الإيمان والعقل

حينما يقولُ لك القرآن بأن موسى قد فلق البحر حقّاً أو أن إبراهيم وعيسى قد نجَيَا من موتٍ وشيك أو أنَّ نوح قد حدَثَ وأنقذ الجنس البشري بطريقة ما؛ فإنّك تسّلم بالأمر – كمؤمن – وكأنّك تستطيع أن تثبت ذلك علميّاً، ولكنك لن تستطيع، في المقابل؛ فلو أن الحديث النبوي أخبركَ بأنَّ موسى قد لطم ملك الموت وفقأ عينه أو أن آدم قد وهب داوود ستين عاماً في عمره، أو أن عيسى سيعود ويقتل الخنزير ويكسر الصليب فإنك تبقى ما بين مصدّق ومشكّك.

ففي الحالة الأولى، لا يتطلّب الأمر منك سوى التسليم، أن تؤمن أو لا تؤمن، فالإيمان في الحالة الأولى كالإيمان بالله وملائكته ورسله، وفي الحالة الثانية لن يضيرك لو لم تؤمن به. فالإيمان بقتل الخنزير أو كسر الصليب لا يتساوى كحكم الصلاة أو الزكاة، وأن أي محاولة لحشر آية: “وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوه” في تنفيذ الأحاديث لهو محاولة جائرة بحق المشرّع الأوحد، إذ لا يُمكن اسقاطها على العموم، فلا أحد يستطيع أن يقول أن الآية الأخيرة لا تملك سوى معنىً واحد نزلت من أجله ولا يمكن أن تمتدَّ إلى كل شيء، فالآية قصدت: الفيء والغنائم.

قبل أعوام، قال لي صديق: عمر بن الخطاب هو أكثر الصحابة فهماً للقرآن ومقاصد التشريع. وقد أدركت حقيقة ذلك في ما بعد، فمن يُعطّل حداً من حدود الله بجرأة وإنسانية واسعة في الفهم والتطبيق والتجاهل في حالات أخرى لهو رجلٌ أقل ما يقال عنه أنه رجل حكيم، فأحكام الميراث مثلاً، أو كتأويل واسع للآية: يحفظونه من أمر الله، أو كتعطيلٍ للآية: فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن، أو كآيات الرق والعبيد والجواري والتي غلب (الحس الإنساني) في تعطيلها على (الأمر التشريعي).

من شكّل هذا التديّن السائد الذي نعيشه الآن والذي غلب عليه التفسير الظاهري (السلفيّة) هو من جعل المسلمين اليوم يعايشون الإغتراب الإيماني، والجفاف الروحاني، فقضية الإيمان بالنص القرآني قضية أن تؤمن أو لا، وخير دليل على ذلك هو أنّك مهما ضاقت بك السبل في تصديق واقعة ذكرها القرآن وحاولت عقلنتها؛ فإنه في الأخير يسّلم بها قلبك ويطمئن لها.

تذكر الروايات الإسلامية قصّة عظيمة في هذا النوع من التسليم، ففي واقعة بدر سأل ابن اسحاق الرسول: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا في أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فأجاب الرسول: بل هو الحرب والمكيدة، فقال ابن اسحاق: فأنهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال الرسول: لقد أشرت بالرأي.

الواقعة تثبت إدراكاً لماهيّة محمّد وموقعه في الإسلام، فالصحابة يدركون بأن ما محمّدٍ إلا رسول يبلّغ الرسالة، والرسالة هي الوحي القرآني، وهم يدركون أنَّ ما دون ذلك ليس سوى محمّد القائد والزوج والقاضي والبائع والرجل، فهو يخطئ ويصيب، مصداقاً للآية القرآنية : قل إنّما أنا بشر مثلكم. ولهذا فقد استأذن ابن اسحق الرسول في أن يوضح له ما إذا كان هذا رأي الله أو رأيه، وحينما أقر الرسول بأن ذلك رأيه، اشار عليه بأنه ليس على صواب فتجاوزه.

فالتصديق والإيمان لا يمكن إسقاطه على العقل في النص القرآني، إذ لا يمكن مساءلة القرآن ووضعه على كرسي التحقيق العلمي، فما من أحد يملك دليلاً على إيمانه سوى أن يؤمن بما يشاء ويطمئن إليه قلبه، أمّا ما دون ذلك؛ فقد سائل الصحابة النبي في فترة النبوّة والوحي والروح الأمين والمعجزات.

يحاول البعض أن يستغلَّ بعض الأحاديث النبويّة دونما تفريق بأن بعضها قيلَ لا ليكون حكماً وإنّما فتوى تقضي واقعة ما في زمن الرسول قد عرضت عليه، اليوم تتكاثر هذه الفئة لتتجاوز مقاصد التشريع والغاية من الأحاديث النبويّة والتي خرجت من إطارها الإنساني المحض لتصبح وبالاً على الإنسانية والدين، فالإفتاء في جوهره نوعاً من التألّه، أي أن المفتي يحاول أن يوهمنا بأنّه يعلم مزاج الله ويعلم ما يرضيه وما يغضبه وأنّه وحده دون غيره متصلٍ بشكل مباشر مع ربّه يعلمُهُ بأن ثلاجة في نهار رمضان يجب أن تغلق في وجه إنسانٍ ضعيف ينتّشُلُ قمامة أقرانه ولا ينتمي إلى دينه، احتراماً لطقوس رمضان واستبداداً في الإنسان. ثم أوجز عُمر: أمشناة كمشناة أهل الكتاب.

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started