ربما ھذا النوع من السجالات لن ینتھي حتىّ تقوم الساعة أو یفنى كلا القطبین أو أحدھما، لذا فإن كان ولابد من الاعتراف بحقھما
الأصیل في الوجود، فإنھ وجب تقدیم توجیھ بسیط حتىّ لا تعود مسلسلات الاضطھاد والتكفیر والكره المتبادل والإقصاء وتبادل
الشتائم.
لذا أقول للملحدین بأن الإلحاد لیس أمرا سیئا،ً لكنھ سیكون كذلك لو كان الدافع منھ الكراھیة والسخط، سواءً على الإلھ أو
التابوھات، إذ یجب أن یكون الدافع من كل ھذا ھو الوصول إلى الحقیقة المضنیة، والتصالح معھا فیما بعد، وأن لا یتعاملوا مع
الموجة الفكریة وكأنھا ثورة على السماء، تماما كما حدث مع الشیوعیة، بأن نصّبوا لھم إلھا أرضیا وھو “أسالیب الإنتاج” وأن
جعلوا الصراع صراعا بین طبقتین، البرولیتاریا والبرجوازیة، وھو ما یقوم بھ الملحدون الیوم، صراع بینھم وبین المؤمنین.
فھذه الحرب الصِفریة لا جدوى منھا، فكرة الملحدین ضد المؤمنین، أو العمال ضد البرجوازیین، كباقي الثنائیات في أوطاننا
العربیة: شیعة ضد السنة، العرب ضد الفرس، الأرثوذوكس ضد البروتستانت لن تجدي، نتیجتھا التطاحن أو الانقلاب الرادیكالي،
ولكم في عبدلله القصیمي آیة. وأن لا یقدّموا أنفسھم للناس بصفتھم فئة جدیدة مختلفة، أو أصحاب دین جدید، أو أنھم في تنافس
وصراع مع الأدیان المستوطنة، بل یجب أن یكونوا جزءا من المنظومة الإنسانیة في المجتمع العربي وأولى الناس باستزراع
بذور وقیم الحداثة والمعاصرة والمنھج العلمي، ففك الاشتباك بین الأرض والسماء زمنٌ ولّى. فما من أحد یملك أدلة تكفي لدحض
الآخر في المعتقد السماوي، ولھذا یجب علیھم التفكیر اسوة بأقرانھم المؤمنین في التركیز على كیفیة السیادة والنمو على الأرض
والاھتمام بالشأن الأرضي وترك السماء وشؤونھا للفرد وحده یفعل من غیر اجبار على المشاركة في المعتقد أو الوقوف في
وجھھ ورفضھ، فما یعرقل الأوطان العربیة الیوم ھو المنھجیة العلمیة الغائبة التي تم استبدالھا بالأدوات الغیبیة اللا-علمیة في
الحقول العلمی ة
كما على الملحدین الابتعاد عن ردات الفعل المعاكسة والتي تبیّن ابتعادھم عن المنھجیة أو الموضوعیة أو توضح بأنھم لیسوا
سوى مقاتلین شرسی ن یھدفون إلى اغتیال الأدیان وتحطیم أفولھا، بل یكفي أن یترك دینھ وحسب، أو یشارك في حوارات
ومناقشات عوضا عن الدور الھجومي والتسویقي والكیل بالشتائم والسباب للمتدینین، فإن كان المتدینون أقصائیون في ما مضى،
فلا استبعد بناءً على ظواھر الملحدین الیوم أن یكونوا أكثر أقصاءً وشجبا،ً وھو ما یتضح حینما یقوم أحدھم بالھجوم على امرأة
مسلمة منقبّة ووصفھا بأنھا سبایدر مان أو وصفھا بأنھا كیس قمامة، ومناداة كل من یسدل لحیتھ بأنھ إرھابي وشقیق ابن لادن،
ووصف كل مؤمن بأنھ غبي وأعمى وأنھم جزء من القطیع، دون أن یتعرفوا على أسماءھم حتى عوضا عن الاستماع إلیھم
ولأفكًارھم. لذا فمتى ما تركت دینك، فالأجدر بك ترك الآخرین ودینھم.
وأیضا أن لا یختاروا الإلحاد كبدیل لحالة القید الاجتماعي والدیني، لیتحولوا بعد ھذا إلى شخوص منفلتین أخلاقیا یبشرون بحریة
بلا قیود منضبطة عادة ما یكون محورھا ھ ي الحریة الجنسیة دون باقي الحریات الانسانیة الأخرى، وھو ما یحدث عند بعض
فئات الملحدین العرب الذین نراھم یمارسون نوعا من الشبق واللھف لاستبدال كافة القیم الثقافیة والاجتماعیة بشكل سریع وكنكایة
في الدین السابق، ولھذا فقد أفھم وأبرر موقف الدینیین الذین یحملو ن مخاوف وقلق تجاه ھؤلاء الملحدین. فھذا الرفض المطلق
لكل ما جاء من الأدیان غیر مقبول، فعلیھم أن لا ینسوا الإنجازات الثقافیة والاجتماعیة والمعماریة والاقتصادیة والقیم الاخلاقیة
التي نجحت فیھا المؤسسة الدینیة في ما مضى على مستوى الدولة والإنسان. فالإلحاد لیس منھجا أو دلیلا لطریق الكمال؛ بل
بشكل عام أو لله الدیني بشكل خاص، ولیس ھدفا سامیا على الجمیع قناعة مبنیة على أسس علمیة أو نفسیة على ترك الإیمان با
الوصول إلیھ، فدعنا نؤكد أن لو ألحد العالم بأكملھ فإن ذلك لن یلغي المشاكل التي یعاني منھا العالم الیوم من حروب واقتتال
ومجاعات وفقر واغتراب وكوار ث.
أحد الأخطاء التي یقع فیھا الملحدون ھي أنھم یظنّون أنھم ملحدین، بید أنھم لیسوا أكثر من مؤمنین یواجھون مشكلة في قبول
إیمان یحتوي على الخوارق والماورائیات، ولیس لھم مشكلة في وجود إلھ أو مصمم أو السبب الأول، ولھذا، فأن یصنفوا أنفسھم
بأنھم ملحدین خطأ شائك، فالمذھب الطبیعي القائل بأن كل شيء یمكن تفسیره بالقوانین والظواھر الطبیعیة دون الحاجة إلى
اللجوء إلى الماورائیات والمیتافیزیقیا لیس أنكارا للإلھ بالضرورة، بل ربما لصفات الإلھ المتدخل في الكون، بالتالي فالإلھ ھذا
یشبھ إلھ أینشتاین، فھنالك أرباب عدیدة عبر عنھا الفلاسفة، فإلھ اسبینوزا یرى أن سماتھ مبنیة على العدل والاحسان، وأن تكن
عادلا فأنت مؤمن، لأن لله یدعو إلى العدل، وبھذا تصبح مؤمنا وإن لم تصلي، وإلھ كانط حصره بعیدا عن تلك الأدیان التعبدیة
الملیئة بالطقوس، وأكتف ى أن یراه ألھا خُلقُیّا،ً أي إلھ یدعو إلى الأخلاق، والأخلاق ھي العبادة برأیھ، وقد فرق كانط بین الإنسان
الدیني الذي یكون الدافع من أخلاقھ ھو الخوف من العقاب وبین الإنسان الأخلاقي الذي یكون الدافع من أخلاقھ ھو ضمیره الحي،
أي أن أخلاقھ نابعة من داخل ھ.
كما عل ى الملحدین أن ینتبھوا إلى نقطة ھامة جدا،ً حیث نرى الكثیرون یقعون فیھذا الخلط، وھي مجرد عدم قبولھم للدین الإسلامي
– كمسلمین مثلا – لا یعني بالضرورة أنھ یجب علیم أن ینكروا وجود لله، بل المنطق السلیم یقول أن ترفض الأطروحة، أو
وإن تجلّى في الأدیان، فھو كیان مختلف ومنفصل عنھا، فالأدیان – إن تحصر الرفض في النقطة التي تراھا غیر مقبولة، فا
صحّتْ – فھي للبشر، فھم الأحوج لھا لا لله، ومن ھذا المنطلق، ففكرة إنكار لله لوجود البعض في خلفیة ثقافیة إسلامیة أو
مسیحیة لا یخول لھ إنكار لله بقدر رفض المعتقد وحس ب.
وأمّا ما أود أن أقولھ للمؤمنین في خضم الصراع الأبدي ھذا وباعتبارھم السواد الأعظم؛ بأن یقدموا الحجج الإیمانیة للجمیع،
ولیس للمؤمنین وحدھم، وما أقصده بتقدیمھا للجمیع لیس بتوفیرھا لھم وحسب، بل مناقشتھ الجمیع فیھا المؤمنون والملحدون
على حدٍ سواء، فبلا شك تلك الحجج لا تشكل فارقا في إیمان المؤمن، فھي لیست سببا في إیمانھ من الأساس، فالإیمان في الإسلام
یسبق التثبت منھ، ولھذا فقد یتفق معي البعض في أن إیمان نسبة كثیرة من المسلمین بناءً على قناعات شخصیة مدفوعة بتراث
فكري وحسب، فحجج أثبات وجود لله لا دافع لھا سوى محاولة برھنة أن الدین والعقل لا یتعارضان ولیست لإثبات وجود لله،
والدلیل على ذلك أنھا مقدمة على جمھور من المؤمنین، فما ھي إلاّ محاولة توفیقیة، لا لإثبات ما لم یتم إثباتھ في عقل غیر
المؤمنین. وخیر دلیل على ذلك أنھ لو حدث تفنید أو بعض الحجج تم دحضا وأثبتت خطأھا فإن ذلك لن یغیر من إیمان المسلم،
لأنھ ا – الحجج – لیست السبب في إیمانھ، ولك أن تسأل ھل من أحد أصبح ملحدا في الأوطان العربیة بعد أن ثبت خطأ فكرة أن
الأرض لیست منبسطة، بالطبع لا أحد، وھو ما یفسر أن الإیمان لم یكن بناءً على تلك الحجج التي تم دحضھا وتفنیدھا، أو حتى
تلك التي لم یحدث مساسا بھا بعد. وعلیھ فلا یجب على المؤمنین أن یرون الإلحاد مجرد موقف إیماني مثل الدین، وإن فعلوا
ذلك، فلیس من حقھم إذن نقد الموقف الإلحادي، لأن كلاھما موقف إیماني یقرُّ بأن الحجة العلمیة لیست أساس الاعتقاد، وفي حین
أن الدلیل القاطع لا یتوفر في أغلبیة معتقداتنا؛ فإننا نقر بأن الدلیل والبرھان لیس سببا وجیھا أیضا لأن نعلقّ كل اعتقاداتنا في
ظل غیاب الأدلة القاطع ة
.
ختاما؛ً ھنالك من یعد تواتر القصص الخلقیة والعقابیة وتشابھ المعجزات وشخصیات الأنبیاء وتعدد أسماء الرب من حضارة إلى
حضارة ومن دی ن إلى دین خیر دلیلٍ على أن فكرة الإلھ موجودة منذ القدم یثبت – التواتر – قطعیة وجوده، ولكن ھنالك في
المقابل من یعتقد أن تلك السقطات ھي دلیل على سرقة الشعوب والحضارات لتراث الحضارات الأخرى ونسبھا لھا مع تغییرات
طفیفة وبالتالي فإن ذلك دلیلاً قاطعاً على عدم مصداقیتّھا. في الأخیر ھذا التدافع یجب أن یكون تحت إطار الحوار، لا الإلغاء ولا
الشجب ھو الحل، بل الحوار المشترك والإقرار بحق الأطیاف بكافة أشكالھا وألوانھا ودینھا ودیدنھا في التعبیر والنقد، فقد أكتفى
المشھد الإسلامي من حوادث التكفیر والتصفیة والاغتیالات التي شھدھا منذ الإسلام الخلافي وحتى القرن الواحد والعشرین
والذي یحاكم فیھ رجلا لادعائھ بأن لله لیس ھنُا أو ھناك، وكأن ذلك سیشكل فارق ا!ً
