة نسبیةّ تتبع سلمّا تدریجیاّ یناسب وقت نشؤوھا وأكتشافھا؛ إذ تبدأ كفرضیةّ ثم نظریةّ ثم حقیقة؛ والأخیرة لن تأخذ شكلا مطلقا،ً بل نسبي مھما كانت الأدلّة والبراھین العلمیّة، في المقابل، یمكن تعریف المعرفة عند المؤمنین ھي تلك التعالیم الدینیة
الموحاة لنبي ما كما حدث مع موسى في جبل سنحاریب أو الطور أو كغار حراء والوحي أو كموعظة الجبل، وتتسم الأخیرات
بوصف مطلق في مصداق یةّ حقائقھا عند منتسبیھا، ولا مجال للتشكیك بھا أو حتى التدقیق في مدلولاتھا أو إعادة تأویلھا
أمّا المعارف المیتافیزیقیةّ، أو المیتافیزیقیا بمفھومٍ شامل، فھي عند علماء الكوزمولوجي والفیزیاء والبیولوجي تلك المعارف التي
یمكن تفسیرھا على نحوٍ علمي غیر خارج عن نطاق قوانین الطبیعة وھي تلك التي تؤكدھا البحوث العلمیة، فلا ظواھر طبیعیة
خارقة، بل كل شيء قابل للفھم والتفسیر على غرار التعریف الدیني الذي یرى أنَّ كل ما یحدث ھو بمشیئة لله
فلسفة الجمال لا تختلف كثیرا ھي الأخرى، إذ یرى الفلاسفة أن فلسفة الجمال ھي حالة إنسانیة وتعبیر عن المشاعر، ویتشكل
ذلك في الرسم والموسیقى والنحت وباقي الفنون الجمیلة، بید أن النظرة الدینیة لفلسفة الجمال تختلف عند المؤمنین، فالیھودي
محرّم بناءا على الوصایا العشر من نحت أو رسم أیةّ تماثیل، ولا یختلف كثیرا عند المسیحیةّ التي أرتضت في ما بعد بالغناء في
الأدیرة والكنائس امتثالا أو استسلاما لما ورثوه من إرث الحضارات الوثنیةّ الرومانیة والإغریقیة وھي مھد المسیحیةّ، أو بعبارة
أخرى یمكن القول أن المسیحیة لقد رواجا وقبولا لإمتزاجھا مع الدیانة الوثنیةّ التي تمجد الفنون الجمیلة، ولا یختلف الأمر كثیرا في الإسلام؛ فالرسم والتصویر والموسیقى والنحت حرام.
لنلقي نظرة إلى الجانب الأخیر من أركان الفلسفة، لتتضح الصورة اكثر، فالسیاسة بمفھوم غیر دیني تجعل الأولویة لدستورھا
ومواثیق حقوق الإنسان، وتجعل الفرد الركیزة والمكون الأساسي لكل للدولة، على غرار المفھوم الثیوقراطي للسیاسة في
المجتمعات الدینیة التي ترى أن السیادة الأولى للدین لا للإنسان، وبرعت في أنشاء تولیفة بین الدین والدیكتاتور في سدّة الحكم
بنصوص شرعیة تجعل من كل أعمالھ مقبولة ومشروعة
یتضح مما سبق؛ أن الدین لیس فلسفة قابلة للتجدید، بل بنودا صارمة وجامدة، ولھذا نرى دولة غنیّة بالموارد الطبیعیة كإیران
في قمّة الفقر والفشل السیاسي والإقتصادي، حتىّ تساوى دخل الفرد فیھا بدخل أحط الدول الأفریقیة أقتصادیاّ ، ولیس بغریب أن
تكون إیران في ما مضى وكدولة علمانیة من أوائل الموقعین على میثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبرفقة أفغانستان،والیوم
تتغیّر مفاھیم الإنسان في ظل الجمھوریة الإسلامیة، وخلافات شائكة لیس في الأقلیم ودول الجوار وحسب؛ بل ومع أغلب دول
العالم
.
الجھل والتخلف والرجعیّة أھم سمات المجتمعات الإسلامیة الیوم، فلا أحد یستطیع أن ینكر أن المسلمین ھم في المؤخرة في كلَّ
شيء تقریبا،ً وكونھم في المؤخرة ھو ما یفسر موقفھم تجاه الغرب المتقدم، تلك النظرة المقرونة بالحقد والكراھیة والعنصریة
والعدوانیة، وھي ما تسمى كمصطلح نفسي الزینوفوبیا.
المازوخیة
ولد ھذا المصطلح في الروایة الفرنسیة الشھیرة تحت عنوان فینوس في الفراء لكاتبھا الفرنسي لیوبولد فون زاخ مازوخ وفیھا
یجسد الكاتب سلوكا وشخصیة فریدة لم تكن تحت أي تصنیف علمي معیّن، وھو التلذذ في الألم. وإن كان الكاتب یخص في
روایتھ جانبا معینا من السلوكیات؛ أي التلذذ بالألم كسلوك جنسي والأستمتاع بالضرب والإھانة ؛ إلاّ أنھ یمكن الاستناد على تلك
الحالة لفھم حالة أخرى تتلذ بالألم تحت نفس المسمى ولكن لیس في الجانب الجنسي، وإنّما الدیني، إذ یعاني كثیر من المؤمنین
بالمازوخیة الدینیة
الإیمان مصدرا من مصادر الطمأنینة والسلام الروحي والنفسي كما یعتقد المؤمنین، أي أنَّ الإیمان یرتبط بالسعادة دائما،
ولإستفتاح الموضوع، وجب طرح سؤال: ما ھو الغرض من طقوس التعذیب كالضرب والبكاء والنحیب والمغالاة في الصیام
والصلاة إذا كان الإیمان وحده كفیلا وكافیا للطمأنینة؟
ھنالك الیوم من یبالغ في السجود والركوع، كأن یصلّي لساعات طویلة وھنالك أخرون یذرفون الدموع طوال اللیل، وآخرون
یمتنعون عن الأكل وكل ھذا تحت مسمیات عجیبة كالعفة والزھد والتقوى والمغالاة في الحب أو الخشیة، فلا یمكن أنكار أن
ھنالك في القرن الواحد والعشرین من یبكي بحرقة وبمباركة رجال الدین لشخص قتل في القرن السابع المیلادي، إذ أصبح ھذا
النوع من الألم متطلبا للخلاص الروحي، وھو ما یؤجج مشاعر الحقد والكره والإنتقام لأجیال قادمة أخرى تشعر بأن من واجبھا
ندب وشجب واقعة قتل شخصیة دینیة ما والإنتقام من دمھ، وبالتالي یمكننا أن نضمن أن تلك المشاعر لن تموت في ظل وجود
الأناشید الحزینة واللطمیات والنیاح، ویتطور ھذا النوع من السلوكیات لیمثل مازوخیة مخیفة خصوصا عندما تمتلك الطقوس
شتى أنواع العذاب كالصراخ والعویل والضرب بأدوات حادة كالسیف على الظھر والصدر والرأس وذرف الدموع وسیل دماء
الأطفال الذین جعلھم أباءھم قرابین لتلك الحادثة التي لم تقترفوھا ولم یشھدوھا ح تىّ .
تلك الطقوس مستمدة من الدیانات الوثنیة التي نشأت في شبة الجزیرة العربیة قبل الإسلام والتي سرعان ما حاربھا الإسلام متى
ما فتح مكّة منبع الدیانات الوثنیة عند العرب، وأنھى أحیاء طقوس الموت والفقد، ولنا في ھند ابنة عتبة آیةّ في الندب والنحیب
والعویل واللطم وشق الثیاب وأھدار الدماء والأشعار والصیام ولبس الأسود رمزا للحداد. تلك الطقوس عادت مجددا تحت
مسمیات كالزھد والتقوى والمغالاة في حب لله أو الخشیة منھ.
الیھودیة كانت أولى الدیانات التي ظھر فیھا ھذا النوع من الممارسات، إذ أن البكاء أمام حائط المبكى رمزا وطقسا یھودیّا یرافقھم
لأكثر من ثلاثین قرنا مضى؛ نتیجة لخراب الھیكل، بید أنھّ لا یمكن لأي یھودي أن یدّعي بأنھ لا یتلذذ بھذه الطقوس، ولما أصبح
ھذا النوع من الممارسات ركنا أساسیا في الیھودیة؛ تحوّل النحیب والبكاء صفة تلازم شخصیة الیھودي في كل المجالات ولیس
الدینیة وحسب، فھم بارعون في تمثیل دور الضحیة والتلذذ الدائم بعقیدة الإضطھاد التي لازمتھم منذ عصر موسى وزمن الضیاع
والتیھ، ولا زال یھود الیوم ینتحبون أمام حائط المبكى حدادا على خراب الھیكل، عقدة لازمتھم بالشعور بالذنب حتى صدّقوا
أنفسھم بأنھم مذنبون في واقعة لم تكن من صنع مخیلّاتھم حتى، علاوة على كونھا قضیة لم یتمكن العلم الحدیث من توثیقھا، فلا
أثر للھیكل من الأسا س.
ولا یختلف الأمر كثیرا في المسیحیة والإسلام، ففي المسیحیة ؛ دائما ما یتذكّر المؤمنین واقعة صلب یسوع؛ ویدّعون أن ما مسّھ
من ألم وصلب وجلد وتعذی ب ما ھو إلاّ رغبة منھ ومن أبیھ في أن یضحي بنفسھ من أجل خلاص البشر من خطایاھم، ولھذا فقد
أشار سفر التكوین إلى ضرورة أن تلد المرأة بالألم الأمر الذي جعل من الكنیسة أن تقوم بمحاربة مسكنات الآلام وتحریم أعطاءھا
للمرأة القابلة على الولادة، ولا یختلف الأمر كثیر ا،ً فقبل سنوات قلیلة، وفي أواخر القرن العشرین عندما تم أكتشاف مرض نقص
المناعة، حرّمت الكنیسة لبس الواقي الذكري معللة بأن ذلك یخالف مشیئة الرب، أي أنھا تفضّل أن یصاب المرء بالمرض عوضا عن مخالفة تعالیم الرب، ولھذا فقد كان لزاما على الرھبان أن یمتنعوا عن الز واج بالمرأة – رغم كونھ حاجة بیولوجیة ضروریة-
تقربا ومرضاة للإلھ؛ وھم نفسھم یذكرون في سیرة یسوع أنّھ كان على علاقة حمیمیة مع المجدلیة في الوقت ذاتھ
في الإسلام، تتجسد أشد وأقسى أنواع المازوخیة الدینیة، إذ یمارسون طقوسا عدیدة أكثر بكثیر من باقي الدیانات، ففي الطائفة
الشیعیة وحدھا ھنالك ما یزید عن ثلاثین واقعة تستوجب الندم واللطم والنحیب والعویل كدلالة منھم على حب آل البیت وتجدید
الولاء والطاعة، ولا یتوقف الأمر عند ھذا الحد وحسب، بل یقومون بتمثیل حوادث عدیدة كحادثة الطف على الملأ أملا منھم
في أن یشعر المشاھد بألم شدید یوازي ما أصاب القتیل من تعذیب وتنكیل وظمأ، فیصبح المشي وقطع الطرقات لآلاف
الكیلومترات حتى كربلاء أمرا محببأ في واقعة الطف، ویصبح الحج مشیا إلى الكوفة في ذكرى قافلة السبایا أمرا ضروریا لتجدید الولاء مع الحزن، ومتجاھلین الحدیث الذي یقول: الم ؤمن القوي خیر وأحب إلى لله من المؤمن الضعیف، وأیضا بعض
الآیات القرآنیة: تلك أمّة قد خلت لھا ما كسبت وعلیھا ما أكتسبت، وأیضا ولا تلقوا بإیدیكم إلى التھلكة، ولا یكلفّ لله نفسا إ لا
وسعھا
تلك الممارسات وعلى غرار الجانب الدیني، نجدھا منتشرة بشكل مفرط عند المراھقین الذین یقومون بالإستماع إلى أغنیة أو
موسیقى بغرض البكاء والشعور بالحزن، مع العلم المسبق بأن المستمع إلى تلك المقاطع یعلم تماما أنّھ سیتأثر بشكل سلبي عند
سماعھ لتلك المقاطع التي تبعث الكآبة لدیھ، ھذا الإنجراف لتلك الممارسات ھو ما یفسّر الیوم وجود مجتمع لا یقدّس الحیاة بكل
عطاءھا، بل یراھا سوداء كل یوم، فأي جنون في أن یحتفل المرء بواقعة حزینة أو یقطع آلاف الكیلومترات من أجل أن یبك ي
!
السادیة
وھو سلوك یقابل المازوخیّة، إلاّ أنھ یختلف بین الفاعل والمتلقي، إذ أن السادیة مصطلح ھو الآخر یندرج تحت الممارسة الجنسیة
العنیفة، ثم تمّ بعد ذلك إدراجھ في السلوكیات الإجتماعیة المتمثلة في حب التعذیب والإذلال والسیطرة والإھانة للغیر، التي یرى
فیھا الفاعل متعة في أسقاط الأذى بالغیر والقسوة علیھم ، وتتباین السادیة في مستویاتھا بین فعلٍ مادي ذو آثار مادیة بحتھ أو
أفعال ذو آثار نفسیة فقط كالتخویف والوعید والترھیب، وھو اضطراب نفسي یصاب بھ غالبیة المؤمنین، وعادة ما یكون ھذا
الإضطراب مصاحبا لأصحاب السلطة، كشیخ الدین أو الزوج على المستوى الأسري، ویتشكل ذلك من خلال الرغبة العارمة
في المضطرب بأن تكون لھ سلطة قیادیة أو تحكمیّة أو یرى ضرورة إنزال الأذى على امرءٍ ما بعدّة طرق كتأویل نصٍ ما أو
من خلال القیاس أو من خلال الفتاوى، وھو ما یفسر وجود رجال دین یتمتعون برؤیة قاتل أو سارق أو زانٍ وھو على المقصلة
أو على وشك قطع یده أو یوشك على أن یجلد أو یرجم، ذلك الشعور یصاحب رضى في المضطرب یتمثل في تطبیق العدالة أو
الرضى النفسي لإتباع – كما یظن – التعالیم الدینیة بشكلھا الصحیح، كذلك ھو الحال في الفاعل في نطاق الأسرة؛ الزوج
المضطرب أو السادي، الذي یمارس سلطة مكتسبة من الدین كالقوامة أو القیادة ویرى أنّھ یتمتع بحكم أوتوقراطي مركزي
یستدعي من ز وجتھ أن تستأذن منھ حتىّ في قضاء حاجتھا، ولھذا نرى حالات أدّت إلى الوفاة في ظل وجود بنود صارمة بمنع
الخروج من المنزل إلاّ بإذن الزوج وفي ظل عدم أمكانیة الوصول إلیھ یصبح الأمر على الزوجة كسرا وخرقا للقواعد الدینیة
والتي تفضّل ھي الأخرى أن تموت – إن كانت مریضة- على أن تخرج دون استئذان زوجھا
ھذا النوع من الإضطراب نتیجة لشعور المضطرب بخیبة الأمل والإحباط والصدمات النفسیة في باكورة النشأة، أو سوء المعاملة،
والذي یبقى دفینا حتى یحصل على فرصة استعادة السلطة من خلال الدین؛ كرجل دین، أو من خلال الأسرة؛ كزوج. أمّا ف ي
فئات المجتمع الأخرى یمكننا أن نشاھد تلك الحالات المضطربة عند العسكریین أو المدراء أصحاب السلطة والذین یتمتعون
برؤیة المفعول بھ یتألم، وھي لذّة تعطي المضطرب شعورا إیجابیا مریح ا سادیّة الزوج ھي الأخرى مستمدة من الدین، فللرجل أن یتمتع بزوجتھ كما یشاء، كما یعتقد المسلمون، استنادا للحدیث الذي یأمر
الزوجة بأن لا ترفض دعوة زوجھا لھا في الفراش وإلاّ باتت اللیلة بأكملھ على لعنات الملائكة ، وھو ما یؤكده بشدّة ابن تیمیة
في عدم قبول الزوجة رفض دعوة الزوج لھا لفراش الزوجیة بل ولھ الحق أن یھجرھا ویضربھا ویمنع عنھا النفقة ، وللرجل
السادي عدّة مصادر تمكّنھ من السیطرة على زمام الأمور؛ إذ أنَّ الحدیث النبوي : “ولو كنت آمرا أحدا أن یسجد لغیر لله، لأمرت
المرأة أن تسجد لزوجھا” دلالة واضحة على قدسیّة الزوج ومكانتھ فقط، بید أنھ ھنالك نفوسا مضطربة تفسّر النصوص المقدّسة
كما تحُب وتھوى.
النرجسیة
أحد أبرز الصفات الطاغیة على المؤمنین في أغلب الأدیان ھي الشخصیة النرجسیة، وھو اضطراب یجعل الفرد یصاب بالغرور
والتعالي وشعوره الدائم بأنھ مھم، علاوة على كونھ عاشق لنفسھ بشكلٍ متطرفٍ تماما كما كان نركسوس الیوناني ، فالمؤمن لا
یحب النقد إطلاقا،ً بل یرغب في سماع كلمات الإطراء والمدیح والإعجاب، ولھذا كانت الیھودیة تتعامل مع أي ناقد معھا بصرامة
وجنون وتتھم أي ناقد لھا بالعنصریة تجاه السامیة، وھو الحال كذلك في المسیحیة التي قامت بإنشاء محاكم التفتیش في ما مضى
من أجل بقاء عقیدتھا بعیدا عن متناول المتقدین؛ وخیر مثال على ذلك ھو ما قام بھ المصلح مارتن لوثر حینما أنتقد بعض
أخلاقیات المسیحیة وفكرة صكوك الغفران؛ الأمر الذي جعلھ منبوذا في الكنیسة الكاثولوكیة ومطاردا في أرجاء المملكة المسیحیة،
ولا یختلف الأمر كذلك عند المسلمین الحالمین بقیادة العالم من جدید جغرافیاّ وسیاسیا واقتصادیا،ً ولنا شواھد كثیرة على النرجسیة
التي عانا منھا المسلمون في القرون التي خلت والتي أردت كثیرا من المنتقدین بین القتل أو السجن أو التكفیر
الأدیان تحمل في طیاتھا العزة بالنفس، وھذا ما یمكن فھمھ من خلال النصوص أو الأحداث والوقائع التي یعتقدھا المؤمن؛ حیث
یعتقدون بأنھم مختلفین وممیزین وأن لله دون سائر البشر أنتقاھم ومیزھم عن الغیر، فالیھودي یعتقد بأن یھوه اصطفاه عن
العالمین، والمسیحیون یرون أنفسھم بأنھم ابناء لله وأحباءه وأنھّ ضحى بنفسھ من أجل غفران خطایاھم، والمسلمین یعتقدون بأنھم
خیر أمة أنزلت للناس، فما من مؤمن لا یرى نفسھ بأنھ الأفضل لكونھ من طائفة ما، ولھذا نرى نسبة الإفراط في الحساسیة تجاه
أي نقد للدین عالیة جدا،ً علاوة على المفاخرة المفرطة لكونھم من أتباع یھوه أو یسوع أو أي إلھ أو نبي آخر، والنظر إلى
المختلفین عنھم بالدونیة والإنحطاط والضیاع، ولنا أن نسأل یھودي عن رأیھ في المسیحیة، إذ سیصفھا بلا شك بأنھا طائفة ضالة
قامت بسرقة التراث الیھودي بواسطة رجل كاذب أدّعى أنھ الماسیح الیھودي المنتظر، وقس على ذلك باقي الأدیان السابقة في
مواجھة الأدیان التي أتت بعدھا.
ھذه النرجسیة الدینیة ھي ما جعلت العالم الیوم یعیش اللا-توافق واللا -انسجام بین منتسبي الأدیان، لشعور كلا منھم بأنھم الأفضل،
وأنھم وحدھم ملّاك الحقیقة المطلقة. تلك النرجسیة لا تعطي الحق للمضطرب بإدانة أو استحقار أو التقلیل من المختلفین وحسب؛
بل یصل الأمر في بعض الأحیان إلى القتل تماما كما حدث مع أوریجانوس الذي قتلتھ الكنیسة القبطیة بعدما شبع عذابا،ً وكما
حدث مع أرخمیدس التي اضطھدتھ الوثنیة الرومانیة وسقراط التي تجرّع السم تنفیذا للإعدام جراء أتھامھ بالكفر بالعقیدة الوثنیة
الیونانیة، والقائمة لا تنضب وغیر مرشحة للتو قفّ في ظل وجود مؤمنین یعانون من ھذا الاضطراب والسبب في ذلك یكمن في
كون الأخیر ینظر إلى أي أنتقادٍ دیني لإلھھ أو دینھ ھو إنتقاد موجھ لھ شخصیاّ وھو ما یفسر وجود كثیر من المؤمنین لا یناقشون
بموضوعیة أي موضوع دیني انتصارا لكرامتھم الجریحة.
الزینوفوبیا
رھاب أ و اضطراب آخر یعاني منھ الكثیر من المؤمنین، ألا وھو كراھیتّھم للغرباء والأجانب، إذ ھنالك نوعان من ھذا الاضطراب
الذي یمكن ملاحظتھ بوضوح في العالم: الأول ذلك المستمد من العنصریة العرقیة، أي أن یكره الأشخاص شخوصا آخرین
لكونھم مختلفین عنھم عرقیّا،ً تماما كما حدث مع الشعب الألماني في ما مضى بإعتقادھم بأن العرق الآري ھو العرق الأسمى
وأن باقي الأعراق حثالة، وھنا أنا لا أتحدث عن ھذه الكراھیة المستمدة من العرق، بل كراھیة الأجانب لكونھم أجانب وحس ب
كان ھذا النوع من الرھاب منتشرا بشدّة في المجتمعات المسیحیة في القرون الوسطى المظلمة حینما سیطر المسلمون على أجزاء
كبیرة منھا كالقسطنطینیة والأندلس وأجزاء من المملكات المجاورة بھا كالنمسا وإیطالیا والمجر وفرنسا، وقد خلق ھذا النوع من
الرھاب لمجرد رؤیة المرء شخوصا غرباء في وطنھ زائرین أم مستوطنین أم محتلین ومسیطرین، والیوم ربما لا یوجد من
یعاني من ھذا النوع من الرھاب أكثر من المسلمین بعدما فقد المسلمین احترام العالم لھم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر
والأحداث التي تلتھا وتبناھا مسلمون متطرفون، إذ أصبح دورھم الثقافي في العالم معدوما تماما،ً فلا مساھمة ولو بسیطة تذكر
في ركب الحضارة الإنسانیة في شتى النواحي الفلسفیة أو العلمیة أو السیاسیة، وربما ولكون لا أحد فعلا یكترث للدین الإسلامي
أو حتى لمشاعر المسلمین، ومن ھنُا خلق ھذا الرھاب وأصبح جزءا من الھویة العربیة، والإسلامیة بشكل خاص.
شعور المسلمین تجاه الأجانب بالحقد والكراھیة ھو نتیجة شعورھم المسبق بالدونیة والإحباط والعجز والفشل في كل المجالات،
فمنذ أن وجد المسلمون، لقنّوا بأن لھم دین مؤثر ومھم، بید أنّھم لا یرون ذلك على أرض الواقع، حیث أنھم یدركون الیوم أنّھ لا
یوجد في العالم الغربي من یبدي أھتماما لدینھم، أي لا أحد یكترث للإسلام في جوھره الدیني أو الإنساني، بل أغلبیةّ المھتمین
بھ یلجؤون إلیھ لمعرفة وفھم الممارسات الإرھابیة فقط
ھذا الشعور بالدونیة یولّد الغضب والكره والحقد لدى المسلم للأجانب، وھو ما یمكن رؤیتھ بشكل واضح في قتل شیعي لسنّي
والذي یظُھِرُ المسلم فیھ إن لم یكن تعاطف ا؛ً فأقصاه استنكارا للجریمة، في المقابل سترى الغضب والجنون في قتل یھودي لمسلم
ما، وكأنھم یخبرون العالم بأنھّ لا بأس في في قتل مسلم لمسلم آخر مھما كان تفاھة السبب ومھما علت الأرقام وطالت الأطفال
والنساء، ولھذا یتظاھر الآلاف على الشوارع جراء قتل یھودي لفلسطیني ومن جھة أخرى، تتساقط الجثث في العواصم الأسلامیة
بشكل مستمر وما من صرخة أعتراض أو استنكار سوى ذوي القتلى فقط.
المیكافیلیة
أحد أھّم الأفكار التي نفھمھا من میكافیلي في كتابھ الشھیر الأمیر؛ ھو كیف تسیطر على الجمھور المحكوم، عن طریق الترھیب
أو المحبّة، أي أن تكون مھابا أو محبوبا،ً في الوقت الذي یذكر فیھ أن المھابة وعدم وجود الكراھیة أمر یمكن إدراكھ من خلال
الدرایة الكافیة بأمور الرعایا ، بید أنھ یصف الأمیر الناجح ھو ذلك الذي یملك سلطة قویة على زمام الأمور ولا تقف في طریقھ
أو في سبیل تحقیق أھدافھ أیة أعتبارات دینیة أو إنسانیة أو أخلاقیة، فالمصلحة ھي المصلحة العلیا للوطن، ولھذا فكل ما یلجأ
إلیھ الأمیر من سبلٍ كأستخدامٍ مفرط للقوة ھو أساس الحق وجوھره، ویمكن قیاس تلك المیكافیلیة المتمثلة في الغایة تبرر الوسیلة
أو الوسائل إلى تلك الممارسات التي یمارسھا المؤمنین وبالأخص من ھم في الھرم الدیني في كافة الأدیان من قتل من قتل وتدمیر
واغتصاب وأستبداد وأغتیالات، فكل تلك الممارسات كانت تھدف إلى حمایة المقدسات على حد زعمھم
للشخصیة المیكافیلیة وجھ آخر، وھو النفاق أو أزدواجیة واضطراب المعاییر، إذ أنَّ المیكافیلي [حاكم، رجل عادي، بابا، قسیس،
شیخ، بطریریك، حاخام، حبر أعلى، مرشد أعلى، قائد] یتظاھر دائما -أو یظنَّ أنھّ كذلك – بالرحمة وحفظ الوعود والمصداقیة
والإنسانیة والتعاطف والأتصاف بالأخلاق النبیلة كالوفاء والعفّة والزھد وھو في الحقیقة عكس ذلك تماما،ً بل أن أمواج سلوكھ
تحددھا الریاح القادمة من الجمھور المتلقي لتعالیمھ، فالحاكم الباباوي أوریان الثامن الذي یعرف عنھ بأنھ كان محبا للفنون
والاصلاحات الدینیة ووصف اتباعھ لھ بالمُحِبْ ھو نفسھ الذي قام بمحاكمة جالیلیو على نظریتھ عن مركزیة الكون واتھامھ
بالھرطقة وسجنھ ونفیھ حتى الممات، إذ كان حریصا على الكنیسة وتعالیم التوراة؛ وأن یقوم البابا بإسكات فاه جالیلیو حتى لا
یظُھِرَ الأخیر للعلن أن تعالیم العھد القدیم -المتمثلة في سفر التكوی ن- خاطئة وقد تم دحضھا؛ فإن ذلك السلوك ھو المیكافیلیة
بعینھا، فلقد فعل البابا كل ھذا بجالیلیو بالرغم من مشاعر الود والصداقة التي كانت بینھما، وھو تماما ما تعنیھ المیكافیلیة في
جوھرھا. لتصبح في ما بعد اضطرابا سلوكیا في العقائد الدینیة الشرقیة، فطالما أن القتل والتدمیر والاستیطان وتھجیر البشر
سلوكا سیؤدي للغایة المرغوبة؛ فھو شرعي في سبیل تحقیق تلك الغایة الأسمى مھما كانت السبل، وطالما الكذب والإفتراء
والإغارة ونقض العھود أمرا محمودا في غالبیّة العقائد وقت الحرب، فھي محمودة في سبیل تحقیق الغایات المرجوّة.
الوسواس القھري
أحد أبرز الاضطرابات النفسیة التي یعاني منھا المؤمن، فعلى غرار أنَّ ھذا النوع من الاضطراب مفسر طبیاّ على كونھ شعورا لدى الفرد بالقلق وھو أمر ذو أسباب نفسیة أو بیولوجیة محددة یتم التعامل معھا على أسس مخبریة من خلال التحكّم في مستوى
السیروتوسین في الدماغ ؛ فإن المؤمن یعاني أیضا من نقص حاد في السیروتوسین والذي جعلھ یعاني من وسواس قھري دیني،
نتیجة التنشأة الدینیة الصارمة المتصفة بالقسوة والإحباط والتأنیب وفقدان الشعور بالأمان والرضا الإلھي والشعور الدائم بالخوف؛
وھو ما یجعل المؤمن في حالة وسواس قھري دائم.
في ما مضى، تعاملت الكنیسة مع تلك الحالات على أنھّا مس شیطاني تمكّن من المؤمن؛ وأنا ھنُا أحاو ل خلق تقارب بین الوسواس
القھري الذي یعرف بأنھ ذلك الوسواس – على سبیل المثال- الذي یتمثل في معاناة المصاب بھ بوسواس النظافة مثلا أو الترتیب
أو التنظیم؛ ولكنني ھنا أودُّ أن أشیر إلى نوع آخر، وھو ذلك الوسواس الذي یجعل المرء “خائفا من الذھاب إلى الجحیم”، إذ
یشتكي ھؤلاء المؤمنین المصابین بھذا الاضطراب من تقصیر في العبادة والتشكیك في إیمانھم في الرب؛ ذلك الشعور یجعلھم
یقرؤون الكتب المقدسة كثیرا ویكثرون من الصلاة والتجھد والإبتھال بشكلٍ مفرط، وھو ما یفسر أن تكون السعودیة ومصر ھما
أكثر الدول التي تنتشھر فیھا العیادات التي تعالج الوسواس القھري نتیجة الشك الدائم والتشدد والتردد والعیش في حیاة ملیئة
بالیقظة الدائمة والقاسیة والغلو الدیني المتمثل في الأحساس بالذنب في كل حدث طبیعي یحدث للعالم كنتیجة لغضب الرب في
تقصیر عباده في العبادة، ولھذا یتكرر دائما على شاشات التلفاز في البرامج الدینیة المباشرة سؤال من قبل متصل ما یسأل المتلقي
[الشیخ] عن حكم نسیانھ لقول النیّة قبل الصلاة أو أنّھ یظّن أنّھ أحدث أثناء الصلاة لكنّھ غیر متأكد
.
السیكوباثیة
قبل أن نساءل العالم الإسلامي كلھّ عن ھذا الإنحطاط الذي یعیشھ المسلمین الیوم؛ علینا أن نفھم قبل كل شيء أن الخلل یكمن في
سایكولوجیة المسلم، فالمساجد ممتلئة بالرغم من كل ھذا ووضعھم مزري جدا،ً ھنالك مشكلة م ا
السیكوباثیة الدینیة ھي مقاربة أخرى واضطراب آخر یعاني منھ المؤمنین متشكلا في خلق شخصیة معادیة للمجتمع، ویمكن
القول ھنا أن المجتمع ھو العالم، طالما أننا نتحدث عن دیانات منتشرة في كل بقعة جغرافیة من العالم، محاولین بذلك فھم تصرفات
المؤمنین جمیعا والذین یقومون بھا في غالب الأحیان بدمٍ باردٍ جدا مھما كانت قساوتھا، ھذا الاضطراب الذي تظھر أثاره على
شكل استھتار واستخفاف بحقوق الآخرین وفي أنتھاكھا، وأفتقار الحس الأخلاقي المتمثل في الشعور بالذنب أو تأنیب الضمیر
وانتشار تلك السلوكیات المندفعة والغاضبة والعدوانیة تجاه المجتمع العالمي وھي لیست بأسباب فزیولوجیة أو بیولوجیة أكثر من
كونھا أسباب فكریة سببھا الرئیسي ھو دین المضطرب وعقیدتھ
الدولة الیھودیة ھي أكثر الدول التي تعاني من ھذا النوع من الأضطراب – دولة وأفراد- إذ أنھا أكثر الدول فشلا في الإمتثال
لتلك المعاییر الأممیة التي قننتھا اللجان المختصة بالقوانین الدولیة واللوائح في الأمم المتحدة كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان،
فالإستیطان والتھجیر والتدمیر والجدار العنصري أنتج أكثر من ألف حالة أنتھاك على مدار قیام ونشأة دولة اسرائیل، وبكل تأكید
فھو لیس حصرا على الدولة الیھودیة؛ بل یشمل غالبیة الدول الثیوقراطیة والمتطرفة التي لا تستمع لنداءات منظمات حقوق
الإنسان وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالأمر ذاتھ، كتلك البیانات التي تصدر من المنظمة بھدف عدم تنفیذ أحكام الإعدام أو
تنفیذ عقوبة الرجم أو الجلد أو قطع الأطراف أو السج ن.
الدول المضطربة ھي الاخرى تتمیّز بالكذب والخداع والاندفاع في تفسیر الأمور المحلیة والأقلیمیة، ودائما ما تبدي استخفافا تام
بسلامة جوھر القضیة وعدم تحملھا للمسؤولیة وتبعیة أفعالھا، بل والھروب من المساءلة دائما والفشل في الإلتزام بالمعاھدات
والمواثیق الدولیة، وھو ما یفسر سبب عدم توقیع اسرائیل أو باكستان أو الھند – كدول ثیوقراطیة – على أتفاقیة حظر الأسلحة
النوویة، وھو ما یفسر أیضا سب ب التوقیع على قانون منع الرق والإتجار بالبشر في بعض الدول الثیوقراطیة قبل عقود قلیلة فقط
وبشق الأنفس وبضغوطات دولیة.
المؤمن السیكوباثي أیضا یفتقر إلى أحساسھ بالندم؛ وھو ما لم تبدیھ الدولة الیھودیة على مدار ستین عاما من أغتصابھا لأرض
الغیر وتھجیر واضطھاد شعب بأكملھ، وھو الأمر مشابھ أیضاً عند بعض الدول الإسلامیة التي مارست أفعال أجرامیة كأضطھاد
وتھجیر للشعوب الأصلیة في سبیل استعمارھا أو فتحھا في دول المغرب العربي، وكتلك الممارسات المسیحیة التي كانت
محصلتھا أختفاء –أو على وشك– عرق كامل من الولایات المتحدة الأمریكیة وھو شعب الأندیانا السكان الأصلیین، أو تلك
الممارسات التي قامت بھا المملكات المسیحیة كجزء من التوسیعات الجغرافیة ومارست اضطھادا واستعبادا على غالبیة الدول
الأفریقیة بذرائع دینیة غیر مبررة، فمن تابع الأحتلال الأمریكي للعراق؛ فھو بلا شك لن ینسى ببساطة جرائم المحمودیة التي
طالت عائلة بأكملھا وشكلت أشرس أنواع السیكوباثیة في القرن الحالي والتي قام بتجسیدھا في فیلمھ المخرج الأمریكي بریان
وبالأخیر یمكننا ضرب مثال آخر لأحد أبرز الشخصیات المؤمنة التي تعاني من ھذا “Redacted “. دي بالما في تحت عنوا ن
النوع من الاضطراب والذي أودى بحیاة أكثر من ملیوني قتیل وتدمیر كامل لدولة یمتد تاریخھا لأكثر من عشرة آلاف عام من
الحضارات الإنسانیة، حینما سئل رئیس الوزراء البریطاني السابق توني بلیر عن ما إذا كان یشعر بالندم جرّاء احتلال بلاده
للعراق. الإجابة كانت مخزیة جدا.ً سیكوباثي بامتیاز.
البیدوفیلیا
اضطراب وخلل نفسي وعقلي، یصیب بعض البشر ویجعلھم یعتدون أو یتحرشون على فئة معینة من المجتمع، وھي الأطفال .
وھو مرض اشتھرت بھ المسیحیة خصوصا في القرنین الأخیرین، وبالتحدید قبل أعوامٍ بسیطة حینما اضطر بابا الفاتیكان
بندكتوس السادس عشر، وبسبب ضغوط أممیة إلى الإعتراف والإقرار بأن أكثر من أربعمائة كاھن مسیحي وخلال سنتین فقط
قد تورطوا في قضایا تحرّش جنسي بالأطفال، مما أجبره على أعفاءھم من مناصبھم، أعفاءھم وحس ب.
العجیب في الأمر، لیس الرقم المخیف في عدد المتورطین جنسیّا بالتحرش في الأطفال، ولیس في كون مؤسسة دینیة بأكملھا
تصف نفسھا بالقداسة ویفترض أنھا في قمّة الھرم الأخلاقي أن تكون بھذا الحجم من الإنحراف الأخلاقي، لا كل ھذا متوقع متى
ما أجتمعت الظروف التي سأتحدث عنھا في ما بعد، العجیب في الأمر ھو أن یقوم بابا الفاتیكان بنفسھ – وھو نائب المسی ح على
الأرض كما یعتقد المسیحیی ن- بالعفو عن كل ھؤلاء المجرمین والتستر على اسماءھم، مما یجعل العالم بأسرة أمام خطر وتھدید
حقیقي قد یطال أطفالھم یوما ما. فمن سلم العقاب ساء الأدب، فكیف یكون البابا بنفسھ من یتجاوز القانون ویرفض تسلیم
المتورطین لإیدي العدالة عمدا ودون مراعاة لحقوق الضحایا. ولكن، ما الذي یجعل رجل دینٍ ما بیدوفیلیّا؟ً
1شرط ترك الزواج والرھبنة )
الحرمان والكبت الجنسي الذي یعاني منھ الكھنة استنادا على التعالیم المسیحیة التي تفرض علیھم الاّ یتزوّجوا أو یرتبطوا بأي
علاقة حمیمیة كشرط من شروط الطھارة والقداسة ھي السبب الرئیسي في حدوث ھذا الاضطراب التي تقع آثاره على الطفل
2المدارس الكنسیة الداخلیة )
للمدارس الكنسیة دورٌ مھم في حدوث ھذا الاضطراب أیضا،ً فالأدیرة والمدارس الدینیة والتي یقوم فیھا أولیاء الأمور بإرسال
ابناءھم للتعلیم أو لخدمة الكنسیة كمنشدی ن للتراتیل ھي حافز آخر لرجل الدین الممتنع من حاجاتھ البیولوجیة والتي یحاول
أقصاءھا إرضاءًا وتقرب اً
. 3الخصیان والقبلة المقدّسة )
تطبیق فكرة الخصیان وانتشار القبلة المقدسة ھما سببان مھمّان أیضا في نشوء ھذا الاضطراب في العقیدة الكنسیة أو في السلوك
المسیحي، فالقبلة التي كانت في ما مضى طقسا من الطقوس المسیحیة المختلطة بین الجنسین والتي انتشرت فیما بعد وأصبحت
ملیئة بالشبھات وسوء النوایا لفرط استخدامھا بین الكھنة والطلاب، وأیضا فكرة الخصیان أو المخصیین التي وجدت بالقرن
الأول المیلادي والتي طبقت على مرتلي الإنجیل والمنشدین والتي ھدفت إلى أنشاء مغنیین ومرتلین لا یملكون أي رغبة جنسیة
أو ربما ھدفت إلى القضاء على الھرمونات الذكوریة فیھم وجعل أصًواتھم أكثر رقّة وعذوبة.
وعلى الرغم من إدانة یسوع لأھل سدوم وعمورة المذكورین في العھد القدیم، إلاّ أنَّ تلك الإدانة لم تجعل م ن بابا الفاتیكان أن
یقوم بمعاقبة ھؤلاء كما فعل الرب، ولھذا فلا توجد ولو محكمة أوروبیة واحدة قامت بمحاكمتھم، وبالرغم من أنَّ دولة الفاتیكان
قد وقعت على قانون حقوق الطفل في عام 1990 م.
الحال لا یختلف كثیرا في المجتمع الإسلامي، بل ھي أسوء في بعض الأحیان، فالم سلمین البیدوفیلیین غالبا ما یكونوا متزوجین،
بل ویتیح لھم الدین الإسلامي بأكثر من زوجة، ولكن ما زال ھنالك من یتحرّش بالأطفال فأین یكمن السبب؟
معاییر التحرش الجنسي مختلفة جدا بین المجتمعات الثیوقراطیة والعلمانیة، فیكفي أن تنظر إلى مؤخرة طفل ما أو تحدّق في
فاھھ بشكل مستمر وغریب أن تتھّم بھذا الإنحراف، وفي المجتمع الإسلامي، یكون معیار التحرّش الجنسي بالملامسة أو الفعل
الفاحش، ولھذا فلا یجب أن یتعجّب المسلمون على تلك الأرقام المخیفة التي یقوم بھا بعض الباحثین الغربیین في ھذا الموضوع،
فالتحرش الجنسي عند المسلمی ن فعل مادي ملموس، أمّا عند الغرب فالإیحاءات والإشارات وحدھا تكفي، وھو الخطأ الذي یقع
فیھ المسلمون عادة نتیجة لتقصیرھم أو لحسن نوایاھم، والأثر بأكملھ یقع على أطفالھم. علاوة على كون تلك القضایا لا یرغب
المسلمون الحدیث عنھا ویفضلون الموت عوضا عن كشفھا لكون المعیار الأول في الشرف أو العار ھو الجنس، ولھذا فھناك
قضایا عدیدة لا أحد یفتش في تفاصیلھا، ویصبح المجتمع بأسره واقع في الجرم بین متستر وفاعل ومفعول بھ. ولھذا یقوم
المسلمون عادة بتغطیة طفلة بالملابس بشكلٍ مفرط وھي لا تتعدى تسعة أعوام من عمرھا، مبررٌ جد ا.ً
الھوموفوبیا
رھاب آخر یعاني منھ المؤمنین في كافة الأدیان، وھو الرھاب والخوف والكراھیة للمثلیین، والرفض التام – اجتماعیا ودینی ا-ً
وعدم الإرتیاح لتلك المیول والنشاطات التي بقوم بھا المثلیین. وبالرغم من أنَّ ھنالك عوامل بیولوجیة وفسیولوجیة وسیكولوجیة
للمثلیّة؛ إلاّ أن المجتمعات الدینیة ترفض الإعتراف بوجودھم أو حتى حقوقھم المدنیة، وبالرغم من أنَّ معظم دول العالم وقعت
على إتفاقیة الأمم المتحدة بإزالة جمیع أشكال التمییز ضد المثلیین . والسبب في الرفض التام ھو واقعة سدوم وعمورة التي
ظھرت كأول مرة في العھد القدیم ثم القرآن والتي تحكي قصّة غضب الرب على شعب قام بممارسات مثلیّة. والطریف في
الموضوع، أن سدوم وعمورة، تلك المنطقة المذكورة في العھد القدیم، تقع في الأردن حالیا،ً ووحدھا الأردن من بین الدول
العربیة من تجرّم المثلیّة الجنسیة.
المؤمنین لا یرفضون المثلیین وحسب، بل ویتقززون من التعامل معھم ویرفضونھم بشكل قسري في كل المجالات، ویصل الأمر
في بعض الحالات إلى نكران وتجاھل كل ما یصف بھ الفرد المثلي من مھارات أو قیم نبیلة لیصبح المعیار الأول عند المتدینّین
في مواجھة المثلي ھو المیول الجنسي وحسب. ویصل الأمر في أسوء الحالات إل ى القیام بأفعال أجرامیة كحادثة أورلاندو بولایة
فلوریدا الأمریكیة والتي راح ضحیتّھا أكثر من خمسون قتیلا لا لسبب أكثر من كونھم مثلیین وحس ب.
البارانویا
لعل البارانویا الدینیة أكثر الأمراض النفسیة التي ترافق المؤمن، فما من مؤمن لا یعتقد بأنّھ مستھدف أو مضطھد أو ملاحق،
ولھذا نرى تفسیرات خیالیة من قبل المؤمنین لسلوكیات الآخرین. المضطرب یعیش في حالة وھم وھذیان دائم ، ولھذا فھو یسيء
تفسیر أي عمل أو أشارة تصدر من الآخرین المختلفین عنھم ویتحسسون من أي نقد حاد ویعتبرونھ أزدراء أو أحتقار لھم، وترى
ھذا النوع بشكل واضح عند الیھود والمسلمین في الوقت الحال ي.
ھذا النوع من الھذیان یجعل المضطرب في كثیر من الأحیان دوغمائي بحت، یدافع عن الأراء المنتمي لھا ولا یتعرف بالخطأ
% أو بالفشل، بل ویرمي في بعض الأحیان فشلھ في كل النواحي إلى الآخرین، إذ ھنالك في المجتمعات الإسلامیة ما یقارب 99
من المسلمین من یعتقد بشدّة بأن كل فشل لمجتمعاتھم نتیجة لنظریة المؤامرة على الدولة والدین، الأمر الذي یفسر كونھم في
حالة غضب وحقد دائم تجاه الغرب نتیجة لتحلیلاتھم المفرطة والخاطئة وشعورھم بالاضطھاد
نقطة ھامة یجب الإشارة إلیھا أیضا،ً وھي أن ھذا النوع من الاضطراب لا یمكن أعتباره بأنھ فصام ھذائي أو ھستیریا لسبب
بسیط، وھو كون أنَّ المضطربین غیر منفصلین عن واقعھم، بل متصلین بھ ومؤمنین تمام الإیمان بنظریة المؤامرة وفي كل
النواحي العمریة نتیجة للتعبئة الدینیة.
متلازمة ستوكھولم
ما الذي یجعل المؤمنین یتعاطفون مع المتورطین من الكھنة بقضایا التحرش الجنسي ضد الأطفال؟ ما الذي یجعل المسلمین
والمسیحین في لبنان یتعاطفون مع أعداءھم من الأحزاب السیاسیة والدینیة [ حزب لله، 14 و 8 آذار] وبالرغم من الإساءات
المتتالیة بحقھم؛ ما زالت ھنالك علامات كثیرة من الولاء والطاعة والدفاع عنھم والتضامن معھم وفي أسوء الحالات الوقوع في
حبھّم
ألیس المرشد العام في إیران باستراتیجیّاتھ وأھدافھ وفتاویھ سببا في ھذا الفشل الذي یعیشھ الإیرانیون والذي یقع عائقا أمام تط ور
المجتمع؟ ما الذي یجعل ھؤلاء المؤمنین یعشقون أكثر الشخصیات اعتداءا علیھم ویكنون لھم مشاعرا إیجابیة ویؤیدون أفعالھم
ولو أصبحت أعتداءا صریحا ویدافعون عنھم ولو كان الفعل فوق رؤوسھم؟ أولیس وجود مجتمعات مسلوبة الإرادة مغلوب على
أمرھا سینتھي بھا أن تتعاطف مع المعتدي في الأخیر؟ ماذا لو قمنا بأستجواب بعض المؤمنین في الدول الثیوقراطیة كإیران
والسعودیة ومصر واسرائیل والفاتیكان؛ فھل ستجد مؤمنا ملتزم سیقول بأنھ لا یتفق مع تعالیم دینھ أو سلوك رجال الدین؟ محال،
وإن كنت تعتقد بغیر ھذا، ففسر لي السبب الذي یجعل بعض المواطنین في الدول الأوتوقراطیة والقمعیة والاستبدادیة یتعاطفون
مع الطبقة الحاكمة ویحتفلون بأعیادھم ویدعون لھم بطول العمر والصحة مع الھتافات الولائیة المتكررة بمناسبات أو بدون
مناسبات مع إیمانھم وأدراكھم التام بوجود استبدادٍ وظلم یطالھم وابناءھم؟ أولیست الوطنیة في أقسى حالاتھا [الشوفینیةّ] شكلا من أشكال التدیّن أیض ا.ً
بالأخیر شیزوفرینیا المؤمن ھي قائمة طویلة من الأضطرابات العقلیة والنفسیة التي یعاني منھا غالبیة المؤمنین، وترك الدین
لیس الحل السحري لكل ھذا، فإنھاء ظاھرة التدینّ لیست حلاّ فعالا،ً بل لكل مؤمن الحق المطلق في ممارسة شعائرة الدینیة، كما
لھ مطلق الحق في أن یكون مصابا بمرض ما، فمسألة الأستطباب من المرض مسألة شخصیة بحتة تعود للمضطرب وحده طالما
لن تؤثر تلك الاضطرابات على الآخری ن.

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started