الأخلاق بين التشريع الإلهي والإنساني – الجزء الثاني

فرضیّة أنَّ الأخلاق مصدرھا الرب؛ ھي أیضا فرضیّة غیر مقبولة، والسبب في ذلك ھو منطق إلھ الفراغات، إذ یمكننا القیاس
على ھذا النحو بناءا على منطق المؤمنین في تفسیر أي شيء غیر مفھوم، دعونا لا ننْسَى أنّھ في ما مضى؛ كان العالم یفسر
البرق والرعد والفیاضات والزلازل على أنھّا ظواھر طبیعیةّ ورائھا غضب الرب على المقصرین في عبادتھ. ثم أتضح فیما بعد
تفسیر تلك الظواھر الطبیعیة وعواملھا من خلال علماء الفیزیاء والجیولوجیا والكزمولوجیا، وأصبحت تلك التفسیرات الدینیة
القدیمة لیست محل شك، بل محلُّ سخریّة لمن یصرُّ على صحتھا ویستند في تفسیرھا من خلال الموروث الإنساني بشكلیھ الدیني
والإجتماعي المتشكل في الأسطورة والخرافة. فالمؤمنین قدیما كانوا یفسرون كل شيء غیر مفھوم إلى الرب، فالإنسان مخلوق
استنادا إلى سفر التكوین، كأول وثیقة سماویّة، والأرض والكون مخلوق استنادا إلى الإصحاح ذاتھ، ولیس لفكرة الإنفجار العظیم
أو فرضیّة أخرى، والشمس تدور إلى الأرض كما أدعت نظریة بطلیموس، والبرص مرضٌ یصیب الإنسان لكونھ مقصرا أو
امتحانا لھ استنادا إلى سفر ایوب ولیس لوجود اضطراب في الجلد لنقص المیلانین في الجسم. وھكذا استمرت البشریة بتلك
التفاسیر الموروثة إلى أن أتى العلم وأزاح تلك المفاھیم، وأصبحت تلك الفرضیات مجرد تراث أنساني قدیم یصحُّ التعلمّ منھ
دروسا في المحاولات الجادة للإنسان الأول للوصول إلى المعرفة. وبھذا أصبح مفھوم إلھ الفراغات مفھوما خشبیّا وفكرة مثقوبة.
أود أن أطرح مفارقة أخرى، للوصول إلى نقطة مھمة من خلال طرح سؤال كمقدمة: ھل یصح إعتبار قانون الجزاء العماني
مصدرا للأخلاق ؟
أولا،ً وقبل الإجابة على ھذا السؤال، یجب أن نعترف أن قانون الجزاء في كثیر من الدول ھو الوسیلة الوحیدة الرادعة للعدید
من الجرائم التي تحدث في مجتمع ما، ولولاه لأصبح المجتمع یعاني من مشاكل أخلاقیة وفوضى عارمة لا تنتھي، فقانون الجزاء
لیس موقّعا للعقوبات وحسب، بل رادعا ومنظما،ً فأي فرد في المجتمع تسوّل لھ نفسھ في السطو لبیت جاره لسرقتھ؛ قد یتراجع
خوفا من العقوبات المتمثلة في الحبس، وبنود قانون الجزاء مصدرھا الدین الإسلامي والبعض الآخر قوانین وضعیة مستوحاه
من القانون الفرنسي الذي اتخذتھ مصر كمصدر أول في تأسیس سائر القوانین، ومنھ قامت باقي الدول الإسلامیة بأقتباسھ من
مصر. فھل یصح مجددا إعتبار قانون الجزاء مصدرا للأخلاق بأعتباره منظما ورادعا ومعاقبا؟ً وحتى لا أضع الإجابة على
السؤال بید القارئ، ومنسحبا من المسؤولیة، أود أن أھيء لھ الإجابات بكافة أشكالھا.
فمن یدّعي أن القانون مصدرا للأخلاق؛ فھو بذلك یقوم بإبتذال مفھوم الأخلاق وذلك بربطھ بشكل مباشر بالجزاء المتمثل بالعقاب
أو الثواب، ویمكن القیاس على ذلك بالدین، متى ما ربط القیام بعمل خیر بالثواب والأجر، وبعمل الشر بالجزاء والعقاب، ألیست
المقاربة واردة بین قانون الجزاء والدی ن.
فالأیات والأحادیث التي تحث على الأمر بالمعروف والنھي عن المنكر وتربط ذلك بالثواب والعقاب لا یمكن الإعتداد بھا كمعیارٍ
أخلاقي، لما في ذلك من تجارة بین العبد وربّھ، وعلاقة معبودیّة ثنائیّة، أيْ مجردُ أمرٍ یفعلھ المؤمن أو ینتھي عنھ رغبة في ثواب
أو تجنبا لعقاب فقط، ولیس لدواع أخلاقیة تنبع من الروح الإنسانیة، فالمقاربة لا یمكن أنكارھا أو استنكارھا، فكلاھما یحثاّن على
فعل الخیر والإمتناع عن فعل الشر، وبداھة فالتھدید بالنار أو بالحبس لا یمكن وصفھ خُلقُا،ً بل تنظیما.ً فالأخلاق ھي ما لا یرتجئ
منھ شيء في المقابل؛ فعلٌ أنساني محظ وخالص. فالموظف الملتزم بقانون مؤسستھ الداخلي والذي ینظم العمل وتوقیتھ والحضور
والإنصراف لا یجعل من الموظف خلوقا متى ما عَمِلَ بھ أو منحطا متى ما خرج عنھ، بل یجعلھ أمّا موظفا ملتزما أو موظفا غیر ملتزم. وتلك أزمة لا یمكن وصفھا بأزمة وأشكالیة مصطلحاتٍ وحسب، بل أزمة ھوّیة.
وبالرغم من كوننا نعیش في مجتمعاتٍ قانونیةّ، إلاّ أن أكثر ما نقوم بھ لا نجُبرَُ علیھ قانونا؛ً بل نقوم بھ طوعا،ً فما من قانون
یجبرنا على مساعدة الآخرین المتعرضین لحادث سیر في الطریق، وما من شيء یجبرنا على المخاطرة بأرواحنا في سبیل إنقاذ
رجلٍ من الغرق، وما من بندٍ یجبر الكثیر من النشطاء الحقوقیین على الدفاع على انتھاكات لحقوق الإنسان، بل ھي النزعة
الإنسانیة الدفینة في كل أمرٍ یقدّرُ إنسانیتّھ، وبالمقابل، فأننا تتاحُ لنا الفرصة في الكثیر من المواقف للسرقة أو الإختلاس مع انعدام
احتمالیة أن یكتشف أحدٌ الأمر، وبالرغم من كل ھذا لا نفعل، فھناك ما یكُسِرُ كیان الإنسان متى ما رأى طفلا یعاني من إعاقة
مستدامة أو مصابا بالسرطان؛ وببساطة ذلك النوع من الإنكسار لا یمكن أن یحدث بشكلِ ثواب أو عقاب، فھو یحدث خارجا عن
إرادتنا وبلا وصایةٍ دینیّة. تلك ھي الأخلاق الإنسانیّة التي تجعلك لا تشمت حتىّ في عدوّك. فمساعدة شیخ ھرما یقطع الطریق،
أو عجوزا تحمل أمتعة ثقیلة، أو القیام من مقعدك لتقدمھ لأمرأة لا یحتاجُ إلى وحي إلھ ي.
الأدیان لم تقدّم معاییر أخلاقیّة جدیدة، بل أتت للتأكید علیھا، ولھذا لن ترى مجتمعا یشجع أفراده على الكذب أو السرقة أو
الإغتصاب، فالأخلاق ظھرت لحاجة المجتمعات الأولى لفضائل أخلاقیّة لیساعدھا في الإستمرار، وإلاّ فلنتخیّل مجتمع ما لا قیمَ
أخلاقیّة فیھ سوى القتل والسرقة والإغتصاب؛ بكل تأكید لم تكن البشریّة كذلك، وإلاّ لتوقف النسل البشري عند الحضارات الأولى
ولم نشھد الألفیةّ الثالثة بعد المیلاد. فالمجتعات البشریة الأولى قد أدّت ما علیھا لتبني تلك المعاییر والقیم الأخلاقیة كمعاییر سلوك
وتنظیم ولنا في التراث الإنساني مشاھد یمكن الإستدلال علیھا كشریعة حامورابي، ولیست مختزلة في موعظة الجبل التي یدّعي
أغلب المسیحیین بأن یسوع قد قدّم للإنسانیة أخلاقا أصیلة، بل على العكس تماما؛ً فقد تشبّع الجنس البشري من تلك المفاھیم
الأخلاقیة قبل یسوع وناموس موسى أیضا،ً وبالمقابل أیضا لا یمكن القول أنَّ القرآن أتى منفردا بفكرة البر بالوالدین، أو عدم
سرقة مال الأیتام أو محاربة الربا الفاحش، فلا یمكن التخیلّ أن تلك الأخلاقیات لم تكن مذمومة في المجتمع الجاھلي، وخیر دلیل
على ذلك الأدبیات الموجودة والتي تذكر الجود والكرم والحمیّة وصلة الرحم والحب والسلام التي أبدع فیھا كاتبوا المعلقّا ت.
كثیرا ما نسمع أو تستخدم وصفا لا شعوریاّ مناّ في وصف حادثة أو فعلٍ ما یقوم بھ شخص عطوف على آخر لا یعرفھ ولا
تربطھ بھ أي صلة بوصف “إنساني”، إذ أنَّ المتكلم ھنا یخاطب الفاعل بھذا الوصف ولیس بوصفٍ آخر كأنتَ مسلم أو مسیحي
أو مؤمن، ویرجع ذلك إلى إیمان وإدراكٍ وحسٍ داخلي في المتكلم بكون الفعل إنساني بالدرجة الأولى ولیس ذو مصدرٍ دیني،
ولو كان الفعل ذو باعث دیني؛ لأختلف الوصف وأصبح المخاطب یوصَفُ بالمؤمن الج یدّ أو بأنھّ مسلم جید أو مسیحي رائع على
افتراض أن الدین ھو الباحث الوحید لذلك الفعل الخیري الإستثنائي، بید أنَّ المخاطب والمتكلم كلاھما یحبذان الوصف الأول
اعترافا ضمنیاّ منھم أن الفعل ذو باعث أنساني خالص
.
….یتبع

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started