أعلم أنك حجر

لقد حاولتُ جاهداً أن أبيّن عدم صحّة تحليلِ أفعال النبي والسير عليها، في ما يتعلّق بحربهِ على العدو [المشركين ] في الاسلام الدَعَوي، بيد أنّني ربما لم أوضح الفكرة كما يجب في الصفحة (31 – 32).

لنقف على الحياد ونتذكّرُ ما قاله عتبة بن ربيعة، لقد قال لمحمّد: “وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومهِ ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفّهت الأحلام، وشتمت الآلهة”. وبنظرة موضوعية نرى أنَّ محمّد قد فعل ذلك حقّاً، فقد شتم الأقدمين، كالوليد بن المغيرة، وعابَ دينهم، وسفّه بأحلامهم وشتم آلهتهم. ثم ما لبث بعد سنينٍ حتّى دخل الجمعُ في الاسلام يوم فتح مكّة، حين كان ما كان من المسلمين من قوّة وغلبة، فما كان من سادات قريش إلّا أن يؤمنوا به: اقتناعاً أو خنوعاً واستسلام، كما يُذكَرُ في مقولتهِ الشهيرة: أذهبوا فأنتم الطلقاء.

ولهذا فما زلّت أصرُّ على قولي بأن للأنبياء فلسفة خاصةّ لا يجوز القياس عليها، والخوض فيها بعين التحليل والتقييم والمعايير الاخلاقية، فالنبوّة في عمومِها، تسليمٌ خارجَ نطاقِ العقل. وإن كان قد سلّمَ المؤمنون بنبوّةِ محمّد، فعليهم قبولُ ما فعله النبي بغية اتباع ما أمرهم الله به. فسلوك كالحروب والغزوات والسبي والغنائم آنيّة أمَرَ بها النبي، وحينما أُمِرَ أن يَعفو فعل. فالمتتبّع لسيرة النبي، سيرى أن ما فعله النبي حينها كان في سبيل الدَعوة، وحينما قُضي الأمر وتغيّر الحال، أمَّنَ على سهيل بن عمرو وأعفى، وهو من أشدِّ الألسنة عداءً عليه حينها، وأرسَلَ لصفوان بن أميّة عمامتهُ ليطمئِنَ قلبه ويعودَ لداره بعد أن هرب خوفاً من قتل المسلمين له، لكَ أن تتخيّل ماذا يعني أن يقوم نبي ما بارسال عمامتهِ لمشركٍ قاتلهُ في عدّة غزوات وها هو يصفحُ عنه ويرسِلُ له عمامته دليلاً على صفحِهِ له، وقد فعل محمّد ذلك مع عكرمة وهند وأبو سفيان ووحشي وعدد آخر، كدلالة واضحة بأنه قد رأى الآن ضرورة أن يُعيدَ شملَ قومهِ.

فالنبوّة حينما تقوم بتحليلها مستخدماً معاييراً أخلاقيّة معاصرة، ستجدها قمّة في القسوة، ولكن لو وقفنا عند ما قاله عمرٌ في الحجر الأسود مستنداً إلى ما قام به النبي في تقبيله للحجر الأسود: “إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّلك ما قبّلتك”، وما قاله علي في مسح القدم: “لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه”، لتبيّن بشكلٍ جليء بأن النبوّة ما فهِمَها أصحاب محمّد بالعقل… ثم تمَّ خطفُ النبوّة حينما شاركَ المسلمين أفعالاً مقصورة على النبي وحده ومستثناةٌ له بحكم نبوّته.

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started