الدوغمائية وثقافة الآحاد

حتى نھایة ثورات الربیع العربي، كان ھنالك من یردد شعار الإسلام ھو الحل، ورغم فشل الإخوان المسلمین بسبب سوء تدبیرھم
الساسي أو ربما مؤامرة خارجیة كما یدّعي البعض؛ إلاّ أنّھ إلى یومنا ھذا لم یفُصح أحدٌ ما كیف یكون الإسلام ھو الحل لكل
المشاكل؛ لمشاكل الفقر في العالم والبطالة والجوع والإرھاب والمعترك السیاسي والاقتصادي، فأغلب من یتشدّق بھذا الشعار لا
یعلم الآلیة التي یجبُ أن تتبّع، بل یكتفي بالسكوت والھروب من مسؤولیة الإجابة. ولكن ما الذي یجعل ھؤلاء معتقدین بشدّة أن
الإسلام ھو الحل السحري لكل شيء؟
ینشأ الإنسان في بیئة معینّة ذات عقیدة معینّة وعادات متبّعة ومقدسة، وفي أولى باكورتھ یرى ما یقوم بھ والدیھ وأھل بیتھ وأقرانھ
في المجتمع، فینمو عقلھ على ھذا الاعتقاد ویصبح قالبا لا یستطیع التفكیر إلاّ في حدوده، وبھذا یصبح فردا بعقیدة دوغمائیة غیر
قابلة للشك أو المساءلة، بل واثقا بصحة ما یؤمن بھ، ثم تتغلغلُ ھذه العادات والأعراف والقوانین في المجتمع لتسیطر علیھ،
وتصبح قوانین بحكم قائد المجتمع، وجزءً من حیاة الأفراد، وتصل القوة إلى أقصى مداھا بحیث لا یمكنُ تغییرھا بسھولة أو حتىّ
السیطرة على الجانب السلبي منھا وتصبح في الأخیر سمة من سِمات المجتمع تخلّفُ الدوغمائیة في المجتمعات المنغلقة ذات
العقیدة المنغلقة وتصبح عائقا أمام تقدّم الحیاة العصریة، وتبقى العقلیة الدوغمائیة تدافع عنھا وتبررھا بالرغم من كونھا عدوّا للتطور والتقدّم.
الدوغمائیة رائجة بشكل ملفت في المجتمعات العربیة نتیجة الجھل بالظواھر العلمیة العولبة، والمحصلة عدم تقبل أفكار مختلفة
أو رأي مخالف، وھو ما استغلھ رجال الدین على مر العصور في التحكم بأمور العامة وسیر حیاتھم الاجتماعیة وولائھم الدیني
والسیاسي والقبلي. وقبل الخوض في صلب الموضوع، یحتم علینا طرح سؤ ال ضروري؛ كیف ورث المسلمون ھذه الثقافة
الدوغمائیة؟
1المركزیة الذكوریة )
ولأنھ لا یوجد نساءُ دین في دیانات الأرض كلھا؛ كان للإسلام نصیب من ھذه الذكوریة التي استغُِلّت نتیجة الفھم الخاطئ أو
التأویل المتعمّد من قبل المسلمین في الخطاب القرآني. فالقرآن یحسب لھ أنّھ ساوى بین الرجل والمرأة في الإسلام، والمساواة
تشكّلت في وجھتین؛ أصل الخلق والتكالیف الدینیة، فكما ھو مبیّن في الآیة (یَا أیَُّھَا النَّاسُ اتقَّوُا رَبَّكُمُ الَّذِي خَل قَكمُ مِّن نفَّسٍْ وَاحِدةَ)ٍ
أما المساواة في التكالیف الدینیة فقد بینّھا القرآن ف ي الآیة (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أوَْ أنُْثىَ وَھُوَ مُؤْمِنٌ فَأوُلئَِكَ یدَْخُلوُنَ الْجَنَّةَ
یرُْزَقوُنَ فیِھَا بِغیَْرِ حِسَابٍ) ثم تكررت تلك المساواة في التكالیف الدینیة والجزاء والعقاب في عدّة آیات من سورة النساء و غافر
وآل عمران والتوبة. بید أن تلك المساواة لم تستمر نتیجة للنزاعات القبیلة والموروثات القرشیة المستمدة من الثقافة البدویة الجلفة
التي دائما ما ترفض أي تساوٍ مع الأنثى، حیث أصّر القریشیون أنفسھم بشكل ضمني على ذكوریة القرآن وذلك من خلال فھمھم
وتفسیرھم للآیات من سورة النجم (أفََرَ أیَْتمُُ اللاتَ وَالْعزَُّى، أفََرَأیَْتمُُ اللَّاتَ وَالْعزَُّىٰ، وَمَنَاة الثاَّلِثةََ الْأخُْرَىٰ، ألََكُمُ الذَّكَرُ وَ لَھُ الْأنُثىَٰ)
والآیة (إنَِّ الذَِّینَ لا یؤُْمِنوُنَ باِلآخِرَة لیَسَُمُّونَ الْمَلائكَِة تسَْمِیةَ الأنُثىَ) والتي استنتج منھا المسلمین في القرون الخاویة بأن ذلك
إقرارا مباشرا من لله باحتقاره الأنثى وتصریح واضح بدونیة المرأة باستنادھم إلى المفھوم الظاھر بأن لله قد نفى تھمة التأنیث
وحسب، ولیس الألوھیة، أي أن القرآن قد وصفھا “قسمة ضیزى” وحسب ولم یرفض القسمة من الأساس.
ثم بعد ذلك، نزلت الآیة الأخرى في ظل تلك المعركة السجالیة التي یستنكر فیھا الرب اشراك اھل قریش بھ واصطفاءه البنات
وجعلھن ملائكة لھ في الآیة (أفَأَصَْفاَكمُْ رَبكُّمُْ باِلْبنَیِنَ وَاتخََّذ مِنَ الْمَلاَئكَِةِ إنِاَثاً إنِكَّمُْ لتَقَ ولوُنَ قوَْلاً عَظِیمًا) وربما لكون النفي القرآني
ھنا لم یكن بالشكل الجلي، أي أن أھل قریش والمسلمون فیما بعد أتضح لھم أن النفي وقع على عدم أتخاذ لله ملائكة إناثا وحسب،
بید أن السجال لم یكن حول الإناث ولا الذكور، بل نفي مطلق لكون الملائكة لیسوا إناثا ولا ذكورا، كذلك الآیة (إِن یدَْ عونَ مِن
دُونِھِ إلِاَّ إنَِاثاً وَإِن یَدْعُونَ إلِاَّ شَیْطَانًا مَّرِیدًا) والتي تعمّد المسلمون في قراءتھا كدلالة على تفضیل الرب الذكورة واستھجانھ للأنثى
من خلال النفي المستمیت للتھمة .
أحد الأسباب الأخرى التي أساء المسلمون فھمھا نتیجة التأویل والتفسیر الخاطئ للنص القرآني والتي ولدّت فیما بعد ذكوریة
سلطویة مستبدة ھي الآیة ( زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّھَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبنَیِنَ وَالْقنََاطِیرِ الْمُقنَْطَرَةِ مِ نَ الذھََّبِ وَالْفِضَّةِ) والتي تضع
المرأة على قدم المساواة بجانب ھذه الجمادات علا وة على كونھا – كما یظنون – بھجة ومتعة للنفس. الأمر الآخر الذي تسبب
في تحقیر المرأة في الجانب الاجتماعي والعملي ھو التأویل الخاطئ للآیة (فقَلُْنَا یَا آدَمُ إِنَّ ھَٰذَا عَدُوٌّ لكََّ وَلِزَوْجِ ك فلاََ یخُرْجِنَكَّمُ ا
مِنَ الْجَنَّةِ فتَشَْقَىٰ)، وبعیدا عن المفھوم المیثولوجي السائد لھذه الآیة، استغل المسلمون مفھوم الشقاء والمحدد في الآیة “تشقى”
كخطاب لفرد لا مثنّى، درج مفھوم الشقاء عند العرب لكونھ امر ذكوري وحسب، مما استعسر على كل الدعاة والحقوقیین
الناشطین لحقوق المرأة أن یغیرّوا ھذا المفھوم في ظل وجود تفسیر خاطئ، والأنكى من كل ھذا أن المرأة نفسھا متشبثة في ھذا
التفسیر الذي یمنعھا من ممارسة حقھا في میادین الحیاة الأخرى تاركة المجال للرجل بلا منافسة، في حین أن لله یقر بلسان
ھدھد سلیمان بامرأة تحكم قومھا (إنِِّي وَجَدتُّ امْرَأةَ تمَْلِكُھُمْ وَأوُتِیَتْ مِ ن كُلِّ شَيْءٍ وَلَھَا عَرْشٌ عَظِیمٌ ). الأمر الأخیر ھي الآیة
(وَقَرْنَ فِي بیُُوتِكُنَّ) والتي نزلت خصیصا لزوجات النبي، والتي لا تجعل مكانا للشك حینما بیّن القرآن حصریّة الآیة بقولھ ( لَسْتُنَّ
كَأحََدٍ مِّنَ النِّسَاءِ) والتي تعامل معھا المسلمون بشكل قسري ھي الأخرى من خلال اجبار المرأة على المكوث في البیت عفافا لھا، ولو اضطر الأمر لاضطھادھا.
لقد ذكر القرآن عشرون شخصیة نسائیة فیھ، بعضھم صراحة وبعضھم ضمنا، وقد وردت لفظة النساء 38 مرة، وذكرت مریم
في أثنى عشر سورة ونعتھا لله بالصدّیقة، وقد أوحى لله لأم موسى، وقد ورد ذكر النساء والرجال في القرآن بالتساو 24 مرة،
فما من مركزیة ذكوریة في الخطاب القرآني بلا شك، فقد خاطب كل الأجناس بجملة یا أیھا الناس مرارا وتكرارا وفي آیات
عدیدة عوضا عن التحدید والحصر، وإن كان لابد من والقبول والاعتراف تلك الذكوریة، فلأي نص ما ظروفھ البیئیة التي تؤثر
في نشأتھ نتیجة للعوامل الثقافیة والاجتماعیة السائدة، فالنص القرآني محكوم بالبیئة التي انتجتھ وخاضع لھا ولمعطیاتھا ویتحرك
وفقا لمقتضیات العصر، ومن یدعي كونھ متغیرّ ومتعدد ومتنوع ودینامیكي من عبدة النصوص الزاعمین بأن النص القرآني
یتجاوز الزمان والمكان لیصل ویخاطب ویدیر شؤون الناس في العصر القادمة فھو بذلك یرسم نھایة للتاریخ ویأسر المؤمنین
في سیناریو القرن السابع المیلادي مما یجعلھ عقبة أمام تطوّر المجتمع وعائقا أمام التغییر
.
فكون النص القرآني یخاطب ویوجھ الذكور قبل الإناث في غالب آیاتھ (إِنَّ الْمُسْلِمِینَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنیِنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِینَ
وَالْقَانتِاَتِ وَالصَّادِقِینَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِینَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِینَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتصََدِّ قیِنَ وَالْمُتصََدِّقَاتِ وَالصَّ ائمِِینَ
َ كَثیِرًا وَالذَّاكِرَاتِ) لا یمكن اعتباره دعوة على تقدیم الذكر على الأنثى 􁀅 وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِینَ فرُُوجَھُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِینَ َّ
ولا على تفوّقھ أو أحقیتّھ في شيء، بل لذلك العصر مفاھیم عصت على التبلور والتماشي مع الرسالة الإلھیة إلاّ بخطاب أھل
قریش مع الأخذ بعین الاعتبار لمفاھیمھم وثوابتھم. بل حتىّ الخطاب الوحید الذي یقدِّم فیھ ذِكْرُ الأنثى على الذكر في الآیة
(والزاني والزانیة) لا تعدوا أكثر من كونھا عظة إلھیة تھدف إلى الوصول إلى وجدانھم قبل عقولھم، فلا یمكن القول أن القرآن
أیضا أتھّم المرأة وحمّلھا المسؤولیة الأساسیة في الزنا كون أن الرجل یقع ضحیةّ لفتنتھا، كذلك الآیة التي تنھى النساء عن ضرب
الخمار لا تؤكد على المعنى السائد الیوم، وخیر دلیل على ذلك ھو تلك الإحصائیات التي تشیر إلى أن نسبة التحرش الجنسي
تفوق 90 % التي یك ون خلفھا الرجل لا المرأة. فدلالات الآیات لا تعدو أكثر من كونھا قراءات تراثیة لنسق اجتماعي قبل القرن
السابع المیلادي، إذ یؤكد القرآن على تلك المسؤولیة المشتركة في خطابھ للذكر والأنثى معا في الآیة (قلُ لِّلْمُؤْمِنیِنَ یَغضُُّ وا م ن َ خَبیِرٌ بِمَا یصَْنَعوُنَ وَقلُ لِّلْمُؤْمِنَاتِ یَغْضُضْنَ مِنْ أبَْصَارِھِ نَّ وَیحَْفظَنَْ فرُُوجَھنَُّ 􁀅 أبصَْاَرھِمِ ویَحَفْظَو ا فرُُوجَھُمْ ذَلِكَ أزَْكَى لَھُمْ إِنَّ َّ
وَلاَ یبُْدِینَ زِینتَھَُنَّ إلِاَّ مَا ظَھَرَ مِنْھَا). ولعل واحد من أھم الأسباب التي كرس الطغیان الذكوري في العلاقة الزوجیة في الإسلام
من خلال تعسّف المسلمین في استخدام الآیات التي تدُیر العلاقة الزوجیة والتي كوّنت مفھوم استبدادي لدى الزوج بكونھ صاحب
المركزیة في الزواج، في حین أن المسؤولیة وقعت على عاتق الجمیع، وھي تكلیف أكثر من كونھا تشریف، فالآیة ( ولَا جُنَاحَ
عَلیَْكُمْ فیِمَا عَرَّضْتمُ بِھِ) والآیة (أسَْكِنوُھُنَّ مِنْ حَیْثُ سَكَنْتمُْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تضَُارُّوھُنَّ لِتضَُ یقِّوُا عَلیَْھِنَّ) لا تعني دكتاتوریة بتزكیةٍ
إلھیة، ولا تؤكدُ على كون المحور الرئیسي في العلاقة الزوجیة ھو الذكر لمكانتھ السامیة وكونھ الھرم في العلاقة الزوجیة، فكون
النص القرآني حدّد بشكل حصري من یمسك ومن یطلّق ومن یخرج ومن یسكن ومن یعاشر ومن یضرب لا یعني أن دفّة القیادة
ذكوریة، وھو ما یروّج لھ الكثیر من رجال الدین الیوم والذي جعل من الضرب عقابا مشروعا لعصیان المرأة لزوجھا؛ الأمر
الذي جعل المرأة في مواجھة القوامة الذكوریة من خلال الإطاحة بالمعنى والغرض والغایة من تلك النصوص القرآنیة وبمباركة
الدین والتشریعا ت.
ھنالك خیار وحید للتخلص من ھذه الذكوریة، وھي ضرورة ھجر القرآن باعتباره منظومة متكاملة تنظم كل نواحي الحیاة،
وضرورة التأكید على تاریخیة النص، والتعامل معھ بوصفھ تراثا تعبدیّا ومصدرا للإلھام الروحي والوجداني وحسب، مع إصدار
تشریعات تنظّم العلاقة بین الجنسین وإزالة كل أشكال التمییز والتفرقة بین الرجل والمرأة في كل الجوان ب.
2أعداء الفكر والنقد )
واحد من أھم الأسباب التي جعلت المجتمع العربي ذو ثقافة أحادیة منغلقة ومنعزلة وقسریة وساھمت في تخلفّھا وتقدم الدول
الغربیة ھو العداء الأزلي للفكر، فبعودة إلى الحضارات السابقة؛ نستطیع أن نفھم لماذا بعض الحضارات تقدّمت على الأخرى
كالحضارة الأوروبیة التي ھي الیوم امتدادا لحضارة أجدادھم الإغریق. انتشار المدارس الفكریة في أثینا والتي من شأنھا فیما
بعد جعلت التلمیذ یتفوّق على معلمّھ من خلال نقد أفكارھم والإتیان بأفكار جدیدة تضاھي أفكار المعلمین ھي السبب الرئیسي في
انبلاج عصر تتنوّع فیھ الانشقاقات الفكریة حتىّ في المدرسة الواحدة، الأمر الذي أجبر المجتمع الإغریقي حینھا على تجربة
متغیرّات عظیمة في التقالید المجتمعیة لم تكن في یوم من الأیام متوقعة أو مقبولة، ھذه التیارات التي انتھجت نھجا جدیدا في
عالم الفكر، وكانت الحجر الأساس في تقدم الحضارة الاغریقیة عن باقي الأمم، وھي السبب الأول في ظھور الفلسفات النقدیة
والشكیة والجدلیة بعد قرون طویلة في أوروبا، بعد اندثار أفول الحضارة الإغریقیة غرقت أوروبا في أزمات عدیدة؛ السیطرة
الباباویة، وصكوك الغفران، الحروب الإقلیمیة، الطاعون والجوع لقرون عدیدة، حتى نھضت مجددا واستمرت في النھوض
لیومنا ھذا من خلال النبش في تاریخ الأجداد؛ الحضارة الاغریقیة. فبدأوا ینھلون من المعارف الیونانیة، وظھر من جدید في
عقولھم شعلة التفكیر والنقد وحتمّ ذلك بأنولاد عصر تنویري یسدل الستار على قرون الظلام الغابرة، الأمر الذي أتاح لھم احراز
التقدم في كل النواحي الدینیة والاجتماعیة والاقتصادیة، فتحرروا من أغلال الكنیسة، وظھرت مدرسة نقدیة في وجھ البابا نفسھ
بقیادة لوثر كینج وعدد من الإصلاحیین، ونشبت حروب عدیدة ضد الأرستقراطیین والطبقات البرجوازیة المھیمنة، وأصبحت
لدیھم قاعدة أن التغییر أمرا محمودا والاختلاف أمرا مرحبا بھ في وسطھم، وانتھى عصر المجتمعات الساكنة الراكدة والجامدة
المنغلقة، وخرجت أوروبا بأكملھا من الصندوق الخشبي الذي عتمّ على عقولھم لقرون طویلة، وأصبح دعاة الفكر والنقد المحرك
الأول للمجتمعات، فحضوا باحترامٍ وتقدیر حتى من أعداءھم بعدما كانوا یواجھون أي حراك في ماء الفكر الساكن بالمقصلة
والزندقة والنف ي .
ما تعانیھ المجتمعات الشرق أوسطیة الیوم مشابھ جدا لما عانوه الأوروبیین في القرون الوسطى، إذ أن النقد لیس أمرا مرحبا بھ،
ویرجع ذلك لكون المجتمعات العربیة تؤمن بثقة الشرف للحفاظ على الموروثات الدینیة العرفیة بعیدا عن متناول العابثین والناقدین
والحاقدین والناقمین – كما یظنون – لكون ذلك تعدٍ مباشر وصریح على شرف مقدساتھم عوضا عن كونھ فرصة للتعلمّ. وھذا
العداء تجاه الفكر والنقد لیس ولید ظھور الإسلام، بل لكونھ یمثل تقالید عربیة بدویة ترفض النقد بكافةِ أنواعھ، وربما التراث
الاسلامي ساھم بشكل مباشر في خلق ھذا النفور والعداء تجاه المنھج النقدي والفكر بشكل واسع، فالحدیث النبوي (من بدّل دینھ
فاقتلوه) لھو وسیلة استخدمھا المسلمون للنیل من أي فكرٍ مخالف، والتاریخ الاسلامي حافل بأمثلة كثیرة في عھد الردّة والخلفاء
والأمراء فالجعد بن درھم راح ضحیة لفكرة وحسب لا لشيء سوى لنفي الصفات، والجھم بن صفوان كان لھ توجھا آخر غیر
ما أتى بھ الأئمة الأربعة، وما زال حتىّ یومنا ھذا في بعض الدول الثیوقراطیة من یقوم بكل ھذا، وقد یدّعي البعض بأن ما ھذا
إلاّ ممارسات قدیمة في عھد أنتھى وولى، بید أن السؤال الذي یقابلھ؛ ھل تستطیع أنت أن تنقد التابوھات نقدا موضوعیاّ الیوم؟
أولیس قبل أعوام قلیلة فقط رحل نصر حامد أبوزید وفرج فودة وناھض حتر ضحیة لھذا الجمود والعنف؟ ھل أنت على استعداد
لمواجھة ما واجھھ نجیب محفوظ أو تسلیما نسرین أو آیان ھارسي؟
المسلمون ارتكبوا خطأ فادحا في التعامل مع ھذا الشأن، وارتكبوا خطأ آخر في مسألة ایمان الفرد المسلم، فلا تشكیك ولا أفكار
معارضة ولو على سبیل التجربة الایمانیة الھادفة إلى الوصول إلى إیمان حقیقي رزین، فھناك ستّ سورٍ ابتدأت باستفھام، فكیف
یحاربون السؤال والنقد، وما مارسھ المسلمون من تكمیم للأفواه وإحباط أي محاولة جادة لنقد فكري ھو ما جعل مسلمي الیوم
أمام خیارین لا ثالث لھما: الدوغمائیة وثقافة الآحاد أم سیاسة الاضطھاد، والمسلمون بإمكانھم تجنب الخطأ الذي ارتكبھ المسیحیون
قبل ستة قرون؛ بأن احتاجوا إلى خمسة عشر قرنا لیقوموا بإعادة الھدم والھیكلة والتشیید للإرث الكنسي العنید، فمصیر أي دین
ھو التغییر والتطوّر، والتطوّر لا یستلزم القضاء على عادات أو تقالید أو تعالیم أي دین بأكملھا، بل یكفي أن تخُلقَ فسحة غیر
محظورة لممارسة النقد والفكر الحر. فما النقد سوى محاولات جادة لإیجاد قناعات شخصیة من خلال التحلیل والاستدلال والتقییم
والخروج باستنتاجات خاصة بعیدة ومتجاوزة ما استنتجھ الآخرون، بمعطیات خاصة وبلا ثوابت ومسلما ت.
ھنالك من یحاول التمسّك بالنقد اللاذع للمقدسات رغبة منھ في الحفاظ على عدم المساس بھا أو التعرض لھا من خلال أحاطتھا
بقوانین كقوانین ازدراء الأدیان أو التجدیف أو اثارة الفتن أو النیل من الذات الإلھیة، واستشھدوا بذلك من العملیات النقدیة والفكر
الحر الذي كفلتھ في المقابل الدساتیر الأوروبیة لأفرادھا، والاكتفاء بالانعزال وتجنب السجالات التي قد یؤمن بعضھم أن بعضا
من جرعات النقد التي یقوم بھا المستشرقون قد تزلزل كیان أفكارھم السائدة، والبعض الآخر تذرّع بنظریة المؤامرة على الدین
الاسلامي لیتجنّب المساءلة الشعبیة لھ فیما لو طرح الغرب تساؤلات وفرضیات لا یستطیع الفكر الاسلامي الاجابة علیھا. الغرب
لا یحملوا كراھیة وحقدا على الدین الاسلامي، فھذا كلھ لیس صحیحا؛ إذ لا یجب أن نحسب كل صیحةٍ علینا كالمنافقین في عصر
النبي، فالمجتمعات الغربیة أغلبھا مجتمعات علمانیة ولیبرالیة تكفل انتشار المعتقدات وممارسة الشعائر في بلدانھا طالما أنھا لا
تشكل خطرا على الأمن العام. ومن یدعي أن النقد یطال الاسلام وحده ھو خاط ئ، فالغرب قاموا بنقد العھدین القدیم والجدید
وقاموا بنقد كل الانبیاء المشار إلیھم في كتبھم المقدسة، بل حتى یسوع نفسھ لم یسلم من النقد، والكتاب المقدس یذكر عقوبة لله
لنبیّھ موسى بحرمانھ من الدخول إلى أرض المیعاد بعدما كسر لوحي الشریعة، والكتاب المقدس یذكر خطیئة داوود وسلیمان
وابنتي لوط، وكما أن التوراة والانجیل ھو جزء من العقیدة المسیحیة، فقد ابدع المسیحیون في نقدھا مرارا حتى وصل الأمر
وفي مرات عدة إلى التجریح الصارخ، ولعل الفیلم الذي حاكى روایة شیفرة دافنشي للكاتب دان براون أو الملھاة الإلھیة لداني
إلیجیري أو الفردوس المفقود لجون ملتون أمثلة جیدة لكمیة النقد الجارح للعقیدة المسیحیة، إیمانا من المسحیین بأھمیة حریة
التعبیر وعدم مصادرة الفكر واحترام النقد من جھة، وقوة عقیدتھم التي لا یمكن أن تسقطھا أقلام ساخرة من جھة أخرى. فالحقیقة
تستمد قوتھا من ذاتھا، لا ترھقھا كلمات باطلة أو ألاعیب لغویة، والنقد والفكر الحر قد یكون سببا یساھم في تقویة أسُسِ العقیدة،
فالشك أولُ إشارات الإیمان إن لم یكن طریقا لھ، وبكل تأكید؛ ظھور المدارس الفكریة ستكون العامل الرئیسي في استقرار
المنطقة وانتشار التعددیة الثقافیة والتعایش السلمي مع شتى الحضارات والأدیان فالنقد فرض عین لا كفایة، كما یجب على
المسلمین الیوم أن یدركوا أن مسؤولیة التكفیر تقع على لله وحده، فھو قاضي القضاة، ومن المحزن أن یتنابز المسلمون الیوم
بمصطلحات التفكیر في كل اتجاه، وقد نادى لله الكفار مرة واحدة في القرآن وكانت في یوم القیامة لیؤكد للمؤمنین أنھ الوحید
المخوّل بھذا الحق في إطلاق الأحكام، بید أن رجال الدین المسلمین ینادون الناس بالكفار في كل مجلس وفي كل مناسبة.
ولا یمكننا في ھذا الصدد سوى القول بأن الغرب قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم یكن یعلم عن الاسلام شيء، فالولایات
المتحدة وأوروبا حینھا كانت تحاول استعادة أنفاسھا بعد الحروب الطویلة التي أرھقت كیانھما في الحربین العالمیتین وفیتنام
وكوبا، واستعادة التوازن والھیمنة الاقتصادیة على السوق العالمي، وحتى الیوم ومع انتشار الاسلاموفوبیا في الأقطار الغربیة
كنتیجة محتملة وطبیعیة ھما الأخرى لا یمكننا أن نعدّھا تمییزا أو حقدا أو مؤامرة، فنقد الاسلام في السنوات العشرین الماضیة
كان یھدف إلى فھم ماھیة الاسلام وكیفیة التعامل معھ وفھم الدوافع التي جعلت من المسلمون یمارسون إرھابا بشكل منظم ومبرر
ومبارك في الاوساط الاسلامیة ولیس بغرض استحقاره أو ازدراءه أو حتى تشویھھ.
الجماعات الدینیة تسھم في خلقِ الفكر الدوغمائي عند منتسبیھا، إذ تملك منظومة محكمة یتم من خلالھا شل الفكر عند الفرد عن
طریق عدة وسائل كالمحاضرات والنشاطات الدینیة والمخیّمات والمراكز الصیفیة التي یعزل فیھا المؤمن عن المجتمع لتلقِىّ
تعالیم معلّبة تسھم في خلق دوغمائیة صلبة لا تتأثر حتى في السجالات الفكریة الملیئة بالحجج العلمیة الدامغة، إذ تغُْرَسُ في الفر د
عدة أفكاره تھیمن على ملكة تفكیره وتجعلھ أسیرا لأفكار الجماعة، حتى یؤمن بأن العالم عبارة عن “نحن” و “ھم”، وأن ما
دونھم مخطئین وھم الوحیدون على صواب. یتم غرس الدوغمائیة الدینیة في الفرد من خلال ممارسة مستمرة كتقدیس قائد
الجماعة وأوھامھ بأنھ صاحب رسالة إلھیة مقدّسة ومعصومة، وتستخدم الجماعة لغة حماسیة دائمة لتأجیج المشاعر ولأثارة
المؤمنین، كما تركز على عقدة الذنب التي من خلالھا تجعل الفرد المنتسب یشعر بالذنب والخطیئة طوال الوقت ویكثر الاستغفار
بھدف تطھیر النفس، ولو سألت مؤمنا عن كثرة استغفاره لتعجبّت من الإجابة؛ إذ أن المستغفر في الحقیقة لا یملك خطیئة أو فعل
جرمي قام باقترافھ في حیاتھ من الأساس، بید أنھ یشعر دائما بأنھ على وشك أن یرمى في الجحیم لكثرة خطایاه وذنوبھ. الأمر
الذي یجعل المؤمن یقر بأنھ كان ضالعا في المفاسد والفجور وأن الجماعة قامت بإنقاذه من النیران والحریق الكبیر، وھنا یعلن
استسلامھ وخضوعھ وخنوعھ وقبولھ لأي تعالیم یستقبلھا منھم، وتصبح العقیدة أھم من الأنسان، أي أن الأنسان وحیاتھ وحیاة
أقاربھ لا قیمة لھا، ولھذا فلا عجب أن ترى متطرفین یھجرون عائلاتھم وأطفالھم في سبیل الجماعة والدین، ثم تتولد لدیھم قناعة
خطیرة جدا عن الأخرین وھي أما أن تكون معنا أو ضدنا، أما أن تنظم إلینا أو مصیرك الفناء. ھذا الإقصاء یتشكل في عدة
أشكال أقلھا خطورة ھي الدوغمائیة وثقافة الشجب والتھمیش والأقصاء، وأكثرھا خطورة ھي الأقصاء المادي من خلال عملیات
إرھابیة تھدف إلى فناء وقتل المخالف، وفي أحسن الأحوال تتشكل على ھیئة تبریر لكل الأفعال التي یقدم علیھا المؤمنین المنتسبین
لھم، كأن یقوم فردٌ ما بتبریر فعل أودى بحیاة أبریاء، فیقوم أقرانھ بالدفاع عن ھذا الفعل، تماما كما حدث في العالم الاسلامي قبل
قرابة العقدین، حینما قتلت القاعدة أكثر من ثلاثة ألاف مدني بريء في أحداث أبراج مانھاتن؛ وكانت أغلبیّة المسلمین في حالة
بھجة وسرور
.
ما من حدود لحریة التفكیر، وإن كثرت المصائد والمقاصل وحبال المشنقة وأدوات التنكیل والتعذیب، فمن فكَّر لوھلة بأنھ لا
وجود للإلھ، فقد فكَّر وأنتھى من التفكیر في ھذا الموضوع، أي أنھ لو كانت ھنالك حدود للتفكیر لتوقف العقل عن الوصول إلى
ھذه الخلاصة أو المرحلة، ثم أن تلك الحدود التي وضعھا المؤمنین – متمثلا في السلطات الدینیة – لا تغیّر من الأمر شيء،
فھي لیست أكثر من ردة فعل على أمرٍ حدث، أي أنھا لا یمكنھا أن تكون أكثر من مؤسسة تقوم بتدابیر احترازیة لمجابھة الفكر
الشاذ، فمن فكر ثم نفى أن الأرض لیست منبسطة بل كرویة، لا یجعل الأرض لیست كرویة ولو اجتمع العالم كلھ على تغییر
الحقیقة، ولو اجبرت الكنیسة أي أحد في التفكیر في أن الشمس تدور حول الأرض لن یغیر حقیقة أن الأرض تدور حول الشمس
ولیس العكس، فحجب الأفكار وإن ھدفت إلى الإبقاء على سلطة وھیمنة الدین؛ إلاّ أن الفكرة تبقى عابرة لا یمكن إیقافھا. وعلى
مر العصور، حاولت السلطة الدینیة محاربة الفكر والتعبیر والنقد، لیس حبا للدین، بل للإبقاء على سلطتھم وھیمنتھم ومراكزھم
ومصدر رزقھم. فماذا سیخسر – مادی ا –ً فردا ما لو أصبح ملحدا،ً في المقابل ماذا سیخسر رجل الدین لو أصبح العالم كلھ ملحدا،ً
بكل تأكید سیخسر المفتي والبابا والمرشد وبقیة رجال الدین وظائفھم ومصدر عیشھم وسلطتھم ومناصبھم وكراسیھم المقدسة،
ولھذا كان لزاما عبر التاریخ على رجال الدین أن یحاربوا الفكر، ویبثوا الخوف في نفوس المؤمنین من خلال طرق نواقیس
الخطیئة والجحیم والخلاص، حتى لا تعرّى الحقیقة للملأ بأن المؤمن لیس بحاجة إلى رجال دین وفتاوي وصكوك غفران، إذ
یكفي للمرء أن یصل إلى الخلاص أو الفلاح باجتھاده ومحبتھ وعبادتھ وحسب، فكان لزاما علیھم أن یحاربوا ویقتلوا وینكلّوا
ویحرقوا ویسحلوا كل من یحمل أفكارا قد تزلزل مكانتھم، وجاؤوا بفكرة الخطابات المشحونة والعاطفیة التي یخاطبوا فیھا العامة
لتخویفھم وترھیبھم واستعبادھم من خلال الأساطیر والخرافات والأقاویل، وبأنھم وحدھم، لیس لسبب وجیھ، فقط وحدھم ولا أحد
غیرھم من العامة من یسمع أصواتا ویرى أشباحا – ملائكة – یخاطبونھ ویأمرونھ وینھونھ، وبأنھ متصل إلى الرب بشكل مباشر
وبأنھ یرى الأنبیاء في منامھ. والمحصلة الاستیلاء على السلطة واستھداف العقل. ودعونا لا ننسى أنھ حینما تطفّلت الجماعات
الإسلامیة على الطب ظھرت خزعبلات حبة البركة وبول البعیر والحجامة، وعندما تطفّلت في القوانین ظھرت العقوبات الوحشیة
كالرجم وقطع الید وفقأ العین والحرق والسحل والرمي من على الشواھق، وعندما تطفلّوا في السیاسة خرج لنا البغدادي
والزرقاوي والظواھري وابن لادن وحزب لله وجبھة النصرة وداعش، فمتى ما ھیمن ھؤلاء على مجالات الحیاة؛ سنجد الجھل
والتخریب، ولا ینتھي كل ھذا إلا بإزالة كافة الرواسب القدیمة وإعطاء الفرصة لجیل ناقد ومفكّر بلا سلطة ولا وصایة سوى
عقلھ. وما یحدث الآن من افتعال لقضایا سجالیة تافھة یھُْدَفُ منھا حجب قضایا الواقع المریر، كأن یحاول ھؤلاء المحترفین في
صرفِ الانتباه إلى أشغال العامة بأمور غیر مجدیة لینصرف وعیھم عن تلك اللحظة الحرجة من خلال افتعال مواضیع ھامشیة
وملفقة من أجل العبث بالأولویات، بمھاجمة فیلما سینمائیا أو مسلسلا أو روایة أو كتاب، وبالرغم من أن ھذه الأنشطة لھا نقادھا
وحكامھا، كما أن لھا معاییرھا الخاصة، فھي لیست نقلا فوتوغرافیا للواقع بل رسالة بمضامین وأھداف معینّة. لھو خیر دلیلٍ
على الممارسات الھادفة إلى حجب المشاھد الدامیة والواقع المریر الذي یعیشھ الفرد العربي الیوم. أنھم یكرھون حریّة التعبیر
لدرجة أننّا ظننّا أن وأدھا جزءٌ من العبادة.
3الجھل وعقدة الاضطھاد )
لعل عقدة الاضطھاد یمكن أدراجھا كأحد النتائج المترتبة على الدوغمائیة الدینیة، بید أنھا أصلح لأن تكون سببا لھا، فعقدة
الاضطھاد ملازمة للمؤمن والمسلمین بشكل خاص منذ الباكورة الأولى من الاسلام، فبعد الخلافة الراشدة أصبح جلیّا أن ھنالك
محاولة فاشلة ھدفت إلى تأسیس أسرة حاكمة، والمحصلة بعد سنوات قلیلة فقط؛ إسلام خاوٍ من أي قیم روحانیة، وبلا قیم أخلاقیة
في التعامل مع الغیر، وعلى المستوى الإنساني؛ فكان التنظیم بین بني البشر في المملكة الاسلامیة ینظر على أسس طبقیة كالعبد
والسید، والأمیر والرعیة، وأھل الجنّة وأھل النار، وكامل العقل وناقصة العقل .
في الحقیقة، ھذه العقدة لیست ولیدة العقود القلیلة الماضیة كما یروّج لھا دكتاتوري العرب الذین یرمون كامل فشلھم للمؤامرات
التي تحاك ضد دینھم ودویلاتھم، بل ھي نتیجة الاستیلاء الأول على السلطة والاخلال بمیثاق النبي محمد وتعالیمھ التي لم تورّث
السلطة لابن أو لابنة أو ابن عم، وھو ما یفسر الی وم السبب الكامن في قیام المسلمین بإلحاق الأذى بالأخرین نتیجة الزینوفوبیا
ولاعتقادھم المسبق والدفین بأنھم أفضل منھم وبأنھم ینافسونھم ویضطھدونھم في كل نواحي الحیاة، وإلاّ ما الذي یجعل إنسانا سویّا یسخر ویشمت لحدوث إعصار أو زلزال یخلفّ ضحایا في بلادٍ متقدمة غیر مسلمة.
كما أنھ آن الأوان لیتوقّف رجال الدین عن ممارسة دورھم الروتیني ومھنتھم الاعتیادیة، آن الأوان لیقوموا بالدور الحقیقي،
والتحدي الحقیقي، وھو مواجھة المستشرقین، فطروحاتھم قد تؤدي إلى الإطاحة بالدین بأكملھ، الوعظ الدیني والمقاربات المذھبیة
ومحاولات التقریب وإیجاد التوافق بین الدین والأدیان الشرقیة الأخرى لم یعد أمرا ملحّا،ً فقد أكتفت ساحة النقد التراثي من
موروثات عقدین مضت، الیوم یجب على ھؤلاء – إن صدقوا في ما عاھدوا لله فیھ- أن یفتتَحِوا مراكز بحوث ودراسات تجیب
على المستشرقین في كافة أطروحاتھم، فإل ى الیوم، لا نجد سوى إجابة انموذجیة یرددھا ببغاوات رجال الدین في ما طرحھ أبو
موسى الحریري في كتابھ عالم المعجزات حینما أدّعى أن اللوح المحفوظ – كمفردة ومضمو ن- في القرآن ھو كتابُ موسى.
تقاعس ھؤلاء على الرد بشكل أكادیمي یفھم قبولا وإذعان من المسلمین عامة وخاصة، ویجبر المؤمنین بالنزوح عن بوتقة الدین
والإیمان، ویجعل العقلیات العنیدة تتمسّكُ بأفكارھا الكلاسیكیة دون رغبة في مناقشة الغرب الذي یراه مجرد ناقمٍ وحاقد ومتآمر.
كما أن المسلمین لم یجیبوا حتى الآن إلى أراء الباحثة الدنماركیة باتریشیا كرون التي تعتقد بأنھ لا یوجد أي دلیل على أن القرآن
موجود قبل نھایة القرن السابع المیلادي في كتابھا الھاجریون. ھنالك أمر آخر على المسلمین أن یتصدّوا لھ بالحجة وھو الكتاب
الذي قدمھ أبي داود السجستاني تحت عنوان “المصحف تحت باب ما غیر الحجاج” الذي یفترضُ وجود تغییرات قامھا بھا
الحجاج في القرآن. كما أن الحجج التي حاولت الإطاحة برأي جون ونزربو الذي یدعي أن القرآن تطور في القرن الثامن والتاسع
ولیس في عصر الخلافة الدعویة ھي الأخرى لم تكن ردودا تستحق القراءة، فقد كانت الردود عبارة عن آیات قرآنیة تدعم حفظ
القرآن كالآیة (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لھ لحافظون). فالمشرقون یقدمون فرضیات بأدلة أركیولوجیة مادیة، في حین أن المسلمون
یردون علیھم بنص آیة. أیضا المخطوطة القرآنیة التي وجدت في صنعاء مؤخرا والتي كانت بید الألماني جیرد بوین، والذي
خرج ھو الآخر باستنتاجات لا تدعم الروایات الإسلامیة حول القرآن، في قطعیة الثبوت، بید أنھ لا یوجد من یجیب وكأن
المسلمون غضوا ابصارھم والأمر برمتھ لا یعنیھم.
ھنالك عدة باحثین متخصصین في الدراسات الإسلامیة، جمیعھم یقدّمون أراءً مثیرة للجدل، وخطیرة بلا شك إن ثبتُتْ صحتھا
وأصبحت حقیقة بعد نموّھا كفرضیة، وقد سبق للمسیحیین أن ردوا على المتخصصین في الدراسات المسیحیة بآراء منھجیة
توافق ما أتى مع كتابھم المقدس وتدحض الآراء المخالفة. فمتى یتعلمّ المسلمون الرد على أطروحات ودراسات تمس كیان دینھم
وثوابت إیمانھم واعتقاداتھم عوضا عن الاكتفاء بوصفھا مؤامرة وحس ب.
یمكننا الیوم الاستدلال على انتشار الدوغمائیة كظاھرة من خلال القیام بإحصائیة سریعة؛ كم عدد المسلمین غیر المتحدثین اللغة
العربیة في العالم؟ ربما یتجاوز التسعین بالمائة نظرا لوجود مسلمین في أندونیسیا وباكستان وأفغانستان بالملایین وأكثر بكثیر
من العالم العربي، ھذه النسبة المسلمة غیر المتحدثة للعربیة تؤمن بقناعة تامة بأنھا على حق ولھذا فھم یرددون التعالیم الدینیة
تردید الببغاء لعدم قدرتھم على قراءة القرآن أو التراث الإسلامي واستیعابھ، وذلك ما یحرمھم من فرصة الدخول في جدال أو
نقاش مع أقرانھم، أو حتى التفكیر والتمحیص في التعالیم الاسلامیة الرادیكالیة التي تھیمن علیھا قنوات الأعلام العربي الیوم،
بالتالي فمصیر ھؤلاء ھو الإذعان والقبول اللامشروط دون جدال أو سجال أو مماحكة فكریة نقدیة أو حتى نقاش للوصول إلى
الغایة من ھذا أو ذاك، وبطبیعة الحال ذلك ما یجعلھم یقعون في فخ الدوغمائیة طوعا لتصدیقھم أمرا لا یملكون حقا في رفضھ،
ولھذا فقد تجد مسلما في مجتمع علماني كمالیزیا أو تركیا ما زال یؤمن بدونیة المرأة ودورھا الثانوي وبأنھا ضلع أعوج لن
یستقیم وناقصة عقل ودین حتىّ وإن كانت رئیسة وزراء بلاده أو طبیبتھ الخاصة أو مدیرتھ في العمل لا لسبب إلاّ لجھلھ.
إن العدو الحقیقي ھو لیس شخصیة الشیطان، وإنما الجھل والباطل، وإن ردّاتِ فعلٍ من قبل المسلمین على خلفیة رسم صورة
ساخرة للنبي لن تصلح الأمر؛ بل تجعلھ اسوء، فقد تجاوز الغرب الخطوط الحمراء والتابوھات والطوطم بعد ثورات جعلت من
العواصم الأوروبیة أنھارا من دماء، فما من ثمن یمكن تقدیمھ لعدم النیل من شخصیة ما، ولھذا فالتشظي الدیني ھو حجر الزاویة
لكل تلك الانفعالات والتصرفات الدفاعیة التي تؤجج المشاعر وتزعزع العلاقات التاریخیة بین الأدیان، وقد تخلق مفھوما ثابتا بمصداقیة شماعة المؤامرة التي تحاك ضد المسلمی ن، والتي ستكون بلا شك عثرة أمام أي مشروع سلام عالمي أو حوار ومقاربات
بین الدیانات المختلفة. فالاعتراف بالجھل فضیلة أیضا،ً وللخروج من الدوغمائیة ھذه؛ یجب على المؤمنین أن یفكروا بجدیّة
التخلي عن الجزء السلبي من الدین، ورفض التقالید والعادات القدیمة التي تسھم في تأجیج الصراعات، ووضع منھجیة ثقافیة
وقانونیة للحد من سیاسة الكراھیة والعنصریة، والتصدي بید من حدید للإرھاب الدیني الفكري والمادي، والتخلي عن مفاھیم
الشرف والنزاعات الطائفیة وتبني الانسانیة العالمیة وحریة الفكر ونبذ سیاسة التكفیر، والمساواة أمام القانون وتفعیل دور لجان
حقوق الإنسان والمجتمعات المدنیة والتصدیق على المعاھدات الدولیة التي تكفل سیر فكر المختلف لا رأسھ.
كما یجب على المسلمین التخلي عن الشماعة القدیمة التي یعزو إلیھا كل قیادات الدول العربیة في تفسیر وتبریر فشلھم، إلا وھي
المؤامرة، وإعطاءھا حجمھا الحقیقي، إذ لا یمكن لأحد أن ینكر وجود مؤامرات حدثت على مر التاریخ للأوطان العربیة
والاسلامیة كسایكس بیكو ووعد بلفور وغزو العراق التي لا أجد وصفا لھا غیر ھذا، ولكن من جھة أخرى لا یمكننا تقبلُّ أن كل
شيء یحدث لنا نتیجة لذلك، ووحده العلم والفكر من یمكنھ التخلص من ھذا النمط من التفكیر الذي ساد في الأوساط العربیة لعقود
طویلة، ووحده العلم والفكر من یستطیع أن یتخلص من خمول التفكیر وواقعھ المأساوي.

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started