عودة إلى سؤال أخیر؛ ھل یحتاج الإنسان إلى تعالیم الدین لیكونَ ذو أخلاقٍ رفیعة؟ الإجابة على السؤال (بالإیجاب) تفرِضُ علینا
القول: أن العالم ما زال ملیئا بكل أنواع الجرائم التي لیست مرشحة للإنتھاء في ظل وجود 84 % من العالم متدینّین ، والأمر لا
یختلف كثیرا،ً فذھابنا للسجون وطرح الأسئلة للمساجین سیتضح أن النسبة الساحقة من المساجین مؤمنین. لا بد من وجود مشكلة
ما.
الأدیان بشكلٍ عام، وقیمھا الأخلاقیة بالتحدید، توشك على الإنقراض، لسببین رئیسیین، الأول كونھا غیر قابلة للتطور، والأمر
الآخر، التحدیات والبدائل التي تھدد وجودھا، ولنأخذ مفھوم الأنتخاب الطبیعي كمثال حي وعملیة البقاء للأصلح كفھوم سسیولوجي
ولیس بیولوجي، إذ نجد أن الأدیان الباقیة حتى الآن، ھي مارست نوعا من الأصطفاء الطبیعي، فالمسیحیةّ مثلا رفضت بعض
الممارسات التي كانت تمارسھا الوثیةّ في ما مضى كالأضاحي والقرابین؛ مما جعلھا مستمرّة إلى الآن لقبولھا من منتسبیھا، وھو
الأمر أیضا عند الإسلام حینما أنكر العبودیة التي مارستھا المسیحیّة والیھودیة، مما جعل فرصتھا للبقاء أكثر من غیرھا، ولنا
في الدیانات القدیمة عبرة في أنقراضھ ا
الدیانات تمارس ھذا النوع من الأصطفاء الطبیعي من خلال تبني بعض المفاھیم الجدیدة، فلو أنَّ الدیانتین المسیحیةّ والیھودیة لم
تتخطى مفاھیم العبودیة التي نظّمھا العھد القدیم والجدید، لكانت فرصتھا للبقاء أقل من الآن ولھذا فھي – المسیحیةّ – أكثر دیانة
متبّعة في العالم. وھو ما سیحدث لباقي الدیانات إذا ما رفضت التغییر وفقا لمقتضیات العصر الأمر الذي سیھدد بقاءھا كنتیجة
حتمیة.
وبما أنَّ المجتمعات تتطور، فمن البداھة أن تتغیر المعاییر الأخلاقیة من حین وآخر، فما كان مقبولا في ما مضى ومن وجود
النص؛ سیصبح مذموما في المستقبل، فالمجتمع كفیلٍ في مكافأة أي دینٍ ما عن طریق بقاءه أو أقصاءه من المجموعة بناءا على
الممارسات الدینیة التي یراھا المجتمع أنّھا لا تتناسب معھ، مع ضرورة الإلتفات إلى أمرٍ معیّن: وھو أن العنصریة التي غالبا ما
یمكن القول أنھا جاءت والیھودیة؛ ھي أمر مستحدث على الطبیعة ذاتھا، فما من كائنات تمارس العنصریّة غیر الإنسان الذي
أراد بطریقة ما أن ینصّف ویمیّز نفسھ عن غیره؛ مع أن الحقیقة أن البشر متطابقون في كلَّ شيء، الأسود والأبیض على حدٍّ
سواء، والسبب یمكن في كون الأدیان لا تقدّم نظاما مرنا یتغیرّ بشكلٍ تناسبي مع التطور الحضاري؛ بل أخذت قیم ا أخلاقیةّ
وأدعت أنھا تناسب كل الأزمة والأمكنة، بید أننّا لا یمكننا الجزم في كون أن یھودي تل أبیب في القرن الواحد والعشرین ھو
یھودي موسى في العھد القدیم سیما أن الوصایا العشر في ذاتھا تخالف كل ما یتمیزّ فیھ الیھود الیوم من تقدّم عمراني وتكنولوجي
وعلمي وفلكي، فدعونا لا ننسى أن الوصیة الثانیة تنھى عن إنشاء التماثیل والنحوتات والصور، علاوة على أنھا تنھى الیھود
من أخذ صورة فوتوغرافیة للسما ء.
11:2 ) من سفر الخروج سبب العنف الذي یمارسھ الیھود في العالم كلھ على من یعادي بني ملتّھم، حیث – ربما تفسّر الآیة ( 12
یذكر العھد القدیم واقعة تجعل من الیھود فخورین بأي عمل عدواني تجاه الغیر، إذ تنصَّ الآیة: ” وحدث في تلك الأیام لما كبر
موسى أنّھ خرج إلى أخوتھ لینظر في أثقالھم، فرأى رجلا مصریّا یضرب رجلا عبرانیّا من أخوتھ. فألتفت إلى ھنا وھناك ورأى
أن لیس أحد فقتل المصري وطمر ه في الرمل”. والأمر لا یختلف كثیرا في سبب العنصریةّ الیھودیة تجاه شعوب الأدیان الأخرى،
3:یذكر على لسان یھوه ” واضرب مصر بكل عجائبي التي أصنع فیھا وبعد ذلك یطلقكم” ) 18- فسفر التكوین في الآیات ( 22
ویختم بقولھ: “وتسلبون المصریین”. ثم دعونا لا ننسى أن العھد القدیم یذكر أیضا وقائع عدیدة في سفر الخروج تسرد فیھا وقوف
یھوه كالمحارب لبني اسرائیل من خلال قتل الإبن البكر للفرعون ومن خلال آیات الدمامل والبثور والبرد والنار والجراد ثم في
الأخیر المجزرة النھائیة وھي عبور الموت على أبواب أتباع یھوه بسلام وقتلھ للمصریین وأنتھى الأمر بعد الإبادة الجماعیة بأن
یذكر بأن الیھود سلبوا المصریین الأمتعة والذھب والثیاب ، ولا یمكن انكار أن تلك النصوص جعلت من تلك الممارسات أفعال
مقبولة طالما قام بھا یھوه بنفسھ لإنقاذ شعبھ؛ الأمر الذي یفسر الیوم قیام الیھود بنفس الممارسات والإنتھاكات للشعوب الأخرى.
كما أنَّ سفر التثنیة لا یخلو من الآیات التي تأمر الیھود بحرق تماثیل الشعوب الأخرى وطردھم وقتل كل من یزعم أنّھ نبي أو
أي أحد یتبّع إلھ غیر یھوه ، والرجم حتى الموت واحتلال بیت إیل وتخریب المدینة . بل أنَّ یھوه یظھر في العھد القدیم كإلھٍ
غاضب یأمرھم بأن لا یقطعوا عھدا مع سكان الأرض وھدم مذابحھم.
في الاخیر، یھمنا لفت الإنتباء إلى أمرٍ ھام أیضا،ً فالنص الیھودي قد أعتدى على حریّة الرأي والإعتقاد كما ھو مبیّن في سفر
العدد، وھو أیضا – السفر ذاتھ – من أمَرَ الناس برجم من یقوم بالعمل في یوم السبت ولا یحترم قدسیّتھ، والأمر الملفت للنظر؛
أن الیھود تخطّوا الوصیّة الرابعة التي تنھاھم عن العمل بیوم السبت؛ لدواعٍ أقتصادیّة بلا شك، وفي المقابل، فھم شددوا على تلك
التعالیم (الوقائع) الآنفة الذكر التي من شأنھا أن توسّع أستیطانھم واحتلالھم لأراض الغیر؛ بمبارك ة ربانیةّ كما یدّعون، والأمر
الأكثر إدھاشا أنھّم أیضا یستخدمون الآیات في العھد القدیم الیوم والتي تذكر معاناتھم واضطھادھم في ما مضى لتبریر كل فعلٍ
مستقبلي مشابھٍ تجاه الغیر. فمن السھل جدّا أن ترى یھودیّا یبكي على وقائع مرَّت علیھا عقود قدیمة لتبریر أفعالھ والخروج من
موقف الإدانة إلى موقف التعاطفٍ الدولي. فلا أحد یفھم كیف یحق للیھود الیوم مقاضاة الشعب الألماني على جریمة لم یرتبكھا
الجیل الحالي ولم تلطخ أیدیھم بدماء الیھود ولم تكن – الجریمة – حتىّ من نتاج مخیّلتھم، تماما كشعور المسلمین في الأقطار
الشیعیة بالذنب في دم الحسین. المقارنة لا یمكن انكارھا بلا شك.
بالأخیر، جرّب أن تقول لصدیقك أنني سأخرج من المنزل لقتل شخص ما، ولاحظ ردات فعلھ واستنكاره للموقف وتجریمھ
ووصفھ بأنھ عمل جنوني، في المقابل جرّب أن تضیف جملة: أنني أقوم بھذا لأنھ قام بشتم یسوع أو العذراء أو لأنھ مرتدٌ أو لأنھ
لم یحفظ قدسیّة یوم السبت؛ سترى بكل تأكید التغییر في الملامح والموقف؛ فمن موقف استنكار إلى موقف القبول والتبریر وربما
التشجیع. فوضع تلك الإستثناءات ومبدأ “الضرورات تبیح المحظورات” ھي ما یجعل كسر القیم الأخلاقیة مبررا ومفھوما،ً وإلاّ
فكیف نفسر قتل رجلٍ شتم شخصیة تاریخیة مقدسة أنتھت من الوجود ویصبح القتل عدالة مطلقة، بلا شك أنَّ أكثر الناس إلتزاما بالتعالیم الدینیة ھم أكثرھم تجاوزا للقیم الأخلاقیة السائدة الیوم، فالمؤمن تھّمھ الغایة بغض النظر على الوسیلة المیكافیلیة، فموقف
المؤمن تجاه أھداف دینھ ھو تماما كالوصف الذي وصفھ موتنسیكیو للطاغیة: أن تقطع الشجرة من أجل أن تقطف ثمارھا
.
