في القرن السادس عشر المیلادي، وفي منتصفھ تحدیدا،ً أبدع المسرحي البریطاني ولیمَ شكسبیر في كتابة مسرحیتھ الشھیرة
“تاجر البندقیة” والتي ناقشت عددا من قضایا ذلك العصر كالعنصریة وازدراء المختلف دینیا والتجارة والحب والربى. وفي عام
2004 أنتج/أخرج البریطاني مایكل رادفورد فیلما یحمل عنوان المسرحیة قام آل باتشینو بدور البطل الیھودي فیھا، تتمحور
المسرحیة حول شایلوك الیھودي والذي كان مرابیاّ یستدین التجار منھ في البندقیة مقابل فائدة فاحشة، وأنطونیو التاجر الذي یحب
صدیقھ باسانیو كثیرا،ً یتورّط الأخیر في قصة حبٍّ لفتاة غنیةّ یجبرَُ على إثرھا أن یلجأ لصدیقھ أنطونیو لیستدین منھ، لكن أنطونیو
لم یكن یملك المال، فقرّر أن یذھب للیھودي الذي طالما استحقره وبصق على رداءه الیھودي ونعتھ مرارا بالكلب وقام بركلھ،
شایلوك استغلَّ الفرصة للانتقام، فما كان منھ إلاّ أ ن یجبر أنطونیو على توقیع عقد یتیح لھ كدائن أن یقوم باقتطاع رطل من اللحم
من جسده إذا تأخّر أو فشل في السداد في المیعاد المتفق علیھ، وبقیةّ القصة معروفة. أما غرض الاستطراد الطویل فقد كان ملحّا بغیة الوصول إلى ھدف المقالة ھذه.
یدخل الأفراد في معاملات مدنیة أ و تجاریة، كالبیع أو الاستدانة، ولمّا كان الوعي القانوني قد أرتفع عند عامة الأفراد إلى الحد
الذي جعلھم یكتبون عقدا ثنائیا ببنود وشروط ومدّة قانونیة للتنفیذ أو الوفاء، مصداقا لقولھ تعالى: “یاَ أیَھَُّا الذَِّینَ آمَ نوُا إذِاَ تدََایَنتمُ
مى فَاكْتبُوُه “ُ بدَِیْنٍ إِلَىٰ أجََلٍ مُّسَ
إنَّ القواعد القانونیة التي تحكم ھذه العقود نجد أن الأصل فیھا أنھا تخضع لقواعد خاصة بھا، وبالتالي عندما لا یجِدُ القاضي في
ھذه القواعد قواعدا تتناسب والنزاع المعروض علیھ؛ یلجأ إلى القواعد العامة في العقد ما یسمى (نظریة العقد)، فإذا لم یجد أیضا ما یسعفھ في حل ھذه النزاعات من خلال نظریة العقد، یلجأ القاضي في ھذه الحالة إلى مصادر القانون الأخرى. وھو ما أكدت
علیھ المادة 68 من قانون المعاملات المدنیة العماني “تسري على العقود المسماة منھا وغیر المسماة القواعد العامة التي یشتمل
علیھا ھذا الفصل”، نفھم من المادة آنفة الذكر بأن الطبیعة القانونیة للقواعد القانونیة التي تحكم ھذه العقود كأصل أنھا قاعد مكمّلة،
یجوز لطرفي العقد الإتفاق على خلافھا، على أن لا یكون ھذا الإتفاق مخالفا للنظام العام أو الآداب العامة أو أنھ مناقضا لمقتضى
العقد. فالعقود ملزمة أن لا تخالف النظام العام وإن حوَت على قواعد خاصة، كما تنص المادة 116 من قانون المعاملات المدنیة
والتجاریة على:
یشترط أن یكون المحل قابلا لثبوت حكم العقد فیھ، ممكنا في ذاتھ، مقدورا على تسلیمھ، وألاّ یكون التعاملُ فیھ ممنوعا شرعا أو
قانوناً، وإلاّ كان العقد باطلا. كما تعرّف المادة 124 من ذات القانون العقد الفاسد على النحو التالي: “العقد الفاسد ھو العقد
المشروع بأصلھ لا بوصفھ ، فإذا زال سبب فساده صح، ولا یفید الملك في المعقود علیھ إلا بقبضھ، ولكل من عاقدیھ أو ورثتھما
حق فسخھ بعد إعذار العاقد الآخر، ولا یترتب علیھ أي أثر إلا في الحدود التي یقررھا القانون “، وتعرّف المادة 125 من ذات
القانون أیضا العقد الباطل: “العقد الباطل ھو العقد غیر المشروع لا بأصلھ ولا بوصفھ بأن اختل ركنھ أو محلھ أو الشكل الذي
فرضھ القانون لانعقاده”
یذكر الدكتور البریطاني سانفورد شاین في مؤلفھ اللغة والقانون الصادر بعام 2006 في الصفحة الخامسة ما نصّھ >بتصرفّ
وترجمة:<
“بمجرد ذكر اللغة القانونیة، یفھم في الأذھان على أنھا حشو، وغالبا ما تكون غیر مفھومة فضلا عن مصطلحاتھا ذات المفاھیم
الغامضة، ولتوضیح ظھور ھذه اللغة الخاصة واختلافاتھا عن اللغة العادیة: اختار الباحثون أن یتناولوا اللغة القانونیة على أنھا
ظاھرة لسانیة في حد ذاتھا، متابعین تطورھا وموضحین خصائص مفرداتھا، بل وأعطوا أھمیة بالغة لممیزاتھا النحویة وأسالیبھا
ومدلولاتھا الاجتماعیة والثقافیة؛ مبررین ذلك الغموض في اللغة الخاصة وصعوبة فھمھا لدى العامة كونھا لغة إسھاب وذات
مفردات متخصصة جدا وغالبا ما تكون طویلة ومعقدة تستخدم تراكیب غیر عادیة”. فقد ھدفت تلك اللغة إلى إزالة الغموض
وعدم اتاحة أي فرصة لقاضي الموضوع لتفسیر العقد عن منأى عن أطرافھ، بلا فسحة للتأویل أو التفسیر أو إخضاع النص
(العقد) لتأویل آخر غیر الذي أراده وفھمھ واستوعبھ واتفق علیھ الأطراف اثناء صیاغة العقد. علیھ فخلاصة الفكرة لدیھ بأن
العقد متى ما خضع للتفسیر أو التأویل فإنھ عقد ضعیف لم ینتج مفاعیلھ من الأساس أو ھدفھ الأول، وھو النأي بھ عن أي أشكالات
وسوء فھم. فالفرق كبیر بین لاغٍ وباطل، وبین غشٍّ واحتیال، وبین حرّر وانقعد، وبین الموافقة والمصادقة، وبین باطل وفاسد،
وبین سارٍ وصال ح.
تكثر في المحاكم مؤخرا عددا من القضایا التي یكون سندھا وقوام الدلیل فیھا ورقة عرفیة متثملة في صك دین أو عقد ثنائي أو
أكثر كالبیع أو الاستثمار أو التشغیل أو عقود التورید أو العمل أو الإیجار، وتبقى المعضلة الأساسیة عند نشوب أي نزاع في
تفسیر بنود العقد لدى سلطة المحكمة التقدیریة، ولكن التفسیر لیس المشكلة الأساسیة ربما والتي تحاول المقالة الالتفات نحوھا،
وإنّما العقود التي تخالف النظام العام أو الشریعة الاسلامیة والتي یمكن أن تقضي بخسارة الدعوى متى ما تبیّن بطلان أو فساد
العقد، والخسارة كنتیجة لفقدان الدلیل الوحید الذي یثبت وجودھا، ولیس نتیجة أو أثُرا لفساد أو بطلان العقد.
تقوم عدد من المكاتب الخدمیّة بالسلطنة بانشاء وصیاغة العقود كمكاتب سند على سبیل المثال، وھي مكاتب لیست مختصة في
ذلك، ومن یقوم بإنشاء العقود شخص في الغالب لیس قانونیا،ً فما یقدموه للأفراد – العقود – مجرّد دیباجة مستھلكة یراعى فیھا
تغییر اسماء الأطراف المتعاقدة والتواریخ وقلیل من المحتوى والمضمون، والخدمة المقدمة وإن كانت مخالف ة لقانون المحاماة
العماني الناص في مادتھ 69 ب ” یعاقب بالسجن من عشرة أیام إلى سنتین كل من انتحل صفة محام، كما یعاقب بغرامة لا تقل
عن مائة ﷼ ولا تزید عن خمسمائة ﷼ كل من زاول عملا من أعمال المحاماة دون أن یكون مقیدا بجداول المحامین المشتغلین
أو كان ممنوعا من مزاولة المھنة…إلخ” كما تعرّف المادة 3 فقرة ج من ذات القانون أعمال المحاماة ب” صیاغة العقود وتوقیقھا
واتخاذ الاجراءات القانونیة بشأنھا”، فھي وإن كانت مخالفة للقانون؛ إلاّ أن ذلك لا یوازي إیقاع الضرر على أحد أطرافھا وضیاع
حقوقھ.
جدیر بالذكر، أن المسرحیة في أول المقالة قد أنتھت بخسارة شایلوك لدعواه، فقد نص العقد على أخذ رطل من لحمھ، ولكنھ لم
ینص على إباحة أن یسال دم أنطونیو، فمن المحال أن یأخذ شایلوك رطلا من اللحم من جسد أنطونیو دون أن یسیل دمھ، ولما
كانت الشریعة في البندقیة تقضي تجریم أن یسال دم مسیحي أو تعریضھ للقتل من غیر المسیحي على وجھ التحدید؛ فإن شایلوك
لم یستطیع أن یأخذ الرطل من اللحم كما نص العقد، فخسر قضیتھ، ثم تمّت محاكمتھ وإدانتھ بالشروع في قتل مسیحي، فصودرت
كل ممتلكاتھ، لما كان لعقدھم مخالفة للنظام العام.
