یمر غالبیة البشر بتوجیھ فكري منذ الصغر، یتلقوا فیھا وعلى فترات طویلة مجموعة من الأفكار المعینّة والتي یھدف فیھا الموجِّھ
إلى تمھید الطریق للمتلقي لمواجھة الحیاة من خلال أتباع خطواتھ وتبني أفكاره ومعتقداتھ، وعادة ما یكون الدور الأكبر للأدلجة
للوالدین، وذلك من خلال تعلیم الطفل وإجباره على أتباع طقوس معیّنة وتبدأ الأدلجة منذ الباكورة الأولى، كالتعمید في المسیحیة،
أو صدح الأذان للطفل حدیث الولادة كما ھو في الإسلام، أو الإحتفال بختان الطفل في الیوم الثامن كما ھو عند الیھود، وكدلالة
على إقرار الوالدین بأن الطفل أعتنق أفكارھم ومقدساتھم. ومن ثم ینطلق الطفل في حیاتھ بناءا على الخطط والمسارات المرسومة
لھ من الأیام الأولى من حیاتھ سلفا والتي لم یشارك في رسمھا أو یعطى الخیار في قبولھا من عدمھ، لیكمل بقیةّ حیاتھ مدافعا عن
التابوات والمقدسات والقیم والأفكار التي لقّن بھا.
یتعلّم المؤمن الكثیر من التعالیم الدینیة منذ الصغر، تلك التعالیم التي تناقش أكثر القضایا أھمیّة وتعقیدا،ً كقضیة الخلق والنشأة
الأولى، والعدید من الروایات والتعالیم التي تتحدث عن المعجزات الخارقة لقوانین الطبیعة المألوفة، وعن رجالٍ خارقی ن وقصص
سحر عدیدة وحیاة یوتیوبیة أخرى بتفاصیلھا الدقیقة. ومصدره الوحید لكل ھذا ھو التراث الدیني الذي ینتمي إلیھ، ثم یواجھ فیما
بعد وبعد ظھور الحقائق العلمیة مأزقا حادا وحرجا كبیر، فلا یرى أمامھ سوى ثلاثة خیارات أمام كل ھذا الزخم الھائل من
المفاجئات العلمیة، فأمّا أن یترك تعالیم وروایات دینھ ویصدق العلم، أو أن یسخر على العلم ویتمسك بالحقائق العلمیة في دینھ،
أو أن یعیش مزدوجا وكائلا بمكیالین في حیاتھ، أي أن یؤمن بقصة سفر التكوین المتعلقة بالخلق والنشأة الأولى للكون والإنسان،
وأن یؤمن في الوقت ذاتھ بنظریة الإنفجار العظیم ونظریة التطوّر.
فبعد ظھور الحقائق العلمیة، وقع المؤمنون في صراع نفسي، بین ما یدور في عقلھم وعاطفتھم، مما خلقت تلك الأزمة مجالا لرجال الدین في كل الأدیان إلى أختلاق وابتداع أقوال وتفاسیر في كتبھم المقدسة توفِّقُ بین العلم والدین، أي أنھم لا یفسرون تلك
النصوص، بل یقدمون شروحات ومفاھیم جدیدة بناءًا على ما أكتشفھ العلم الحدیث، كالآیة (خَلقََ السَّمَاوَاتِ وَالْأرَْضَ باِلْحَ ق مى ألَاَ ھُوَ الْعَزِیزُ الْغفََّارُ) والتي یكَُوِّرُ اللیَّْلَ عَلَى النَّھَارِ وَیكَُوِّرُ النَّھَارَ عَلَى اللیَّْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقمََرَ كُلٌّ یَجْرِي لِأجََلٍ مُّسَ
أجزم فیھا بعض رجال الدین المسلمین بأن ذلك إقرارا سابقا العالم كلّھ في كرویّة الأرض؛ بید أن الآیة تقول خلاف ذلك، إذ أنَّ
من وقع علیھ التكویر ھو اللیل ولیس القمر، وھكذا استطاع رجال الدین المسلمین من استخدام آیة جدیدة تثبت كرویة الأرض
بعدما أثبتوا في ما مضى وبآیة أخرى أن الأرض منبسطة، وبھذا یضمن المسلمون أن مسلسل الترقیع لن ینتھي، بإصرار تام
على وجود إعجاز علم ي.
مثال آخر لأزمة التفاسیر الحدیثة والزاعمة بأعجاز علمي عند المسلمین ھي الآیة ( فَلْینَظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ.
یخَْرُجُ مِن بیَْنِ الصُّلْبِ وَالترََّائبِِ) وكما ھو معلوم من تفسیر الآیات السابقة؛ بأن الصلب ھو الظھر، والترائب ھي عظام الصدر،
فھل ھنالك من یستطیع الیوم أن یجزم بالقول بأن الحیوانات المنویة للرجل لا تخرج من الخصیة، وإنّما من الظھر والصدر،
استنادا أیضا إلى تفسیر الآیة (وَإِذْ أخََذَ رَبُّكَ مِن بنَِي آدَمَ مِن ظُھُورِھِمْ ذُرِّیتَّھَُمْ وَأشَْھَدَھُمْ عَلَىٰ أنَفسُھِمِ ألَسَتُْ برَِبكِّمُ قاَلوُا بلَىَٰ شَھِدْنَا أَن تَقُولُوا یَوْمَ الْقِیَامَةِ إنَِّا كُنَّا عَنْ ھَٰذَا غَافِلِینَ) التي تؤكد كما یعتقد المسلمون أن الخلق البشري ینشأ من ظھر الإنسان
ولیس محظ أستعارة رمزیة أو محسنات بدیعیة وحس ب.
إن أصر المؤمنین والمسلمین على وجھ الخصوص، على وجود دلال وحقائق وإعجازات علمیة للخلق البشري وغیره، فھم بذلك
یجعلون كتبھم المقدسة في مأزق، ووضعھم العلمي والفكري في مأزق أكبر من خلال الإیمان بخزعبلات یثبت العلم أنّھا خاطئة
كل یوم مع كل تلسكوب ومجھر وخلیةّ ومختبر، وھم یحسبون بذلك أنھم یسدون صنیعا لدینھم والمؤمنین بھا، بید أن على العكس
تماما،ً فالمسلم ون على سبیل المثال، المؤمنین بالإعجاز العلمي للقرآن بإدعاءاتھم بوجود أعجاز علمي في قرآنھم، ھم بذلك
یقولون لنا بأن أما أن لله فشل في توضیح الفكرة التي أحتاجت أكثر من أربعة قرون لتكتشف، أو یطعنون في بلاغة وبیان
وفصاحة القرآن، أو یصفون نفسھم ومن سبقھم من نبي وصحابة بالجھل لوجود حقائق في كتبھم طوال تلك السنین بید أنھم لم
یستطیعوا الفھم، وأنھ لولا العلم الحدیث لظل المسلمون في غیّھم وجھلھم یعمھون بتفاسیرھم السابقة.
تلك التفاسیر الدینیة العجیبة، جعلت الدین في مأزق حقا،ً فھي أما تنسف الدین بأكملھ، أو تجعل المؤمنین بھ مضطربین نفسیین
لعدم مقدرتھم على الإفصاح أو التكذیب أو التشكیك أو المساءلة فیھا، ولو أن المسلمین على وجھ الخصوص، تنازلوا وتجاوزوا
فكرة الإعجاز العلمي ھذا، لأسدوا لدینھم صنیعا عظیما،ً وبذلك سیكون الإسلام ھو الدین الوحید من الأدیان الإبراھیمیة الذي
یقدّس العلم ویقدّم العقل على النقل، على غرار المسیحیة والیھودیة التي تتشاركان مع الإسلام في ھذا، ولنا أن نتخیّل ماذا لو
توقّف البایولوجیین المسیحیین من البحث في جسد الإنسان وسبر أغواره وأكتشاف تفاصیلھ، فھل كنّا سنحضى بفرص التلقیح
والعلاج، وھل كان سیحضى من یواجھ مشاكل جنسیة فرصة بطفل أنابیب أو أجنةّ، أو كناّ نعلم شیئا عن الھندسة الوراثیة
والحمض النووي والخلایا الجذعیة.
وعلى ضوء ھذا الإعجاز المزعوم أیضا،ً أصبح التداوي بالكتب المقدسة من خلال التعویذات والرقى الشرعیة أمرا ملفتا،َ إذ أن
تلك الممارسات في البلدان الإ سلامیة على سبیل المثال، أصبحت أكثر من مجرد ظاھرة وحسب، بل أصبح لھا مراكز وعیادات
تصادق علیھا الحكومات في بعض الأحیان، وطال الأمر الإعلام أیضا،ً إذ أصبح لكل مركز أو معالج قناة فضائیة خاصة بھ،
وأعلانات تجاریة تدّعي علاج الكثیر من الأمراض المزمنة والمستعصیة حتى على الطب الحدیث، وأرى ضرورة الإلتفات إلى
أمرٍ مھم في ھذا السیاق، وھو أنني لا أقوم بإنكار القدرات التي یتمتع بھا أي نص مقدس أمام علاج مرضى مؤمنین بھ، فھنالك
حالات عجز الطب الحدیث عن علاجھا، ولكن تلك الحالات لا تطال الجانب البایولوجي، بل السایكولوجي وحسب، وفي حالات
معیّنة، فھنالك العدید من الأمراض لم تشفى بالقرآن، وھنالك شیوخ یعالجون الناس بالقرآن ویسافرون للخارج للعلاج بعد فشل
العلاج القرآني، وربما أفضل مثال على ھذا ھو ما انتجھ المخرج الألماني دانییل ستام في فیلمھ الشھیر ” طرد الأرواح الشریرة”
والذي یظھر فیھ المعالج بأن المریض یمكن أن یستجیب للعلاج وإن كان كلھ كذب، حیث قام بتركیب أصوات مخیفة وأجھزة
تخرج الدخان من أجل إقناع المریض بأنھ یخاطب الأرواح الشریرة التي بداخلھ ومن ثم تنتھي مرحلة العلاج بنجاح ملفت،
ورضى تام من المریض.
ما یمارسھ الكثیر من الدجالین وا لمشعوذین في الأوطان الإسلامیة عند مرضاھم المعتقدین بأنھم مصابین بمس شیطاني أو حسد
أو سحر وعلاج بالنصوص المقدسة ھو فعّالٌ سیكولوجیّا،ً متى ما توھّم المریض بالمرض الروحي ومتى ما استطاع المعالج
أثبات أن المرض قد أنتھ ى.
أحد السبل التي یقوم بھا الأطباء الیوم في بعض الدول الغربیة كألمانیا لأستعادة التوازن العقلي في مرضى الجلطات الدماغیة
مثلا ھي مرحلة إعادة التأھیل والتي یقوم فیھا الطبیب بعدة طرق لعل أبرزھا ھي مرحلة العلاج بالموسیقى، وكما ھو معروف
فإن الموسیقى تساعد على تنشیط الأندروفینات التي ترتبط بالأحساس العاطفي والعصبي، وھو ما یثبت أن العلاج بالنصوص
المقدسة لا یعود سببھ إلى التأثیر السحري للألفاظ وإنما إلى الوضع السیكولوجي للمریض نفسھ، فقراءة سورة الناس لن تستطیع
أن تزیح عنك الرھبة من الظلام طالما أنك تعاني منھا.
بالعودة إلى الآیة (وَننَُزِّل مِنْ الْقرُْآن مَ ا ھُوَ شِفَاء وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِینَ) ، والآیة (یَا أیَُّھَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ
لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَھدًُى وَرَحْمَة لِّلْمُؤْمِنیِنَ) والآیة (قلُْ ھُوَ لِلذَِّینَ آمَنوُا ھدًُى وَشِفَاءٌ ) واللاتي یستند علیھا الكثیر من مدّعي الشفاء
بالقرآن وبأعجازه؛ فإن ابن كثیر في تفسیره للآیة الأولى یخالف المفھوم السائد والمعتاد للمسلمین، أي أنھ یرى أن القرآن یذھب
ما في الصدور من شك ونفاق وشرك وزیغ ومیل، وھو صحیح إذا ما ربطنا الآیة بسبب نزولھا، وكذلك ھو الحال عند الطبر ي
الذي یفسر الآیة الثانیة بخلاف ما یظنھ الكثیر من المؤمنین أیضا،ً أي أنھ یرى أن شفاء ما في الصدور ھو الشفاء من الجھل.
كما أن الآیة الأخیرة یمكننا فھمھا بالشكل الصحیح وبیسر لو أن المعالجین لا یوھمون الناس ویقتطعون الآیات لتكون دعایة
للعلاج، إذ أن ھذا الجزء من الآیة “قلُْ ھُوَ لِلذَِّینَ آمَنوُا ھدًُى وَشِفَاءٌ ” جملة معطوفة الفھم على ما ھو قبلھا، أي أنھا تتحدث عن
قضیة مختلفة؛ وھي ما لو كان القرآن عربیأّ أم أعجمیاّ،ً وتبینّ مدى بیان الآیات وحسب، ولیس شفاءًا للامراض كما یدعي
الكثیرو ن.
ھذا الدجل لیس ولیدا أ و حصرا على الإسلام من بین كل المؤمنین بالأدیان، بل ھو مشترك في كل مكان في العالم عند أولئك
المدعین بأمتلاكم الخوارق والشفاء الروحي والتخاطر الذھني من خلال ألاعیب سحریة وحیل مدروسة، ولعل المبشر الأمریكي
بیتر بوبوف ھو أكثر الشخصیات شھرة والتي أدعت ذلك في ثمانینات القرن الماضي، حتى وصل بھ الامر إلى قیامھ بعروض
مباشرة أمام الجمھور یثبت فیھا صحة ما یدّعیھ من تخاطر وعلاج نفسي وروحاني حال، ومعرفتھ بالضحیة التي أمامھ، حتى
أكتشفت ألاعیبھ وحیلھ فیما بعد وأتضح أنھ كان یستعین بزوجتھ الموجودة بین الحضور والتي كانت تقوم بتزویده ببیانات
وتفاصیل عن المریض الذي أمامھ من خلال جھاز خاص وسماعات لاسلكیة مخفیّة في أذنھ، في حین أنھ كان یتظاھر طوال
الوقت وأمام الملأ بأنھ یستحضر المعلومات بمساعدة قوى روحانیة. ھؤلاء الدجالین وإن كانوا یریحون الناس نفسیا من خلال
الإدعاء بأنھم تعالجوا من ما یظنون أنھم یعانون منھ؛ إلا أنھ بكل تأكید لیسوا سوى مخادعین لھم یضیعّون أوقاتھم وفرصھم في
الحصول على علاج حقیقي لمشاكلھم من خلال أبتزازھم مالیا ومطالباتھم المجنونة والتي تصل في بعض الأحیان إلى الضرب
أو التحرش الجنسي، العلاج بالكذب فعّال جدا لمن یعاني من حالة نفسیة، ولھذا یلجأ بعض الأطباء عندما یواجھون مراجعا لھم
یظن نفسھ بأنھ مریض، یلجؤون إلى أعطاءه حقنة لا تحتوي إلاّ على الماء وحسب، ویخرج المریض مرتاحا نفسیّا وشاكرا ومادحا للطبیب. قلیلٌ من العقل یكف ي.
فعندما یظھر في التلفاز أحد المشایخ متحدثا عن الإعجاز العلمي في القرآن ویتحدثون بثقة مفرطة ملیئة بالجزم القاطع وأدوات
التحدي والمبارزة، نقف في حیرة من أمرھم، فھناك مشكلة جوھریة في ھذا الطرح المثقوب، سوآءا أكان أعجازا علمیا أو عددیا
أو أي نوعٍ آخر، فھذا الطرح لا یرقى أن یكون دلیلا على وجود لله أ و صحة دیانة ما. فأي باحثٍ في ھذا الأمر- الإعجاز- یقوم
بالنظر إلى نص القرآن ثم یبحث في أحد الظواھر الطبیعیة ومتى ما كان مطابقا لھ أو مشابھا في الشكل أو المضمون قال أنھ
الدلیل!
بقي أن نسأل سؤالا أخیر: لماذا لا یتحدث ھؤلاء في برامجھم ومقابلاتھم مع العقلاني أو الملحد أو على أقل تقدیر مع معتزلي؟
السبب بسیط جدا برأیي؛ وھو أن لغة المشاعر والعواطف والمغالطات الكلامیة والمماحكات وكمیة العطب في حدیثھم، علاوة
على ذلك، أسالیب التأویل وألاعیب اللغة كلھا ألعاب بھلوانیة صبیانیة لا مجال لاستخدامھا مع ھؤلاء! فھم بكل بساطة یتحدثون
من المؤمن [الأنموذجي] حتى لا یخسروا لقمة عیشھم، فالتجارة بالجھل والدجل تجارتھم ومصدر رزقھم.
الدجل الدیني یظھر في شكلٍ آخر أیضا،ً إذ یزعم البعض أنّك لو أدعیتَ بعدم أعجاز القرآن – لغویاّ – بأدواتٍ علمیّة ووضع
القرآن في كفة، والتراث العربي الآخر ف ي كفة أخرى؛ بأنّك تخرج عن بوتقة الدین، وبالرغم من المحاججات البشعة التي
یستخدمھا المؤمن كالمغالطات المنطقیة والمحاججة بالجھل، إلاّ أنھم یقعون ضحیّة لإشكالیة أخرى، إذ أن المعتزلة قد سلّموا بذلك
منذ قرون خلت، بل سلّموا بأن الأعجاز القرآني یتشكّل في استحالة تألیف مثلھ، وقد سموه “الصرفة” لا كونھِ معجزا،ً رغم أن
رأي القبانجي في كون أن القرآن معجزة وجدانیّة وحسب أكثر قبولا،ً حتى لا یقع في حرجٍ ومأزق كالذي وقع فیھ مفسرو القرآن
في ما مضى، خصوصا من أدعى بالإعجاز العلمي، ظناّ منھم أنھم یسدون للإسلام صنیعا؛ً وفي الحقیقة أنھم یفتحونُ أبوابا من
التساؤلات البدیھیّة أھمّھا: ھل أوجد لله القرآن كشفرة لا یفكھا المسلمون إلاّ عبر قرون عدیدة وعلى دفعات؟ ھل مرَّ القرآن على
النبي وأصًحابھ دون فھم منھم؟ ھل أصًبح المسلمون یرددون القرآن تردید الببغاء؟ أسئلة مشروعة وبدیھیةّ لا مناص من الھروب
منھا إن سلّمنا بإعجاز القرآن العلمي واللغوي.
المعتزلة یستحون الإحترام في موقفھم ھذا، لأمانتھم قبل كل شيء، ومن جھة أخرى، فإن الإدعاء بإعجاز القرآن البلاغي، ولا
أحد یختلف على بلاغتھ، أدعاء لا یصح لحجیتّھ الضعیفة جدا،ً فالمسلمون یدّعون بأن العرب لم تأتي بمثلھ، وذلك ما لا یمكن
أثباتھ، أي أن التاریخ سطّره المسلمون، فما من منھجیة أو موضوعیّة في الشھادة بتلك الحجة، علاوة على ذلك، فأن المسلمون
أیضا یستخدمون دیالكتیكا قذرا ومماحكة لا طائل منھا في رمي الحجة، إذ یرمون عبء الإثبات على المتلقي، في حین أن القاعدة
الأصولیّة تقول: أن البیّنة على من أدعى، فھم یستخدمون ھذا النوع البشع من المحاججة في كثیر من الأمور العقائدیة فقط
للھروب من الإجابة والمساءلة، فمثلا یحاول أن یرّجح كفة الحوار بقولھِ: لله موجود فأثبت أنھ غیر موجود، الرسول عرج إلى
السماء فأثبت أنھ لم یعرج..إل خ.
القرآن نصٌّ أبداعي، تلك حجّة مقبولة، فما من شيء یطابق النص القرآني، كما أنّھ لا شيء یطابق شعر أبو نواس أو إلیاذة
ھومیروس، فالنصوص تختلف، ویختلف مستوى أبداعھا اللغوي والبلاغي والشعري والموسیقي والوجداني، والمدارس الإسلامیة
التجدیدیة لحسن الحظ دحضت كل تلك الخزعبلات التي أتوا بھا الأولین، فالإدعاء بتلك الإعجازات لھُو تحجیم للقرآن وتقوّلا علیھ.
