الإرهاب ونشأة الدولة

حرياً بنا أن نطرحَ سؤالاً قد ملّتهُ آذانُنا ومآذنِنا وديدننا ؛ ألا وهو كيف نقضي على الإرهاب ؟ فهو أول سؤالٍ قد يتبادرُ في ذهن من رأى جثة هامدة ، بيد أن السؤال الذي وجَبَ طرحهُ لمعالجة المشكلة وقبل انتشال جثة الضحية هو ؛ “ما الإرهاب؟”

فعندما تُمارسُ استبداداً في فكرة فذاكَ نوعاً من الإرهاب ، وعندما تستبدُ هويتك على عاملٍ أسيوي في الطريق فذاكَ ارهاباً أيضاً ، إذن فجميعُ من في الأرضِ إرهابي إذا لم نجدَ تعريفاً محدداً للإرهاب ، فلا ريب أن الإرهاب ليس نتاجاً لانحراف عقائدي وحسب بل هو نتيجة لتراكمات نفسية أو أيدلوجية تشكّلت بعدَ فترةٍ ليست بالقريبة لتصبح على الشكل المتطرف التي يبدو عليهِ الإرهابُ اليوم.

ويَرى أفلاطون باعتبار العنف والحرب انحرافاً في نظام الوجود الذي يقوم على قيمةِ الخير في مستوياتهِ الثلاثة المرتبطة وهي الكونُ والفردُ والمدينة ويرى باعتبار العدالة الركيزة الأسمى من الدولة ، وهي الشكلُ المتزن والمنسجم مع نظام الوجود ، ولكن ضرورة الإشارة إلى أنَّ بناءَ الدولِ قد يستدعي تشابُكاً شرساً بين السياسية والدبلوماسية من جهة وبين العُنفِ والخير من جهة أخرى ، وقد أكَّدَ عبدالله السيد ولد أباه في مقالةٍ لهُ بعنوان ” الإرهاب والمشروعية الأخلاقية بعد أحداث 11 سبتمبر” على أنَّ المعيارَ الأساس في بناء الدولةِ ليسَ القوانين وإنّما الحكم الذي هو أساسُ القوانين ، فالحكمُ هو نظام المَدينة وصورتُها ، وهو صيغة الحَياة المشتركة وبطبيعةِ الحال ، فإن قيام الدولة يستدعي مع قيامها التسليح ورسمُ الحُدود وحمايتها والانضمام في الاتفاقيات الدولية المنظمة لمسار وشكلِ الدولة وضمانِ مرتكزاتها ومقوماتها وحِماية أمنها القومي ومصادر دخلها ، ومن هُنا كانَ للدولةِ أن تأخذَ بجديةٍ كلَّ التصعيدات والتهديدات الداخلية والخارجية على محمَلِ الجد ، وبالتحديد بعدَ أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي هزّت العالم برمتهِ وإعادة رسمَ الخريطة الدولية وترتيب الأولويات ودخول مفاهيمٍ جديدة في السياسة والإعلام ، وكان “الإرهاب” يحتلُ الصدارة دائماً.

فمن أينَ استمدتِ الحربُ على الإرهاب مشروعيتها وانسجامها مع النظام القيمي للمدنية؟ فالحربُ بالنسبة لهيرقليطس أساسُ الوجودِ ومقومهِ ، من حيثُ هو صيرورة وتحولٌ ونزاعٌ بين الأضداد ، وهي بالنسبةِ لأفلاطون مرضٌ مدني من أمراضِ المدينةِ غير المؤسسةِ على نظامِ العقل ، وهي بالنسبةِ لأرسطو نمطٌ من الصيد يمارسهُ الحكام.

وبالرغم من أن مفهوم “السلم” مفهومٌ مركزي في اللاهوت المسيحي ، فهو من أسماء الرب ، كما هو المعيارُ القومي في السلوك الفردي والجماعي ، وأن رسالة المسيح هي رسالةُ سلام ، فهوَ الملّخصُ الذي خلّصَ أتباعهُ من الآثام والخطايا ، (حسب المفهوم المسيحي) وهو قمةُ في التجلي والعشقِ الإلهي بأن حَمِلَ أوزارهم وقبِلَ خطاياهم ورفَعَها وتألّمَ من أجلهم ليغفرَ لهُم ، إلّا أن ذلكَ كلّهُ يتعارضُ تعارُضاً صارخاً مع واقع التبشير المسيحي ، فرسالة المسيح لم تتحقق إلّا بالسيف والحرب ، فقد كانت الحربُ حاجة ماسة وظاهرة عادية ومطلوبة من أجلِ إقامة مملكةِ الرب ، لذا ظهرَ مفهومٌ جديد في القرن العشرين في اللاهوت المسيحي بما يُسمى الحربُ العادلة ، وقد ظهرَ هذا المفهوم بالتعاون بين الباباوات والكنيسة من جهة وبين رجال الدولة والمفكرين من جهة أخرى ، وأصبحَ للحرب غطاءاً يكتسيهِ منظوراً جديداً في كونِ الحرب في ذاتها ليست سُلوكاً عدوانياً مُداناً في كل حين ، وإنما قد تكونُ حاجة ملحة لإقامة العدل وقيم المساواة ونشأة المجتمع.

ومن هنا يتّضحُ التضارب بين تقليدين مسيحيين متمايزين، فالتقليد الأخلاقي السلمي والتقليد الحربي الدفاعي، اللذين أفضيا إلى مفهوم “الحرب العادلة”، كما بلورتهُ أعمال القديس أغسطين وتوماس الأكويني ، فبالنسبة لنظرية “الحرب العادلة” في التقليد اللاهوتي الوسيط، لا معنى للسلم الحقيقي دونَ الاستنادِ للعدالة، فهذا النمط من السلم هو وحدهُ الذي يُمكنُ اعتبارهُ خيرًا أسمى ، ويعرف القديس أوغسطين السلم العادل بأنه “استقرار النظام”، ومن ثم فإن الحربَ مبررةٌ بل واجبة لمعالجة الاختلالات المتولدة عن الظلم والفوضى ، وتتمحور شروط الحروب العادلة في التقليد المسيحي الوسيط حولَ معياري مشروعية قرار الحرب وضوابط إدارتها، وحسب توماس الأكويني، لا تكونُ الحرب عادلة إلا إذا توفرت فيها شروط أربعة هي:

(1) أن تكون القضية عادلة، أما للدفاع ضد هجوم غير مبرر، أو لمعاقبة شرّ ما، أو استرداد شيء افتك بالقوة.

(2) أن تعلن الحرب وتدار من سلطة شرعية مؤهلة.

(3) أن تكون الملجأ الأخير، بعد استنفاد الحلول السلمية.

(4) أن تكون الوسائل المستخدمة متكافئة مع الأضرار التي تواجهها، بحيث لا تؤدي إلى ما هو أسوأ منها.

فالحربُ من هذه المنظور هي دومًا استثناء وحالة مؤقتة، تبررها مقتضيات العدل التي هي مقومات السلم الحقيقي. يقول القديس أوغسطيس موضحًا ذلك: “أن السلطة الربانية هي ذاتها التي وضعت بعض الاستثناءات من تحريم قتل الإنسان. ففي بعض الأحيان يفرض الرب القتل ليس بصفته قانونًا عامًا، وإنما هو حكم موقت وخاص” ويوضح توماس الأكويني الفكرة ذاتها بقوله “إن الإنسان لا يعرض حياته للخطر إلا لأجل العدالة؛ فالقوي لا يكون بمعنى ما جديرًا بالإعجاب إلا من حيث هو عادل”

بيدَ أن هذا التصوّر اللاهوتي للحرب وإن استندَ لمقاييس قيمية مطلقة، وحصرَ العنف المشروع في الدفاع عن النفس ومواجهة الظلم ، إلا أَنَّهُ شكّلَ غطاءاً إيديولوجيا لسياسة الهيمنة الإمبراطورية في العهد الروماني المسيحي ، ويستخدم حاليًا في الغاية ذاتها لتبرير وتسويغ المشروع الإمبراطوري الأمريكي الذي دمرَّ العالم الثالث تحتَ شماعة الإرهاب والقضاء عليهِ ، ويتبنى كانط موقفًا مزدوجًا من الحرب، فهي من جهة أكبر خيرٍ أعطتهُ الطبيعة للبشرية، بما تؤدي إليهِ من انفتاح وتواصل بين الأفراد والأمم، كما إنها الوسيلة التي يعبر بها شعب من الشعوب عن حقهِ وحريتهِ في الوجودِ من خلال التصادم بالآخر، بما يفضي إلى توازن قوي يضمنُ السلم ويصون التعددية ، لكنها في الآن نفسه هي أكبرُ شرٍ في الوجود، إذ تحول البشر إلى أدوات هدم وتدمير لبضعهم البعض، ولذا يتعين على العقل العمل على أن يقضي عليها قضاء نهائيًا مبرمًا.

فالحربُ إذن عملياً تجسيد أعلى للحرية ولإرادة الذات في التحقق، بيد أنها لا تكتسي مشروعيتها إلا إذا كانت دفاعية. فحالة الحرية ليست الحرب (العملية العينية) ولا السلم (المائع الأعزل)، وَإِنَّمَا هي سلم مسلح ، فبالنسبة لهيغل تؤدي الحرب دورًا محوريًا في بناء الدولة وتشكلها بصفتها كيانًا روحيًا ينعقد له الولاء، فهي المسؤولة عن بناء وتكون الوعي الإنساني. فعبر إرادة الموت، تتحول الحياة الفردية، المتناهية إلى حياة روحية مطلقة ، ولعل هذا المنظور الهيجلي هو من جعل العالم المتمدن يقومُ بتقنين القوانين وعملِ التدابير ؛ ولكن ومع كلّ هذا ؛ فإن الحرب العادلة لن تكونَ عادلة ، فهي في الأخير لخيرِ دليلٍ على فشلِ المنظومة الإنسانية في تعمير الأرض ونشرِ المحبةِ والسلام ، فقد كُتِبَ على من قلبنا القتالُ يوماً وهو كرهاً لهم ، فهل سيكتبُ لنا السلام وهو رضاً لنا؟

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started