الأخلاق بين التشريع الإلهي والإنساني – الجزء الثالث

بالعودة إلى سؤال أزلي، لن ینتھي خلاصھ باستفاضة الحدیث عنھ؛ ھل الإنسان بطبعھِ شریر، میالٌ للأذیة والفوضى ووحدھا
الأعراف الاجتماعیة والإرث اللغوي من [حرام، عیب، خطأ، لا یجوز، عار] من تقوم بترویضھ وتقلیم أظافره وأنیابھ لیكون
خیّرا؟ً ھل اسھمت الأدبیات الدینیة في جعل الإنسان منحطا في بنُیتھِ الفكریة تجاه القضایا الوجودیة؟
إن فكرة لله والأنبیاء ما ھو إلا نتاج خلقھ مخیلة الإنسان رغبة منھ إلى سن قوانین ذات ، anthropologists یرى الإنسانیو ن
غطاء دیني مقدّس، لا یمكن خرقھا، ولھذا ظھرت الأدیان لیس كنتاج ونزعة ورغبة روحیة وإنما حاجة ماسة للتنظیم الاجتماعي
والسیاسي والاقتصادي لاحقا،ً وخیر مثالٍ على ذلك ھي تلك الممارسات التي أقبلت علیھا الكنیسة في القرن الخامس عشر عند
بیعھا لصكوك غفران حتى للمتوفین؛ لیس خلاصا ربانیاّ بل حاجة اقتصادیة للإبقاء على نفوذ الكنیسة إداریا ومالیاً واقتصادیا.
من جانب آخر، فإن نظرة المؤمنین لا تختلف عن الإنسانیین اللادینیین للقیم الأخلاقیة المنسوبة أو المشتقة من الدین، فالمؤمن
یرى أن البشر عاشوا في خراب وفوضى إلى أن أتت الأدیان، وحرمت ما أحِلَّ في ما مضى، وأحلتَّ ما حُرّمَ، وأنشأت تولیفة
بین مكارم الأخلاق والقیم والتعالیم الدینیة كوصایةٍ ورعایةٍ إلھیة من خلال التشجیع أو التأكید علیھا.
جنون المؤمنین خلق من الإنسان شخصیة فصامیة حادة، أحاطت نفسھا حول مصطلحین دینیین وھما الترھیب والترغیب. لقد
خلق لله الجنّة كما أدعّت الأدیان، وتباینت أوصافھا في الیھودیة والمسیحیة والإسلام، وتختلف في المستوى الروحي والمادي
بین دین إلى آخر، وھي – الجنة – من جعلت المؤمنین مجانین یعانون من فصامٍ حاد واضطراب جنون الارتیاب. الأمر الذي
جعل من الیھودي یحكر الجنّة لھ فقط دون سائر المؤمنین، وجعلت من المسیحي یستحقر كل الممارسات البیولوجیة كالجنس
والشراب والأكل رغبة منھ في القیام بھا في الجنّة حیث الخلاص، وأخیرا التي جعلت من المسلمین في شتىّ بقاع العالم مھووسین
بفكرة حور العین الأمر الذي غیّر من حقیقة القیم العربیّة الأولى في شبة الجزیرة العربیة وأختزلھا في مفھوم الجنس والعار
والشرف فقط ناكرا ومتناسیاّ باقي القیم والأخلاقیا ت.
الجنةّ على امتداد التجلیات الدینیة والشرائع، وبأشكالھا الممتدة من الیھودیة حتى الإسلام، رآھا لله أنسب لتحاك بطریقة عصریةّ
في ذلك الزمان، فجنةّ الیھود في الأدبیات مختلفة عن جنةّ المسیحیین وع ن جنّة المسلمین، شكلا وموضوعا،ً مع تشابھٍ في الجوھر
فقط، وتلك المكافأة النھائیة للاختبار جعلت من المؤمنین ونتیجة للھوس في التفكیر بھا مھووسین بطرائق سردھا وتخیّلھا ورسمھا،
الأمر الذي خلق شخصیة فصامیة لا تملك غالبا معاییر متزّنةٍ واضحة، لقد حدث كل ھذا نتیجة لترك المؤمنین في شتى الدیانات
لمعاییر الحیاة في الدنیا وشروطھا وامتیازاتھا والغایة الحقیقیة منھا، ولجوؤھم إلى الإسھاب في سرد الجائزة الأخرویة بشكل
مسرف؛ مما جعل العدید منھم یفضلون المكافأة الأخیرة ویستحقرون ملذات الحیاة التي وھبھا لله لھم وجعلھم خلفاء لبنائھا
وتعمیرھا والاستمتاع المشروط بھا، ولھذا فقد صاغ المؤمنین تفاسیرا جعلت من المؤلفة عقولھم وقلوبھم یستحقرون الحیاة بما
فیھا والھوس بالجنّة التي رسمتھا خیالاتھم الجامحة والمتعطشة نتیجة الحرمان من عطایا الحیاة الأرضیة، وقد خلق ھذا الھوس
شخصیة مھترئة ومتناقضة وذات معاییر مزدوجة نتیجة للخلط بین أھداف الحیاة الأولى وشروطھا وامتیازاتھا بالحیاة الأخرى
مجھولة المعالم والشروط وإن أدركت الغایة منھا.
ولأنھ ما من تابو مقدّس أكثر من الجنس عند العرب قدیما، حتى وإن كانت مفاھیم العار والعیب مستحدثة، فالنساء والجواري
والخلیلات مصطلحات متزامنة مع الرجل الشرقي یعبران عن الشرف والعظمة والأبھة أو العار والخیبة والعبودیة، ولھذا كان
لفكرة حور العین الشغل الشاغل عند الكثیر من المؤمنین، حتى وصل الأمر إلى أنتاج أدبیات طویلة تھدف إلى وصفٍ دقیق لھنَّ
مقتبس من مخیّلة الكاتب الجامحة فقط لافتقار الكتب المقدّسة لتلك الأوصاف، رغبة منھ في تقدیم فنِّ ترغیب بإیحاءات جنسیّة
فقط، وبالرغم من انعدام وجود من یستطیع الجزم بما یقصده الإنجیل والقرآن من تلك المصطلحات، إي ھل ھي حقا كما تم
تفسیرھا أو شيء آخر. في كلا الحالتین ألفت نظر القارئ أنني لا أھدف إلى أنكارھا أو التأكید علیھا، وإنمّا إلى تحلیل نتاج
الھوس بھا وأثاره على المرء بالدرجة الأولى وعلى المؤمن بالدرجة الثانیة وعلى المجتمع بالأخیر.
في الإنجیل، یوجدُ نصٌّ عاما مفاده الإیثار في تقدیم العون حیث یذكر مرقس على لسان یسوع ” الحق أقول لكم، ما م ن أحد یترك
لأجلي ولأجل الإنجیل بیتا أو إخوة أو أخوات أو أما أو أبا أو أولادا أو حقولا؛ً إلاّ وینال مئة ضعف الآن في ھذا الزمان وفي
الزمان الآتي الحیاة الأبدیة ” كما یذكر أیضا ” فكل من ترك امرأة یأخذ مئة ضعف ویرث الحیاة الأبدیّة” ، وتلك نصوص حدث
وأن فسرھا الفقھاء على أنھا مكافأة أخرویة وتجاھلوا كونھا دعوة في الإیثار من أجل رسالة الرب، لذا فقد تشاركت المسیحیة
والإسلام مفھوم حور العین كمكافأة للمؤمنین، الأمر الذي جعل من الأدیان في سبیل الخروج من أزمة ترك الرغبة الجنسیة
الملحّة والضروریة طاعة للرب إلى أمّا تنظیم العلاقة الجنسیة أو تحریمھا أو تحقیر الارتباط بالأنثى في الحیاة الأولى أو تشریع
زیجات غریبة تحت مفاھیم وسلوكیات جدیدة، ابتداءا من مفھوم الضرورات تبیح المحظورات والتي یعد أحد أخطر المبادئ
الإسلامیة على الإطلاق لكونھ ثغرة تجعل كل من تسوّل لھ نفسھ في القیام بإثم أو ذنب الالتجاء إلى ھذا القول، ومنھ ظھرت
أیضا مفاھیم الزیجات المستحدثة كزواج المسیار والعرفي والمتعة والجھاد الجنسي، ولا یختلف الأمر كثیرا عند المسیحیین في
استھجانھم وھوسھم الجنسي الذي نتج عنھ تحریما قاطعا لرجال الدین والراھبات من الرباط المق دس والعلاقة الجنسیة تحت
مفھوم الزواج، وھوسا أخرویّا في زواج الباباوات من الحوریات والراھبات من المسیح ذاتھ كنتیجة وأثرا نفسیّا بالغا وابتذالاً
عقائدیاّ وإیمانی ا.ً
وأمّا من الناحیة الاجتماعیة فیكفي أن نتذكر عدد حالات وقضایا التحرش الجنسي الذي رافقت الكنیسة لأعوام عدیدة. والمشھد
لا یختلف كثیرا في الضفة الأخرى عند المسلمین، فالھوس الجنسي المقتبس من الجنّة جعلھم یتجاھلون كل القیم الأخلاقیة التي
یتمتعون بھا والتي استدل بھا النبي محمد والقرآن فیھم، وحصر الأخلاق في كمیة القماش الموجود على جسد المرأة، مما ج عل
من الزیجات الغریبة نتائجا سلبیة على الترابط الأسري والاجتماعي، ولھذا فلا حقوق لأبناء الزنى أو زواج المتعة أو المسیار
نتیجة لما تجلبھ ھذ النوع من العلاقات من نتائج وخیمة تتعلق بالشرف والعار، فغالبا الأطفال نتیجة ھذا النوع من العلاقات لا
حقوق لھم علاوة على كون صفة ابن الزنى تلاحقھم طوال العمر واستحقار المجتمعات لھم كنتیجة مسلم بھا في المجتمعات
الشرقیة على غرار المجتمعات الغربیة التي لم تجعل المعاییر الأخلاقیة معاییر تتعلق بالجنس بالدرجة الأولى، ولھذا فالطفل
نتیجة لعلاقة جنسیة بین الأم والأب غیر المتزوجین یعیش وینتج ولھ من حقوق ما لغیره والأھم من كل ھذا؛ لا یستطیع الأب
انكار الأبوّة
.
الإنسان بشكل عامٍ، لیس نتاجا لفلسفتھ وأفكاره ومعتقداتھ الدینیةّ وحسب، بل أن تركیبتھ نتاج ظروف عدیدة خاصة ومجتمعیة
وأسریّة، أي أن المعتقد الدیني الذي ینتمي إلیھ لیس العامل الوحید المسؤول عن سلوكیّاتھ؛ وخیر دلیلٍ على ذلك ھو أننا نرى
مؤمنین في قمة الھرم الأخلاقي وفي المقابل نرى مؤمنین في شتى الأدیان والطوائف مجرمین، إذن فالدین لیس أكثر من عامل
بالإضافة إلى العوامل الآنفة الذكر والتي تسھم في خلق تركیبة الإنسان، ولذا ما من دین ما ل و اعتنقتھ سیجعلك خلوقا ولو تركتھ
سیجعلك قاتل متسلسل.
یمكننا تصنیف القیم الدینیة في جمیع الدیانات على أنھا “تعالیم” دینیة، فالأخلاق بمفھومھا المیتافیزیقي المحض ھي ما یمكن
فھمھ من مرجعھا الأوحد، وھي روح الإنسان، أما الأخلاق الدینیة فلھا مئات المراجع التي لا یمكن الاستناد علیھا، فكون شرب
الخمر عمل لا ینافي للأخلاق عند المسیحي فھو أثم عظیم عند المسلمین، وكون الطلاق حلال عند المسلمین فھو أمر غیر مباح
في المسیحیّة وھذا الأمر لا یقتصر على الدیانات وحسب، بل یمكن النظر إلى الطوائف في الدیانة ذاتھا؛ فالمسلم السنّي مثلا یرفض زواج المتعة على عكس المسلم الشیعي، وبھذا فإن المحصلة ھي معضلة حقیقیة في معرفة المرجعیة الحقیقیة للمؤمنین،
فمئات الدیانات لا تتشابھ حتى في الجوھر في كثیر من الأحیا ن
أستند في وصفي للأخلاق الدینیة على أنھا لیست سوى تعالیم دینیة، إلى أمر آخر، وھي الإرادة الحرة، فالأخلاق الدینیة تفتقر
إلى الإرادة الحرة، فھي تقوم على الطاعة العمیاء والخضوع الكامل لتلك الأوامر الإلھیة وانعدام أمكانیّة نقدھا او تحلیلھا، مما
یجعلھا مخالفة للأخلاق اللادینیة المجردة التي تخرج على شكل سلوكیات وقیم انسانیة بحتھ لم یحركھا أمرٌ إلھي أو كان خلفھا
طاعة كلیةّ، فطاعتنا للوالدین في القیام بفعل ما، لیست بالضرورة فعلٍ نابع من دواخلنا، أي رغبة منا في تنفیذه أكثر من رغبة
منا في تنفیذ ما یرغبون ھم في تنفیذه لوجود تلك العلاقة غیر المتكافئة بین الطرفین والتي عادة ما تكون علاقة طاعة واحترام
مقابل عطف ووقار.
الأخلاق الدینیة لیست سوى تعالیم وإرشادات دینیة لكونھا لیست سامیة، بل أن وراء القیام بھا أمّا مكافئة وأجر أو في المقابل
عقاب ونار، ولھذا فما یحفزّ المؤمنین على القیام بسلوكیات أخلاقیة رفیعة ھي رغبة منھم في شفاعة یسوع وحبھ وصحبتھ
مصداقا لقولھ ” أنتم أحبائي إذا فعلتم ما أوصیكم بھ ” ویمكننا الاستدلال على ذلك أیضا من خلال القصة القرآنیة التي حدثت بین
الخضر وموسى فالقرآن یقول على لسان الخضر ” قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء” بید أنَّ موسى لم یستطع السكوت
وحسب، فأخلاقھ الإنسانیة المجردة كانت ما یجعلھ یتساءل ویتذّمر ویتعجب في أفعال الخضر، فعلى الرغم من تعھده بأن لا
یسائل الخضر عن أفعالھ، إلاّ أنّھ ببساطة لم ینجح الخضر في أن یملي على إنسانیّتھ ویجعلھ ساكت على تحلیل تلك الأفعال
وتجریمھا، وھذا برأیي ما أراد منّا لله أن نتعلمھ من تلك القصّة، وھي تحلیل السلوك الإنساني وعدم السكوت عن الخطأ متى ما
تبیّن لك، امتثالا للمذھب السقراطي القائم على التخلص من الفرضیات الموجودة عن طریق إظھار تناقضاتھا، ثم ایجاد بدیل آخر
جدید.
یتضح جلیاّ أن المبادئ الأخلاقیة العامة والتي یشترك كل البشر في أدانتھا المؤمنین وغیر المؤمنون كالقتل والسرقة والاغتصاب؛
تقع في معضلة كبیرة كمبدأ عند المؤمنین بشكل خاص عند وقوعھا، فالمؤمن لا یھمھ المبدأ بقدر ما یھمھ من قام بھ وعلى أي
أسس استند عند القیام بھ، لذا ففي كثیر من الأحیان نرى بعض المتحمسین لدینھم یدعون الأخلاقیات تارة، ومن جانب آخ ر فھم
یبررون القیام بجریمة ما؛ وھو ما یجعل المؤمن عبدا للنص ولیس للمبدأ، فالقتل محرما كمبدأ عام، ولكنھ مبرر متى ما قام بھ
مؤمن لخدمھ دینھ، وھو ما یؤكد أن الأخلاق لیست ثابتة ولا تقوم على مبادئ واضحة عند أغلبیة المؤمنین. وھو كما أشرنا
سابقا؛ً ما جعل بوش یقتل أكثر من خمسة ملایین شخص تحت مباركة الكنیسة وبناءا على نصوص دینیة أقتبسھا من الإنجیل
لتحاكي الواقع الألیم الذي عاشھ الأمریكیون في الحادي عشر من سبتمبر والتي جعلت من الغزو والقتل وشتى أنواع التعذیب في
أبو غریب مباركا ومستساغا ومقبولا بید أنَّ كل ما ذكر جرائم یندى لھا جبین الإنسانیةّ مھما كانت أسبابھا، وھو ما یعود بنا إلى
طرح السؤال ذاتھ: ھل اسھمت الأدبیات الدینیة في جعل الإنسان منحطا في بنُیتھِ الفكریة تجاه القضایا الوجودیة؟
لنأخذ الدین الإسلامي، كتجربة تحلیلیةّ، ولنختر أكثر شھوره رحمة وتسامحا وخلقا؛ً رمضان، ھل نجح رمضان في فرض معاییر
أخلاقیة عُلیا كاسرا بھا النص النمطي كخروج عن النص وعودة إلى الفطرة الإنسانیّة؟ لنرى.
یعتقد المسلمون بأن رمضان ھو شھرٌ تتحد فیھ قلوب المسلمین في شتى بقاع الأرض وھو رحمة للناس كافة، بید أنّھم یؤكدون
في الوقت ذاتھ أنھ وفقط في رمضان یتضاعف الأجر وبھذا ھم یحسنون ویتصدقون مستغلین ھذا العرض بتوجھٍ براجماتي بحت،
أو تجارة كما یقرُّ القرآن ذاتھ، وفي الأخیر؛ فإن كل تلك الممارسات لا تسھم في إنھاء الفقر أو مساعدة المساكین؛ وخیر دلیلٍ
على ذلك ھو بقاء الفقیر فقیر في رمضان وبعده، علاوة على كونھا تجارة ربحیة، من جانب آخر، فھم یدّعون أن رمضان شھر
تھذیب النفوس؛ بید أننا لا نرى أن باستطاعة ھذا الشھر كسر الحاجة البیولوجیة وتھذیب النفس والھیاج المجتمعي في نھار
رمضان في الأسواق والشوارع نتیجة الصیام. ویعتقد المسلمون أیضا أن شھر رمضان ھو شھر یتم فیھ تصفید الشیاطین، ویمكننا
القول أن الشیطان ھنا ھو عمل الشر، بعیدا عن المفاھیم المثیولوجیة والتي لا تصلح لتحلیلھا، أي أن وظیفة الشیطان حث المرء
على ارتكاب الشرور، بید أن الشر لا یقل في رمضان مع انعدام المسؤول الأول عنھ، مما یؤكد أنَّ الشر والخیر ثنائیا ن لا یمكن
ربطھما بأمرٍ مقدس لإحكامھما أو تنظیمھا. وتلك المقارنة لیست عادلة من وجھة نظر المعارض، أي أنھ عند طرح توجھٍ ما
والقیام بنقده، لا یتوجب علینا أن نختار أفضل ما فیھ، أو ننتقي أنسب حالاتھ، بل تختار بشكلٍ عشوائي وحسب؛ بید أنني ولإیضاح
الفكرة ولجدلیة الأمر أخترت أفضل الشھور الإسلامیة والتي ینسب لھا العدید من القیم الأخلاقیة الفاضلة رغم كون ذلك الانتقاء
لیس موضوعیّا؛ً إلاّ أنني وددت من خلال انتقائي لھذا الشھر أن أنھي الجدل الذي یثیره الكثیرون تجاه الانتقادات الموجھةِ تجاه
معتقداتھم أو توجھاتھم وحتى لا یصح القول: الصید في الماء العك ر
.
سؤال وجودي آخر، إن كان الدین – بقیمھِ وتعالیمھ – ھو العامل الوحید في تماسك المجتمعات وبقاء نسیجھا الاجتماعي من غیر
ثقوب؛ فلماذا لا نرى ببساطة المجتمعات العلمانیة تنھار وھي التي لا تشیر في دساتیرھا أو مدارسھا أو مؤسساتھا إلى أي كلمة
أو المسیح أو العذراء أو الملكوت أو الفردوس أو الجحیم، ولا مكان فیھا لحكم ثیوقراطي كنسي، وعلى الرغم من 􀍿 لاھوتیة كا
كل ھذا الافتقار الدیني؛ لا نرى تفشي الجرائم، بل مزیدا من الازدھار والتقدم العلمي والإنساني والمعرفي، فعن أي ربط أخلاقي
بالدین یتحدّث المؤمنون. مع ضرورة التذكیر مجددا أن النظرة الشرق اوسطیّة للغرب العلماني تجاه قیمھم الأخلاقیة والتي
یصفون مجتمعاتھا بالانحلال الاخلاقي ما ھي إلا نظرة أحادیة مبتذلة نتیجة لكونھا تجعل المعیار الأخلاقي لمجتمع ما ھو الجنس،
ولھذا فالمجتمعات العلمانیّة في نظرھم مجتمعات منحرفة اخلاقیة نتیجة لتفشي الفجور والشذوذ والممارسات الجنسیة، الأمر الذي
یجعلھم یتناسون الجانب الآخر من القیم وحكرھا على الجانب الجنسي فقط دون الأمانة والصدق والإخلاص والاحترام والنظام
والتعاون والتعایش المشترك.
ولھذا نرى الأخلاق في المجتمعات العلمانیة أكثر قابلیة للتطور والنمو والتغییر وتراتیب العصر ومقتضیاتھ، وخیر دلیلٍ على
ذلك ھي القیم الغربیة التي سار على نھجھا الغرب قرونا عدیدة بدعمٍ نصيّ دیني یھودي ومسیحي كالعبودیة والعنصریة ضد
السود، والیوم ما ھي إلاّ صفحات سوداء في تاریخ المجتمعات الغربیة تم تخطیھا على عكس القیم الدینیة التي تقع تحت مبدأ
التمسك بھا كنصوصٍ جامدة ومطلقة وغیر قابلة للتجزئة أو التغییر أو التطویر أو إعادة صیاغة أو ھیكلة لتناسب حاجیات البشر،
وإن كانت تعالیم مرَّ على نشوئھا مائة قرن. ولھذا لو حدّثتَ علمانیّا عن جرائم بوش أو موسولیني أو ھتلر أو ستالین؛ فعلى
الأرجح سیستنكرھا ویدینھا ویعترف بأنھا جرائم ضد الإنسانیةّ على غرار بعض المؤمنین الذین یقفون في صف الشخص أو
النص مقابل المبدأ.
……یتبع

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started