لا أحد یحتاج إلى تمحیص طویل على التعلیم في الأوطان العربیة لیتأكد من أنھا الأسوء على الإطلاق منھاجا ومخرجات، بالرغم
من أن المسلمون ھم الوحیدون من بین باقي المؤمنین من نزلت فیھم آیة تحثھم على القراءة. تخبطٌّ في وضع المناھج وفي بعض
الأحیان نقل تام للمادة العلمیة من الغرب دون الإلتفات إلى الأدوات والوسائل العلمیة المساعدة والتي یحتاجھا الطالب لیفھم المادة
العلمیة كالمختبرات ومراكز البحوث وكفاءة المدرسین. والأھم من ھذا كلھ ھي معضلة الحقائق العلمیة التي یواجھھا الطالب في
مقابل الحقائق الدینیة التي یتعلمھا في المادة الإسلامیة التي تقع عائقا أمام البحث العلمي والتساؤلات والتفكیر.
الیوم؛ ربما نقد المنظومة التعلیمیة لیس أمرا ملحا كما كان في الماضي، فالمعطیات بعد عصر الثورة الإلكترونیة أختلفت؛ إذ لم
تعد الكتب المدرسیة ھي المؤثر الوحید للعقلیّة الدینیة، فالعلوم أصبحت في متناول الجمیع في أي وقت وفي أي مكان بفضل
الإنترنت، فأصبح الخیار الوحید للفرد وحده في قبول فكرة ما من رفضھا، فما من سلطة على القراءة، وأصبح بإمكان الفرد
العربي أن یسبر أغوار ھذا الكون الھائل من المعارف والعلوم بلا قید أو وصایة، بید أن المشكلة لم تنتھي بعد؛ فمن یملك المال
یستطیع إنشاء قناة فضائیة أو موقع إلكتروني وبث علوما كاذبة ومزیفة، ولھذا ففیما مضى، كان للفرد المؤمن خیار وحید؛ وھو
الإستماع إلى تعالیم دینھ أو طائفتھ وحسب مع شیطنة باقي الطوائف والأدیان، وتلك مشكلة تنتج عقلیات مثقوبة وكراھیة للآخر
ولكنھا لا تنتج نقاشات وحوارات بیزنطیة وسجالات عقیمة وشتام للآخر كما یحدث الیوم، وذلك لقلّة الموارد العلمیة؛ فلیس
الجمیع على مقدرة بإقتناء الكتب، أمّا الیوم، فالشبكة العنكبوتیة وحدھا قد تكفلت بحلحلة ھذه المشكلة كأن لم تكن، إذ أصبحت
تحوي على المرادف والنقیض في آن واحد. ولإختلاف منطق كل ھؤلاء واتسامھم بالدونكیشوتیة والدوغمائیة والتعبئة والذي
خلق فیھم ولاءًا وأنغماسا في ما ینتمون إلیھ، وأصًبح للعلم المزیف متحدثین ومدافعین عنھ، فلیس الأحداث التاریخیة وحدھا محل
نقاش وسجال دائم، كما كان المسلمون فیما مضى منقسمین بین بردة علي وشعرة معاویة، أو رایات العباسیین السود أو الرایات
البیض لأبناء عمومتھم؛ لا، فقد طالت ھذه الخلافات والسجالات العلم؛ مما جعلھ أمام خطر محدق على أجیال قادمة، فالإختلاف
في الأحداث التاریخیة أقل خطورة بكثیر من أدعاءات علمیة مزیفة؛ أي أن أحقیة معاویة أو علي في الخلافة لا تسمن ولا تغني
الیوم من أن الواقع العربي یقع تحت نخبویة دكتاتوریة مستبدة.
لا أھدف في ھذا الحدیث إلى التطرّق إلى أثبات أحداث تاریخیة أو أنكارھا، أو حتى مناقشتھا من الأساس، لتاریخیتّھا أولا،ً
ولإنعدام المنھجیة الأكادیمیة في أثبات صحة أحداث تاریخیة كتبت أغلبھا بید المتخاصمین، فكیف نتنبئ للمؤرخ في صفوف
تنظیم الدولة الإسلامیة في العراق والشام أن یكتب تاریخ خلفاءه وأمراءه، والذي سیقرأه أحفادنا بعد قرون من الیوم.
كما أنني لا أود أن أشیر إلى علم ما وأقوم بتزكیتھ، ولا أن أنكر علوما على أخرى فللمرء عقلٌ وكفى بھ دلیلا، إذ أكتفي بوضع
قاعدة أراھا الأنسب لتبیان الفیصل بین العلوم الحقیقیة والعلوم المزیفّة.
فالعلوم الحقیقة ھي تلك العلوم التي تتبع الأدلة والإستنتاجات وتكون محل شك طوال وجودھا على عكس العلوم الكاذبة والتي
دائما ما تبدأ بالنتیجة ثم تبحث عن أدلةّ تطابقھا، أي أن الباحث في العلوم الحقیقیة یواجھون القضایا العلمیة بشجاعة تامة وحیادیة
وقبول للنتائج مھما كانت.
كما أن العلوم الحقیقیة تقبل النقد العلمي وترحب بھ، فالعالم یھدف إلى الوصول إلى الحقیقة، ولھذا فإنھ یقبل أي نقدٍ تجاه القضایا
الجوھریة والشائكة لإیمانھ بأن ذلك سیقوده إلى تصحیح الأخطاء والمفاھیم – إن وجدت – ولھذا فإننا نرى البیولوجیین
والفیزیائیین أكثر العلماء قبولا للنقد وأكثرھم مرونة وتقبلأ لإنعقاد الندوات والإجتماعات التي خصصت لتنتقد أفكارھم ونظریاتھم،
بینما العلوم الكاذبة ھي تلك التي تواجھ أي نقد بعدوانیة وبآذان صمّاء؛ وربما التاریخ الإسلامي حافل بكثیر من الشواھد في ھذا
الشأن مع الكثیر من علماءه كأبن سینا والمعري وابن رشد وعباس بن فرناس والرازي والحسن بن ھیثم ونصر حامد أبو زید
والقائمة تطول ولا تنضب، فالعلوم الكاذبة تنظر في أي محاولة لنقدھا بعین نرجسیة وبفكر حاد ونفس حقودة، أي أن كل نقد
تجاھھا إنما وراءه الغیرة أو المؤامر ة.
العلوم الحقیقیة ھي تلك العلوم التي تتغیرّ معطیاتھا ومفاھیمھا بتغیر الأدلة والنتائج، فنظریة التطور أو النظریة النسبیة لإنشتاین
أو نظریة كل شيء لستیفن ھوكینز والتصمیم العظیم أو الثقوب السوداء بالرغم من كل الأدلة التي ترجح صحّتھا؛ إلاّ أن العلماء
في لقاء مستمر لنقد ھذه المسلّمات الفیزیائیة، على غرار العلوم الكاذبة والتي دائما ما تكون دوغمائیة وجامدة وعنیدة متشبثة
بنتائجھا مھما كانت الأدلة ضدھا، فمبرھنة بطلیموس حول مركزیة الكون قد تم أسقاطھا مع أول تلسكوب، ولكن النظریات
المتعلقة بالكون والخلق، المستمدة من كتب التراث؛ صمدت كما ھي بالرغم من مرور أعوام على أثبات زیف أدعاءاتھا أو سوء
فھمھا في أحسن الأحوال.
العلوم الحقیقیة تصلك بالتفكیر العقلاني الممنھج، وتجعلك تحاول العثور على الحقیقة مھما كان، وتجنبك الخرافات وضیق الأفق
والعناد الدائم والجمود، وتجعلك أسیرا للفكرة وحسب ولیس الشخوص الذین أتوا بھا وقدموھا. فالعلوم الحقیقیة تخبرك دائما بأن
الحقیقة لیست دائما حقیقة، وأنھا لیست مسلم ومفروغ منھا، وأنھا قابلة لأن تكون خاطئة ولا تجعلك قابعا إلى تقدیرك الشخصي
بل داخل المنھج المعرفي والحجج العلمیة والإنتقادا ت.
العلم والمعرفة عند العالم المتدیّن تقف عند خطوطھا الحمراء التي ترسمھا السلطات؛ خوفا على المصالح والھویة والثقافة
والعادات والتقالید والموروث الدیني، بید أن المعرفة ما ھي إلاّ حالة تمرّدٍ أبدي على كل الحقائق والبدیھیات، فھي تقف متجردة
من الخوف من الإجابات والحقائق الكبرى، لا یھمھا ما إذا كانت نتائج كشفھا ستردي المجتمع إلى حالة عدمیة أو عبثیة أو شك
دائم بكل الوجود والقیم والأخلاق، فالعالم الحقیقي تھمھ الوقائع والحقائق ولا یكترث لعاقبة النتائج وإن كانت وخیمة على البنیة
الاجتماعیة والدینیة، غیر آبھٍ بالعواطف الجمعیة أو الیقینات التي قد تصبح أوھاما نتیجة الفضح والتعریة. فالعالم الحقیقي مسلحا بالعقل والمنطق والنقد والمنھجیة والموضوعیة بلا مسلمات ولا بدیھیات، وبمقدرة على الثبات والتغییر متى ما تبیّن الخطأ. كما
أن العلوم الحقیقیة تخبرك أن العالم ینطلق ویتحرك بناءًا على قوانین حتمیة وینفي إمكانیة وجود إیدٍ خفیةّ أو كائنات سماویة
تتدخّل لتغیّر مجرى المعادلا ت
.
