تتردّد على مسامعنا منذ الأزل مقولة مبتذلة تعرف ب “القانون لا یحمي المغفّلین”، وحقیقة
ھذه المقولة تاریخیا ھو أن فقیرا أمریكیا بعدما سئم من حیاة الفقر والتقشّف؛ أوجد لھ فكرة
احتیالیة كما صنّفھا المغرّر بھم بأن أنزل إعلانا بإحدى الصحف كتب فیھا: من یرید أن
یعرف السر في كیف أن تصبح غنیّا فلیرسل دولارا واحدا على عنوان بریدي. وبعدھا بأیام
معدودة أصبح الرجل غنیّا حتى قاربت ثروتھ إلى الملیون دولار، فأرسل للصحیفة إعلانا آخر یبیّن فیھ كیف أصبح غنیّا،ً الأمر الذي حدا بمن قاموا بإرسال دولار لھ برفع دعاوي
قضائیة حتى انتھت القصّة بنوع من الظرافة حینما قال القاضي للمدعین بأن القانون لا یحمي
المغفلّین.
في الحقیقة ھذه أكثر المقولات التي تتداول بین البشر في كافة الفئات حتى في بعض الأحیان
مع القضاة، وللدقة فإن القانون یحمي المغفّلین أكثر من غیرھم، فالقانون یحمي الجمیع:
مغفلون، معتوھون، مجانین أو غیرھم. بل أصبحت ھذه المقولة المتداولة وكأنھا تبریرا لأي
فعل خاطئ تجاه المغفلّ أو كما یراد أن یوصف، فإن اغتصبت فتاة أو تم التغریر بأحد في
معاملة تجاریة أم تم سرقة أحد في الشارع حاملاً مالا وفیرا،ً فإن أول ما یواجھ بھ ھو إلقاء
اللوم علیھ.
القانون یحمي الجمیع بدلیل وجود أحكام خاصة تحُدد متى یكون العقد باطلاً ومتى یكون قابلا للإبطال في حال وجود عیب یشوب الإرادة، وأحكام تنظم الوعد بالبیع والبیع بشرط المذاق
والبیع بشرط التجربة وأحكام خاصة بالغبُن والكثیر من الحالات التي تعُتبر شبھ خاصة لكن
القانون وقف علیھا ونظمھا.
بنظرة دقیقة إلى القوانین العمانیة المتمثلة في قانون الجزاء وقانون المعاملات المدنیة
والتجاریة ومؤخرا قانون مكافحة جرائم تقنیة المعلومات، سنجد عددا من فئات المجتمع:
مغفّل، سفیھ، قاصر، مجنون وسوي قد تم تنظیم العلاقة بینھم مع الآخر بتقنین واسع ودقیق.
أولاً: في السرقة:
2018 على ما / تنص المادة 335 من قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني 7
یلي: “یعاقب بالسجن المطلق كل من ارتكب جریمة سرقة اجتمعت فیھا الظروف التالیة: أن
تقع لیلاً، أن تقع من شخصین فأكثر، أن یكون أحد الجناة حاملا سلاحا،ً أن ترتكب في مكان
مسكون، أن تقع السرقة بطریق الإكراه أو التھدید باستعمال السلاح.”
ثانیا:ً في الاحتیال:
تنص المادة 349 من ذات القانون على “یعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 3 أشھر ولا تزید
عن سنتین وبغرامة لا تقل عن مائة ﷼ ولا تزید عن ثلا ثمائة ﷼ أو بإحدى ھاتین العقوبتین
كل من حصل من الغیر على نفع غیر مشروع لنفسھ أو للآخرین باستعمالھ أحد طرق
الاحتیال أو باتخاذ اسم كاذب أو صفة غیر صحیحة”. كما تنص المادة 350 من ذات القانون
على: “یعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاثة أشھر ولا تزید عن ثلاث سنوات كل من تصرف
في مال منقول أو عقار یعلم أنھ غیر مملوك لھ ولیس لھ الحق في التصرف فیھ”..
ثالثا:ً في إساءة الأمانة:
تنص المادة 360 من ذات القانون على “یعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاثة أشھر ولا تزید
عن ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثمائة ﷼ ولا تزید عن ألف ﷼ عماني أو بإحدى
ھاتین العقوبتین كل من سلم إلیھ نقد أو منقول أو أي منقول آخر على وجھ الإعارة أو الودیعة
أو الوكالة أو الإجارة أو الرھن أو أؤتمن علیھ بأي وجھ كان فأقدم على كتمھ أو إنكاره أو
اختلاسھ أو تبدیده.”
رابعا:ً في الغش في المعاملات:
تنص المادة 379 من ذات القانون على “یعاقب بالسجن مدة لا تقل عن شھر ولا تزید عن
ستة أشھر وبغرامة لا تقل عن مائة ﷼ عماني ولا تزید عن ألف ﷼ عماني أو بإحدى
ھاتین العقوبتین كل من استعمل أي میزان أو وحدة غیر صحیحة للوزن أو القیاس أو الكیل
أو تخالف الوحدة الحقیقیة مع علمھ بذلك”، وكذلك ھو الحال في المادة 380 من ذات القانون
المجرمة لحیازة مواد مختصة بغذاء الانسان أو الحیوان مغشوشة أو فاسدة أو سلعا فاسدة أو
مقلدة كما ھو في المادة 381 من ذات القانون أیض ا.ً
كما نظّمت المواد 98 إلى 113 من قانون المعاملات المدنیة والتجاریة العماني عددا من
التعاملات غیر المشروعة تحت باب عیوب الرضا والمتمثلة في:
أولا:ً الإكراه
تنص المادة 102 ب: “إذا أكره أحد الزوجین الآخر إكراھا بما یعتبر إكراھا في حقھ كان
تصرفھ باطلا.”
ثانیا:ً التغریر والغبن
تعرف المادة 103 التغریر ب : “ھو أن یخدع أحد المتعاقدین الآخر بوسائل احتیالیة
قولیة أو فعلیة تحملھ على إبرام عقد لم یكن لیبرمھ لولاھا. ویعد تغریرا تعمد السكوت
لإخفاء أمر إذا ثبت أن المغرور لو علم بھ ما كان لیبرم العقد”. كما تعرف المادة 106 الغبن
ب “عدم تعادل الحقوق التي یكتسبھا متعاقد بالعقد مع الالتزامات التي یحملھ إیاھا
“.
ثالثا:ً الغلط
تنص المادة 110 من ذات القانون على: إذا وقع الغلط في ماھیة العقد أو في شرط من
شروط الانعقاد أو في المحل بطل العقد.
رابعا:ً الضرر
تنص المادة 176 من ذات القانون على: “كل إضرار بالغیر یلزم فاعلھ ول و كان غیر ممیز
بالتعویض.”
خامسا:ً الاثراء بلا سبب
تنص المادة 201 من ذات القانون “لا یجوز لأحد أن یأخذ مال غیره بدون سبب مشروع
فإن أخذه وجب علیھ رده” كما تنص المادة 203 من ذات القانون أیضا على: “كل من
قبض ما لیس مستحقا لھ وجب علیھ رده إلى صاحبھ مع ما جناه من مكاسب أو منافع.”
سادسا:ً العیوب الخفیة
تنظم المادة 402 من قانون المعاملات المدنیة والتجاریة عددا من الحالات التي یضمن فیھا
القانون حق المشتري في حال وجود العیوب الخفیّة في عقود البیع، كما تعرّف المادة 432
كل تصرف قانوني یصدر من شخص في مرض الموت، ویكون مقصودا بھ التبرع، وتعدّه
[تصرفا مضافا إلى ما بعد الموت]
كما أن المادة 733 من ذات القانون تبطل معاملات المقامرة والرھان بما نصّھ: “یقع باطلا
كل اتفاق على مقامرة أو رھان.”
كما تنص المادة 18 من قانون مكافحة جرائم تقنیة المعلومات على: “یعاقب بالسجن مدة لا
تقل عن شھر ولا تزید على ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن ألف ریال عماني ولا تزید
على ثلاثة آلاف ریال عماني أو بإحدى ھاتین العقوبتین، كل من استخدم الشبكة المعلوماتیة
أو وسائل تقنیة المعلومات في تھدید شخص أو ابتزازه حملھ على القیام بفعل أو امتناع ولو
كان ھذا الفعل أو الامتناع عنھ مشروعا..” كما تعالج المادة 28 من ذات القانون جریمة
تزویر أو الاستیلاء على البطاقات المالیة دون وجھ حق.
القانون یحمي الجمیع في أي مركز قانونيّ كانوا، والدلیل على ذلك ما ورد في القوانین من
أحكام خاصة تھدف لحمایة فئات معینة من استغلال ضعفھم وحالتھم النفسیة، وتندرج ھذه
الفئات تحت موضوعات عوارض الأھلیة وعیوب الرضا، ولو عدنا إلى مصدر العبارة
المشؤومة لوجدنا أنھا وردت للمرة الأولى في القانون الروماني باللغة اللاتینیة
كما أوردھا جون بوفییر ( 1856 م) وتعني ”Ignorantia juris non excusat”
Law الجھلُ بالقانون لیس عُذرا،ً وقد ترُجمت بشكل غیر دقیق إلى الإنجلیزیة إلى عبارة
ولم أجد أي مصدر أو إحالة عن قضیة المحتال الأمریكي ،doesn’t protect fools
سوى في الأدب الساخر فقط.
ما یمیّز القضاء أیضا ھو الإجراءات التي تكفل حق المغفّل في استرجاع حقّھ، فلیس سبل
البطلان وحدھا ما تمكّنھ من استرداد حقّھ، وإنما مصیدة عبء الإثبات التي تقع على المدعى
علیھ متى ما أقرَّ بالمعاملة التي حدثت بینھم، فإقرار المدعى علیھ بوجود علاقة بیع على
سبیل المثال في حال الغبن أو العیب الخفي أو الغش أو التغریر أو الإكراه أو الدَّین؛ فإنھ
مُلزمٌ أن یثبت صحّة تعاملھ مع [المغفّل] وسببھ. كما أن قاضي الموضوع یتیح للمتخاصمین
إثبات الواقعة بكافة طرق الإثبات بما فیھا البینة وشھادة الشھود، ودعونا لا ننسى أن المادة
61 من قانون الإثبات في المعاملات المدنیة والتجاریة تتیح لكل من القاضي وطرفي النزاع
باستجواب الآخر، أو أن یحسم النزاع بالیمین الحاسمة وفقا للمادة 67 من ذات القانون.
بقي أن نسأل سؤالا ملحا بعد الاستطراد الطویل في متون القوانین الأربعة، أما زلت تعتقد
بأن القانون لا یحمي المغفّلین؟
