كثیرا ما نرى صورا لجمع غفیر من المسلمین وھم یحرقون مبنى صحیفة أو سفارة أو یعادون ویتوعّدون صحفي أو كاتب أو
رسام أو یقاطعون بلادا بأكملھا لتعبیرھم عن استیاءھم لفعل ما بدر منھم كإھانة لمقدساتھم مدّعین باستھداف ملیار ونصف مسلم
من خلال تلك الأفعال كرسمة كاریكاتور مثلا،ً ولكن وجب قبل كل شيء تعریف ماذا یقصد المسلمون بإھانة المقدسات؟ فإھانة
المقدسات عند المسلمین ھي أن یقوم فرد ما باحتقار طقوسھم وشتم شخصیات دینھم والسخریة من ملابسھم ومعتقداتھم، وكل
ھذا أما بمقال نقدي لاذع أو رسمة كاریكاتوریة ساخرة توصف مشھدا ما بشكل مستفز، أو التصریح بحقائق أو أراء تسيء
لدینھم، ولكن؛ ھل یكیل المسلمون في ھذا الدلو بمكیالین، أم أنھم لا یسیئون في الحقیقة لأیة أدیان أخرى تتبّعھا شعوب العالم.
المسلمون یصفون الیھود بالقردة والخنازیر، ویدّعون بأن التوراة والإنجیل محرفان، وأنھما یدعوان للانحلال الأخلاقي والفجور
والرذیلة، المسلمون یسخرون من عابدي البقر، ویزدرون عبدة الأوثان في الدیانات الوضعیة كما یسمونھا، ولا یعترفون بأي
مقدسات للأخرین، بل یستمتعون بإقصائھا واستحقارھا واستھجان المنتمین لھا. أما حریة التعبیر لدیھم، فھي أن تتحدّث وتنتقد
كل شيء إلا مقدساتھم، فحریة التعبیر لا تطال دینھم، ولو حدث لأعتبر ذلك مساسا بمقدساتھم وثوابتھم، فحریة التعبیر لدیھ تكفل
لھ التعبیر بما یشاء بمعتقدات الآخرین، أما العبث بدینھ فھو أمرٌ یعدّه من قبیل السخریة والاستھداف والمؤامرة، ولھذا فلا عجب
أن نرى ملایین النشرات الرسومیة التي تنتقد تعالیم الإنجیل في الغرب والذي تكفّلت الدساتیر بحمایتھا، ونرى جمعا غفیرا من
المسلمین في الشوارع لو أن ورقة واحدة سقطت سھوا من قبل رسام غیر معروف ومن قبل صحیفة لا یعرفھا أحد ویتحوّل إلى
أحد أكبر المشاھیر في عشیّة وضحاھا نتیجة لمشاعر مجروحة انتشرت في العواصم الإسلامیة
تصادر الدول الإسلامیة حریات الأجانب في عواصمھا وتمنعھم من استخدام بعض الشوارع وتنھاھم عن لبس بعض الملابس
وتحرم علیھم دخول بعض المباني وتمنعھم من الاحتفال بأعیادھم ونشر معتقداتھم وكتبھم في الأراضي الإسلامیة، أ ولیس المسلم
في الحقیقة لا یعلم أي شيء عن حقوق الإنسان إلا في جوانتانامو ولا یطالب بحریة الاعتقاد إلاّ إذا عمل في بلاد الكفر طالبا من
جھة عملھ أن تمنحھ إجازة العید.
تتذرّع السلطات في الأوطان الإسلامیة بإقصاء أي نشاط ساخر من خلال التحجّج بالخطوط الحمراء القیم والتقالید والمقدسات
والسیادة الوطنیة، وبالتالي فأي نقد موجّھ لھا تعتبره انتقاص لتلك الرموز والمساس بھیبة وسیادة الدولة والمواطنة والمقدّس،
وبالتالي فقیام الدولة بالھجوم على المنتقد من خلال تشویھ صورتھ وأھدافھ من النقد كالادعاء بأنھ یخل بأن الدولة والمجتمع
ویدعو للانحلال وینتھك القیم والأعراف، باستخدام مصطلحات فضفاضة ومائعة كخدش الحیاء العام أو الإخلال بالنظام العام أو
النیل من ھیبة الدولة، أو قذف الذات الإلھیة أو الإساءة للمقدسا ت.
وعلیھ فإننا لو صادقنا للحكومات العربیة والاسلامیة في مثل ھذه التذرعات؛ فإنھ على الناقد والساخر أن یقوم باستفتاء في أي
موضوع یود كتابتھ أو رسمة یود رسمھا أو مسرحیة یود إخراجھا من أجل التأكد من انطباعات الأفراد ورأیھم في ھذا الأمر،
ثم التأكد ما إذا كان ھذا الموضوع یسيء لھ بشكل شخصي أو یجرح مقدساتھ ومعتقده، وعلیھ فأن الكاتب علیھ أن یخاطب كافة
الشعب فردا فردا قبل أي نقد، ولھذا فما دام الكاتب یجب علیھ أن یراعي مشاعر الناس عند أي نقد؛ فأعتقد أن النقد یفقد فاعلیتّھ
وغیر مثمر، فالمقدّس المتخبئ خلف غیره في المعركة سیظھر بمظھر العاجز عن الدفاع والذود عن نفسھ، من خلال قوانین
المنع والمصادرة.
إن تھمة الإساءة للمقدسات وازدراء الأدیان تھمة لا وجود لھا الیوم في كافة دساتیر العالم الغربي سوى العالم الإسلامي، وتلك
الممارسات لیست ولیدة الدولة الحدیثة، بل ھي إرھاصات الدولة الإسلامیة الخلافیة، إذ قامت الخلافة الراشدة والعباسیة والأمویة
بعدة إعدامات ومشانق ورجم وسجن وسحل للعدید من ناقدي الإسلام أو حتى من یحمل فكرا مخالفا في التفسیر أو التأویل السائد
حینھا.
ما من أحد یثیره تجاوز تلك الحدود الحمراء التي صنعھا بنفسھ أكثر من المتدینّین، ویرجع ذلك إلى النرجسیة وحب الذات، فھو
كالطفل المدلل الذي لا یرغب أ ن ینقد في شيء فھم كمثل القائل: أضع معك عھدا یجعل كل غرم علیك وكل غنم لي، وأراعي
ھذا العھد ما راقني وتراعیھ ما راقني ، في حین أن المسلمین أنفسھم ینتقدون بعضھم نقدا ساخرا وغیر موضوعي؛ فالشیعي
یسخر من فتاوي السنّي كفتوى إرضاع الكبیر التي أطلقھا علماء الأزھر وجھاد النكاح الذي انتشرت في المنابر الإسلامیة بعد
الربیع العربي، ومن جھة أخرى فالسنّة یسخرون من الشیعي ومن فكرة العصمة والخمس والإمام المتخفي في السرداب والتطبیر
وزواج المتعة، بید أن ھذا النقد یراه المسلمون فیما بینھم، لذا لا یثیر غضبھم كما لو قام یھودي بالسخریة من تعالیم دینھم، وھنا
تكمن النرجسیات القاتلة
أولم یقل لله في القرآن (ولله یستھزئ بھم) أولیس القرآن مليء بالأوصاف التي تصف المسیحیین والیھود بالقردة والخنازیر
والأنعام والحمیر والكلاب، أوما قال لله على لسان محمد في القرآن أیضا (إنما أنا بشر مثلكم)، فإن كان النبي محمّد بشر
وشخصیة عامة، فھل یوجد في العالم الیوم شخصیة عامة لیست محل نقد أو سخریة أو تجریح، بالمقابل، ھل سیخسر المسلمون
شیئا لو كان النقد مجرد نقدٍ ساخر لا ھدف منھ إلا التقلیل والازدراء، وأما النقد الساخر فھو یصب في مصلحة المسلمین نظرا لانعدام بیئة نقدیة في فضاء الإسلام، فالفكرة كفیلة بالدفاع عن نفسھا، تستمد قوتھا من كثرة المنتمین لھا وطول صمودھا، ولھذا
فلا نرى من یتشنّج نظیر نقدٍ طال غاندي أو صلعتھ أو نظارتھ أو ملابسھ، كذلك ھو الحال عند ماركس مؤسس الماركسیة، فلا
یعقل أن یستاء الماركسیین إذا ما سخر أحدھم من لحیة ماركس، فھذا الجنون عینھ.
الحقیقة أن السیل الجارف من الغضب الذي نراه في العواصم الإسلامیة نتیجة رسمة ساخرة أو فیلم یسيء إلى الإسلام أو أحد
رموزه ما ھو إلاّ انفعال وغضب زائف، فالنكتة الدینیة ھي أكثر النكات رواجا واستجلابا للضحك، والتي تنتشر عادة بین الشباب
المسلمین، ولا نرى أي انفعالات ضد من قالھا، ولا نرى غضب من قبل المستمعین إلیھا، وھو ما یفسر زیف كل تلك الانفعالات،
وھو ما یؤكد أیضا أن تلك الشوارع الغاضبة والمخرّبة والمتوعّدة ما ھي إلاّ فرصة یستغلھا المتشددون لتوظیفھا في معركتھم
ضد الفكر
.
بسّام علي
