المسلمين وثقافة الكيل بمكيالين

منذ الصغر، والمنابر الإسلامیة تصدح بالقول بأن الإنجیل الذي بید المسیحیین محرّف، حتى أصبح ذلك القول من المسلّمات في
عقولنا رغم انعدام – ولیس افتقار- الدلیل على ذلك، وبالرغم من ھذا الطعن الجائر في حق العقیدة المسیحیة؛ لم نسمع یوما بأن
سفارة عربیة قد حرقھا المسیحیون في بلادھم ولم یقم أحد بتھدید شیوخ الإسلام على قولھم ھذا أو یتوّعد لھم بالقتل أو أن یفكّر
الغرب بمقاطعة المنتجات السعودیة أو المصریة أو التركیة مثلا،ً بالرغم من أن ذلك یعدُ طعنا في الدین لا یقبل تأویلا غیر ھذا،
وأن الضالون ھم المسیحیون والمغضوب علیھم ھم الیھود، فھل رأینا یوما مسیحیا یطالب الأمة الإسلامیة بالاعتذار كما یطالب
المسلمون الغرب دائما حینما تجرح مشاعر مقدساتھم، أولیس أي عقیدة أو فكرة لا تقبل للنقد غیر مطروحة لأن تعرض على
الناس لیأمنوا بھا، أولیس أن تقدم طرحاَ ما وتطالب العامة أن یأمنوا بھ لھم الحق في تقییم الفكرة أولا،ً أولیس التقییم مرادفا للنقد؟
فلماذا یعتقد المسلمون أن أي نقد لمعتقداتھم شتیمة ومؤامرة في حق القرآن أو النبي، فكیف یعقل أن یفكر ملایین المسلمین بأن
من یطعن في نبوّة محمد شاتم ومزدرٍ للدین الإسلامي، أي كأن یقول: محمد لیس نبیاّ فیعد ذلك شتیمة لنبیھّ، حسنا؛ إذا سلمنا بھذا
المنطق الأعوج، وبھذا الحق الذي لا أصل لھ؛ فالأجدر أیضا أن یعامَل المسلمون بالمثل تماما مع سائر الأدیان، فمن یقول بأن
عیسى نبیّا ولیس إلھ كما یعتقد المسیحیون؛ فھذه شتیمة في حق عیسى، وبما أن المسلمون مستعدون لقتل أي امرء یعتقد بأن
القرآن لیس كلام لله، فالأجدر أیضا على المسیحیون أن یتعاموا بالمثل مع من یقول بأن الإنجیل لیس كلام لله وإنما محرّف من
قبل أتباع یسوع، ھل تتخیلّون كیف سیصبح عالمنا لو أن المسیحیون یعاملون المسلمین بالمثل؟ ستظھر الدولة المسیحیة في
القسطنطینیة وروما أسوة بالدولة الدولة الإسلامیة في العراق والشام، وسنرى أشد أنواع التنكیل والمذابح في كافة الأقطار
الإسلامسحیة في حق رجال الدین كھنة وشیوخ وفي حق عامة المؤمنین، وعلیھ فقد تبیدُ أمّة الملیاري مسیحي أمّة الملیار ونصف
مسلم. لكن المسحیین بلا شك لن یتعاملوا ھكذا، فالدماء التي أزھقت على مر العصور؛ تعلمّوا منھا أن الدم الإنساني أثمن من أن
یقتل دفاعا عن فكرة أو معتقد، فالدین أتى لخدمة الإنسان، ولیس العكس.
كما على المسلمین في كافة الأقطار الإسلامیة أن یدركوا أمرا ملحا،ً وھو أن النقد الذي یقع على النصوص لیس شتما ولا استخفافا للأشخاص أو الأدیان، وبما أن الرموز الدینیة ھي شخصیات عامة وملك للجمیع؛ فلابد أن یتعرضوا للنقد في إطار تشریعاتھم
وتعالیمھم وحیاتھم الخاصة وممارساتھم الیومیة، فالعقائد یجب أن تبُْرز كل عیوبھا ومیزاتھا على العلن، وبعدھا یمك ن للمؤمنین
أن یقولوا فمن شاء منكم أن یؤمن ومن شاء فلیكفر، أما الوصایة على الفكر ومجابھة القلم بالرصاصة فإن ذلك سیحوّل النقد إلى
سخریة، ومن التعاطف ازدراءً، ویوسع من شكل العداء البشري وصدام الحضارات، وھو ما سیجعل المسلمون أیضا یقعون في
فخ التاریخ الأسود للأدیان كالكاثولیكیة في الحقبة القروسطیة، ولو شاء المسلمین أن یتعاملوا مع رأي أحد یخرج بأفكار جدیدة
بحد الردة والقتل؛ فھم بذلك یبرئون أھل قریش كلھم حینما عادوا نبیھم واضطھدوه لأنھ أتى بمعتقد جدید.
كما علیھم أیضا أن یجدوا مخرجا لحوادث الكیل بمكیالین والمعاییر المزدوجة التي یمارسونھا كالمبدأ السوفییتي القائل: ما لي
لي، وما لغیري فھو قابل للتفاوض، أو المقولة الشھیرة التي تصف المشھد الإسلامي بشكلٍ أدق: أنا ومن بعدي الطوفان، فقوانین
كازدراء الأدیان والمساس بالذات الإلھیة وإن كانت تجلب الاستقرار النفسي في قلوب المؤمنین، إلاّ أنھا تأسیس أولیجارشي
یقوده رجال الدین لقمع الحریات ومصادرتھا تحت مفھوم الوصایة والوكالة الإلھیة وباسم حراس الفضیلة، وإن شاء ھؤلاء أن
یطبقوا قوانین ازدراء الأدیان؛ فعلیھم أولا أن یخلوا منابرھم ویطھروھا من الخطابات العنصریة والتكفیریة والنرجسیة في حق
الأدیان الأخرى، وأن یدركوا أن فرض الاحترام لا یمارس باضطھاد وقتل ومحاكمات، بل كل أمرئ یستطیع أن یفرض احترام
العالم لھ بأسلوبھ وخلقھ وتسامحھ، فحینھا سیحترمونكم وھم صاغرون، ولو سألنا الغرب یوما:ً “لماذا یجب أن نحترم نبیكّم”، فإن
الإجابة لا یجب أن تكون تشارلي إیبدو، بل التسامح والموضوعیة والنقاش المثمر والاعتراف المتبادل؛ فالقتل الجماعي والإبادات
لمجموعة كتاب ومثقفین ورسامین وسینمائیین لن تحمي المقدسات؛ بل كل ممارسة وحشیة تنعكس على المعتقد ذاتھ، وھذا أشد
جرم یقدِمُ علیھ المؤمنون في حق معتقداتھم، والضعفاء والمتخلفون لا یریدون أن یسمعوا غیر المدیح والتدلیل، لانھم یخافون
النقد، یخافون النقد لأنھم یخافون التغییر لأنھ تعب ومعاناة وخطر، فالذي یقول أنا كامل ومنزه كأنما یقول: أنا لا أرید أن أتغیر
لأن التغییر إرھاق وخوف، والخوف من التغییر لیس فكرة بل عجز، والذین یرفضون أن ینقدوا أنفسھم أو یتغیرّوا لیسوا فضلاء
وانما ھم عاجزون ، فویل للمطففی ن.

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started