الأخلاق بين التشريع الإلهي والإنساني – الجزء الأول

لقد أتفق المؤمنین في جمیع الأدیان على وجود مصدرٍ واحد للأخلاق، وھو لله، بید أنّھم اختلفوا في قضیة واحدة ھي أساس ھذا
الاتفاق، فكون لله مصدرٌ للأخلاق؛ والذي یحتم علینا بداھة استنباط ذلك من خلال التعالیم الإلھیة المتمثلة في الكتب المقدّسة
فقط. وقد أتفقوا أیضا وبالتساو على أن كل كتاب مقدس لا ینتمون إلیھ غیر أخلاقي، ولھذا فالعھد القدیم مصدرا للعنف كما یراه
المسیحي البروتستانتي أو الإنجیلي، والعھد الجدید مصدرا للعنف وصناعة الطغاة كما یراه المسلم، والقرآن مصدرا للعنف كما
یراه المسیحي والیھودي في آن واحد. ففي ماذا أتفق المؤمنون بالضبط؟ لقد أتفقوا على أن الأخلاق الحمیدة لا یمكن أن تخرج
خارج نطاق الدین، وبھذا یرى كل مؤمن أن دینھ باعث للأخلاق، وأن الإنسان بلا دین لا یمكنھ أن یكون خیرّا محبا للغیر.
بدایة، سأتناول الموضوع بعیدا عن الأدیان، أي یجب أن نجرّ د الإنسان من أي دین قبل الحدیث عن الأخلاق لنرى ما إذا كان
باستطاعة الإنسان أن یكون بأخلاق حمیدة وبلا دین في آن واحد. ویحتمّ علینا أیضا أن نسأل أنفسنا أسئلة ملحّة وضروریةّ
لمعرفة ما إذا كان الباعث الوحید عن فعل الخیر أو الامتناع عن فعل الشر ھو الدین وحده؛ لذا لنجرّد الإنسان من أي دین قبل
البدء في الحدی ث.
ما الذي یجعل الإنسان یفعل الخیر ویمتنع عن الشر وإلحاق الأذى بالناس وھو لا یؤمن بوجودِ جنّة ستكونُ مكافئة لھ أو سعیرا كعقاب لھ عند موتھ؟ ما الذي یجعل الملایین من البشر في العالم ال لا-دیني یمتنعون عن اغتصا ب أمھم أو ابنتھم؟ ما الذي یجعل
الإنسان لطیفا في تعاملھ مع الغیر لا یؤذي ویساعد الضعیف والمسكین وھو لا یذھب كل أحدٍ إلى الكنیسة أو إلى المسجد أو إلى
المعبد؟ لماذا یقوم ملحد ما بمساعدة شعوب أفریقیة یغرقھا الجوع والفقر والأمراض وھو متقین تماما أن ذلك لن یسا عده في عالم
آخر؟ بكل تأكید تلك ھي عینات نراھا ونسمع عنھا كل یوم. لكن كثیرٌ منا یجھل ما یحفّز ھؤلاء على القیام بذلك. كحال الشعوب
80 % من الیابانیین – % الشرق أسویةّ مثلا.ً الیابان یبدو مثالا جیدا؛ً حیث تشیر إحصائیة 2007 على أن ھنالك ما بین 65
لیسوا مؤمنین بأي دیانة، وھم ینقسمون بین ملحدین ولا أدریین. الأمر الذي یجعلنا نسأل سؤالا لا یبدو ضروریا ولكن وجب
الافتتاح بھ لیفھم السیاق: ھل ھنالك من یتجرأ على القول أن الشعب الیاباني لا یملك أخلاقا ومثلا علیا تفوّقت – من حیث التجربة
– على كل الأدیان المعاصرة؟ وھل ھنالك من یستطیع القول أن الیابان لیست أقرب مثال لجمھوریة أفلاطون الفاضلة أو یوتیوبیا
توماس مور؟.
حسنا،ً ما ھي الأخلاق وما ھو مصدرھا؟ وھل حقّا الإنسان المؤمن ذو خلق رفیع أكثر من غیره من اللامؤمنین؟. كعادة طارح
الأسئلة ھذه؛ یقع الجمیع من مؤیدین أو معارضین، من أصحاب إیجابات نموذجیة إیجابیة أو سلبیةّ في مغالطة كبرى. فكون
الأدیان تحمل في طیاتھا قیم أخلاقیة شيء، وكون المؤمن في واقعھ التطبیقي ینافي تلك التعالیم الإنسانیة شيء آخر.
مجددا وبعیدا عن الدین، إذا تمعنّا في تلك التعالیم فالأمر یحتاج إلى مجلدات للخروج بنتیجة نھائیة وكشف مدى شرعیتھا ومدنیتّھا
أو أقلّة تناسبھا مع الوضع الحالي. فكون الوصیّة السادسة والسابعة والثامنة من العھد القدیم لناموس موسى والتي تنھى عن القتل
والزنى والسرقة وشھادة الزور لا تعني إطلاقا أن ناموس موسى قد نجح في المجتمع الیھودي ذو قیم وأخلاق نبیلة، علاوة على
كون تلك التعالیم موجودة منذ الأزل في شرائع الأولون ككنفوشیوس الذي سبق موسى وحمورابي الذي ترك للعالم مائتان وأثنان
وثمانون مادّة قانونیة وتشریعیة في الأخلاق والسلوك والتنظیم، الأمر الذي لا یدع مجالا للشك أن الأخلاق لیست حصرا على
الأدیان، ولم تنجح ھي الأخرى في التغلّب على الفطرة الإنسانیّة التي وھبتھا لنا الطبیعة من غرائز حب الإستمرار والبقاء
التعاطف والرحمة والدفاع عن النفس وفي المقابل بلا شك الغرائز العدوانیة الشریرة والتي خلقت مع الإنسان بسبب العوامل
البیئیة أو الإقتصادیة أو الإیدولوجیة وانتجت فیھ غرائز الإنتقام والغزو على القبائل والكره. وربما خیر دلیلٍ على فشل التكوین
الإجتماعي الأخلاقي للمجتمع الیھودي حینھا ھي تجربة السامري الذي أطاعھ الیھود وعبدوا العجل متجاھلین أول وصیّة في
العھد القدیم المتمثلة في عدم الإشراك بیَھوه.
التدینّ وعدمھ لا علاقة مباشرة لھ والأخلاق، وقولي ھذا لا یعني بالضرورة أن الأدیان لم تنجح في خلق قیم أخلاقیة عظیمة بل
على العكس تماما،ً فقد نادت كل الأدیان بكل أشكالھا القدیم منھا والجدید والمستحدث، الإبراھیمي والسماوي والوضعي بذلك،
فلا توجد دیانة ما تحثُّ على القتل أو السرقة، بل جمیعھا یدعو إلى المحبة والعدل والسلام، ولك ن.
یصبح الدین متمثلا في التعالیم الدینیة السلوكیة والفكریة أداة قتل یصح أن یسمى قتلا إلھیاّ،ً متمثلا في القصاص، ویصبح الدین
فعلا إجرامیّا مبررا كالغزو أو الجھاد أو الحملات، أو الفتح أو الإحتلال أو الإستیطان، وكل ذلك بدعمٍ دیني والسبب في ذلك
یكمن لیس في الدیانة التي یراھا المؤمن شمولیةّ وكاملة؛ وإنمّا رغبة منھ في تسییر دینھ في كل نواحي الحیاة الفكریة والإقتصادیة
والسیاسیة، ولأن النصوص الدینیة أتت بأحكام ونصوصا مطاطیة یصلح استخدامھا بطرقٍ عدیدة من خلال التأویل أو التفسیر
أو القیاس، على الرغم من وجود الأحكام القاطعة التي یمكن أن تعد دستورا لا یمكن تجاوزه في ظل وجود قوانین ولوائح تنظیمیة
لو ارتأى منھا وجود ما یتعارض؛ لتركت ویتم الرجوع إلى الدستور الأول كالقرآن أو الوصایا العشر أو الإنجیل بدلا من الحدیث
أو الھاجادا أو التلمود أو الكتب الأبوكریفیة أو أعمال الرسل والقائمة تطول والھدف من ھذا لیس أنكارا لھا، وإنما حتى لا یسعى
المتطرفون إلى أستخدامھا لأھواءٍ شخصیّة أو أغواء المؤمنین، بالإضَافة إلى درء الفتن والحروب مصداقا لما قالھ عمر بن
الخطاب: أمشناة كمشناة الیھود، وحتى لا تكون لنا عند الآخرین حجّة، فھي تصلح أن تكون في بعض الظروف كلمة حق یراد
بھا باطل كوقعةِ صفی ن.
الیھود لم یحتالوا على العالم لإستیطان فلسطین من خلال السیاسة أو المال، ربما كانا الأخیران عاملان أساسیان لنجاح الخطّة،
ولكنھم فعلوا ذلك من خلال استخدامھم الدین المتمثل في الوعود التي قطعھا الرب لأھل كنعان في أرض المیعاد، وھو ما یفسر
أرتحال أغلب یھود العالم إلى اسرائیل الآن، نعم لا یوجد ھناك رئیس دولة واحد یقول لشعبھ وجنوده أذھبوا إلى الحرب، لنأمن
مستقبل أبناءنا من النفط والمال، فجورج بوش استخدم الحیلة الدینیة ذاتھا في حربھ على العراق. حینما قال” لله أمرني بأن
أغزي العراق” وفي مقامٍ آخر قال” لله أمرني أن أخلص العراق من الطغیان”. وھو ما یثبت الیوم سبب عدم رغبة بعض الدول
الثیوقراطیة في تعدیل مناھجھا الدستوریة وقیمھا التشریعیة، فیقع المجتمع بأسره رھینا لحقبة زمنیةّ، أو رھینا لأھواء ولي الأمر،
ومثالا أقرب لذلك ھي الحرب الأخیرة للسعودیة على الیمن التي یعتقد غالبیّة السعودیین أنھا حرب عادلة ومشروعة. نتیجة
للتعبئة التي تجعل من الجمھور المؤمن یقبل قتلا بالقنابل العنقودیة المحرّمة متى ما غلفّ أي فعلٍ باسم الدین
.
نظرة ثاقبة للشرق الأوسط، نستطیع من خلالھا التأكد أن المجتمع الشرق أوسطي [العربي، الفارسي، التركي] وصل إلى آخر
مرحلة من مراحل الإنحطاط الأخلاقي؛ حینما أعتنقت تلك المجتمعات فكرة أن الجنس ھو المقیاس الوحید للأخلاق، وبھذا یصبح
ما عدا ذلك صفات سلبیّة وحسب، فالكذب والعنصریة والسرقة والرشوة وأحتقار الآخرین سمات أساسیة من سمات المجتمع
الشرق أوسطي، ملازمة لھم لا ترقى لتكون كارثة أخلاقیة في نظرھم مقارنة بمفاھیم جنسیة قدیمة ومستحدثة كالشرف والعرض
التي یعدّھا الشرقي المقیاس الأول للأخلاق الفردیة والأسریة.
تلك قراءة تحلیلیة أھدف بھا التذكیر بالوضع الحالي للشرق الأوسط، قبل الشروع في العودة إلى الموضوع الرئیسي، وھذه المرّة
بطرح أسئلة ضروریة، استفتاحا لموضوع فرعي آخ ر
ھل كانت البشریة على مر العصور تعیش في فوضى قبل ظھور الدیانات؟ ھل كان النبي محمد سيء الخلق قبل نشوء الإسلام؟
كیف لأبا بكر أن یكون أعفَّ الناس في الجاھلیّة؛ فقد حرّم على نفسھ حتى الخمر وكان حافظا لعرضھ ومروءتھ ، كیف لعثمان
أن یكون بذلك النبُل والكرم ویمتنع عن الخمر قبل الإسلام وھو من بني أمیّة ذا جاه ومال ونسب ، ما الذي یجعل ھاذین بمالھم
وجاھھم ومنزلتھم في قومھم بأن لا یطغوا ولا یستعبدوا ولا حتى یشربوا الخمر ولم ینزل فیھم الناموس الأكبر؟
یعتقد المؤمنین بأن الأخلاق محتكرة في الدین، وأنَّ الدین ھو المصدر الوحید لھا، ومن ینادي بغیر ذلك من غیر المؤمنین ھو
لص قام بسرقة القیم الأخلاقیة من الدین لینسبھا إلى نفسھ. بید أنَّ المؤمن وغیر المؤمن یقع في دوّامة عدم المقدرة على التفریق
بین [الحاوي] و[المصدر]، فھي لا تعدو أكثر من أشكالیة مصطلحات ومفاھیم فقط، إذ أنَّ المؤمن یصدقُ في قولھ حینما یقول أنَّ
الدین ھو من أتى بتلك القیم الأخلاقیة، فھو الحاوي الوحید الذي من خلالھ یتقوّم سلوك الفرد المؤمن، والسبب في ذلك یرجع إلى
كون المجتمعات العربیة لا تملكُ إرثا حضاریاّ في القیم الأخلاقیة ولا حتى في الوقت المعاصر، لذا یبدو الدین ھو المصدر الوحید
لكون الإنسان ملتزما بالقوانین العرفیة والسلوكیة والمجتمعیة ومتى ما اندثر الدین انذرثت الأخلاق بداھة لعدم وجود بدیل، بید
أنَّ الأصل ھي أنَّ الدین حاوٍ مؤتمن لتلك القیم الأخلاقیة ولولاه لھلك المجتمع المؤمن، وھنا استخدم كلمة حاوٍ ولیس مصدر،
فكما سبق وتحدثنا، الإرث الإنساني یدللُّ بعدة شواھد على وجود الأخلاق قبل الأدیان، كما أنَّ المعرفة والفطرة الطبیعیة والمنطق
تؤكد على ذلك أیضا.ً ویحضرني استدلال آخر لتبیان الفرق واستیضاح الفكر ة
في ظل وجود أدیانٍ متعددة، نشھد بین الحین والآخر مؤمنا متحوّل من دین إلى آخر أو من طائفة إلى أخرى، وھنا أودُّ أن أحدد
التحوّل المراد الحدیث عنھ إلى [التحول بناءا على الملكیة المعرفیة المبنیّة على البحث والتقصي] لا تحوّلا عاطفیّا أو إیمانیّا أو
محاولات أغواء وھي كثیرة. إذ نرى أن أغلبیة المؤمنین المتحولین ینسبون ھذا التحوّل بناءا على أوھام إیمانیة وھلوسات تتشكل
على شكل أحلامٍ أو مشاعر مضطربة، وھذا لا یصح القیاس بھم، أتحدث عن المتحولین الآخرین، المؤمنین بالقراءة والإطلاع
ولیس أولئك الذین یدّعون أن یسوع حدّثھم أو رؤوا الحسین في المنام أو جاءھم بطرس بمفتاح الجنّة.
في ظل وجود العدید من الأدیان، یقوم المؤمن المطّلع بالبحث والتفتیش، ویحدث أن یتحوّل أحدھم من دیانة إلى أخرى، والمعیار
الذي یتبعھ في سبیل التوصل إلى دینٍ جدید یختاره ھو الأخلاق، أي أنّھ یرى الدین [س] ھو دین أكثر أخلاقیّة من سائر الأدیان
التي تعرّف علیھا، فقرر ببساطة أن یتبّع تعالیمھ، وبلا شك فالمؤمن الجدید بالدین[س] قد قام بمقارنة قیم تلك الأدیان مع الأدیان
الأخرى بمقیاس ثقافي أكتسبھ من خلال العوامل البیئیة والإجتماعیة والإنسانیّة المحیطة بھ؛ الأمر الذي یؤكد لنا بداھة أن الأخلاق
موجودة فطریّا بشكلٍ من الأشكال، فالعقل البشري قادر على تمییز خیریّة أخلاق ما من شرورھا، وما أن تطابقت مع معاییره
إیجابا إلاّ وقام بإتباعھا.
یمر غالبیة المؤمنین بتلك المرحلة التحلیلیة دون شعور، فھم یضعون القیم الأخلاقیة محل إمتحان وتقدیر وتحلیل، ویختلف ذلك
من مؤمن إلى آخر ویتنوع بشكل وآخر: ضمنیّا على شكلٍ علامات استفھام وتعجّب أو تذمّر أو ظاھریّا على شكلٍ نقد بنّاء.
ویمكننا أن نستشف من ذلك ما یقوم بھ المؤمنین من تلك المرحلة، إذ ھم یولّونَ العقل البشري مھمة النظر والتقییم في تلك القیم
الأخلاقیةّ، أي أنھم یعتقدون بأن العقل البشري باستطاعتھ القیام بصیاغة أخلاقٍ ملائمة للمجتمع أو إعادة ھیكلة المنظومة الأخلاقیة
بناءا على مكتسبات وتراتیب العصر، ویتضح ذلك من خلال النقد الحاد الذي یمارسھ المؤمنون تجاه بعض القیم الأخلاقیة
المكتسبة من الأدیان الشرقیّة، كزواج القاصر وزواج المتعة والمسیار وتعدد الزوجات وتختین الأنثى وتحقیر الجنس الآخر
والرق واحتلال الشعوب تحت مسمى الفتوحات أو التبشیر أو الإستیطان والقائمة تطول، والأمثلة تضرب ولا تقاس.
…..یتبع

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started